الإثنين , أكتوبر 19 2020

قراءة في نص ” نقش على ماء ” للكاتبة فوزية أوزدمير ………… بقلم // الأستاذة زينب الحسيني

النص
نقش على ماء
أيّ لذّةٍ لمطرٍ دون رعشة الليل .. ؟
ولأنّني وأدت الحلم بيديّ
فأنا لن أبكيه
نقشت تفاصيله على وجه الماء
متجرّداً من ذاكرة الجرح..
ومن كلّ أغاني المساء
ولأنّني لا أعرف أبجدية الرحيل
ولأنّني ما زلت بين الحلم واليقظة
أنبض بخجل العذراء
بلحظة الاعتراف
ولأنّني أكتب قصائدي بماء السراب
أكنس الشبهات من جميع دفاتري
وأبتسم ..
خافضة جناحيّ للحبّ
حين أضعت في المحطة الأخيرة كلّ أوراقي
ولأنّني أحتسي الصمت كما قهوتي
التي تتدثر بقعر الفنجان ليلة حمراء
وتنظر إلى قارئته باستحياء
ولأنّني تلك الحالمة العمياء
التي تتخبط بذيل ثوبها الطويل
وتركض لاهثة خلف فراشة حرقت جناحها
لتبرهن أنها على قيد الحب ما زالت
ولأنّني أرقص تحت المطر
مثل فراشة بيضاء
ثقلت موازينها من البلّل
تبحث عن ظلها
حتى دلوك الليل
أو قاب قوسين أو أنأى من ضحكة طفلة
تدحرجت من فمها قضمتها الأولى
حين سرّ
عبأت جيب المساء بأمنيات
وما احتمت بظلٍّ قصي
تروض المساء على العتمة
صهيلاً لكثير من جنونها
ولأنّني جسد لا يستره إلّا العري
وخفر ابتسامة جميلة
ولأنّني الغيمة التي تستحم في السماء الزرقاء
مزنات وكمنجات
عندما احتجبت ، حضنتني
الغيوم الكئيبة تتهادى في الفراغ
فوق انعكاسات صورتي في الأعماق الخضراء
نحو موانئ الحبّ
يلذعها العشق ، فتصرخ صامتة كاليراعة
يلتهم العشق جسدي
ولأنّني لا أرى صورتي مُنعكسة في المرايا
تعرت روحي حين لامسها البرد
تبحث عن رحيل الأشياء بين السراب
فتكتبني الثواني بشغف البكاء
ليتني أستطيع أن أكون
أحد عشر كوكباً
ونجمة ، لأقبلك وأصرخ ، والهزّة
تنزح جسدي ، فكأنّني
شققت نصفين
لِم كان لي دليل مراوغ
في طرقات العشق المتلوية ؟
أجلس إلى طاولتي الخشبية
ما الذي أستطيع أن أكتب لك ؟
خذني إليك أيها المتبرج عارياً بصدري
حزن وطن في قصيدة .. !!!!!!!

قراءة نص : نقش على ماء
للكاتبة الأستاذة : فوزية أوزدمير
بقلم : زينب الحسيني

يطالعنا نصٌ شعري صوفي, برعت في التعبير عنه , شاعرة ملهمة رصَّعته بمخزون صوفيٍّ تأملي , وبروحٍ شاعرةٍ شفيفة المشاعر مرهفة الأحاسيس, ثرية التصويرالمجازي التخيُّلي..
وهنا أرى من الضرورة بمكان أن أوجز بعض خصائص الشعر الصوفي .
أ_ الدلالات: دلالات الشعر الصوفي, متخفية خلف معنى العبارة الظاهر, وللرمز أكثر من مدلول, فهو يختلف من صوفيٍّ لآخر حسب تجربته الروحية الشعرية.
ب_ الصور الشعرية تتميز بجدليتها,فهي تعبر عن تجربة الذات الشاعرة وتأملاتها, و في فهمها لثنائيات الوجود من فرح وحزن , من قنوط وأمل , من تلاشٍ وانبعاث .. من الصعب الإحاطة بمعانيه ودلالاته.
ج_ ” الرقص الصوفي هو نوع من أنواع الذكر عند متتبعي الطريقة الصوفية, ويكون بالدوران والتأمل بهدف الاقتراب من الذات الالهية من خلال طقوسهم المميزة .
أما الرقص/ الدوران, فهو رقصة يمارسها الصوفيون, كشكل من أشكال التأمل النشط الذي يرقى بالجسد روحياً . “نقش على ماء ” جملة اسمية مكونة من كلمتين كل منهما نكرة , يجمع بينهما حرف الجر “على ” والنقش على الماء, كالسراب, لا يترك أثرا ولا دليلاً على صاحب النقش.
في الاستهلال تقول الشاعرة : ولأني وأدت الحلم بيدي .. فأنا لن أبكيه ..
ولأنني بين الحلم واليقظة
أنبض بخجل العذراء , بلحظة الاعتراف ..
يتضح أنهاتعبر عن خلجات أنثى شرقية, مسكونة بهاجف الخوف من الاعتراف بالحب , وهو واحد من التابويات المحرمة في مجتمعاتنا , لذا تقول ” أكنِّس الشبهات من جميع دفاتري .. وأبتسم ..
خافضة جناحيَّ للحب”ثم تتابع التعبير عن كبتها أحاسيسها بصمت, كقهوتها التي” تندثر بقعر الفنجان..” وتنتظر ما تقوله العرافة كحالمة عمياء” تروِّض مساءها على العتمة, لتطلق فيها “صهيلاً لكثيرٍمن جنونها ”
تذكرنا هنا برائية أبي فراس الحمداني حيث يقول:
“إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى ………….. وأذللت دمعاً من خلائقه الكبرُ.
وتستمر رحلة الحلم, فتحلق الشاعرة في الغيم, وتستحم “في السماء الزرقاء”
بين أحضان الغيوم الكئيبة, فيلدغها العشق, ويحلق جسدها وتتسامى روحها مبتعدة عن كل ما يكدِّر عشقها..
ثم تبدأ رحلة التأمل الصوفي فتتبدد الأشياء وترحل , لتصبح سراباً ..أو نقشاً على ماء.
تاملاتٌ وجودية ذات علاقة بالوجود والعدم وكيف تندثر الحياة ويعقبها فناء يليه انبعاث..
في النص تناص مع سورة النبي يوسف وانزياح دلالي ،
إذ تتمنى الشاعرة “أن تختصر أحد عشر كوكباً ونجمة”, تسجد للحبيب..
تقبِّله وتطلق كل ما في داخلها من وجدٍ وصراخ مكبوت.

ويعاودها الإحساس بالخيبة,
فيتوحد في داخلها كما عند الصوفيين الحبيب والذات الالهية المخلِّصة,وتعيش حالة من الانعتاق الصوفي بعيداً عن
التابويات وكل ما يكدر عليها صفو أحلامها . فتستلهم الحبيب بقولها:
” خذني إليك أيها المتبرج عارياً في صدري
حزن وطن في قصيدة..!!!!
وهنا توحد بين الحبيب وبين الوطن , ذاك الحزن الذي يمور في الضلوع على أوطان تغرق في الحروب العبثية
والتشظي والتشرذم ..
الصياغة اللغوية : لغة مكثفة التعابير , ثرية بالمجازات والتخيل والحنكة في تصوير نفسية المرأة وتقلباتها ,
بين ما تؤمن بها فعلياً وبين ما تمليه عليها العادات والتقاليد من ممنوعات وتابويات يصعب التخلص منها , رغم ما توصلت
إليه المرأة بفضل وعيها ونضالها, لممارسة شيء من حريتها المشروعة في مجتمعات ذكورية ,
يمارَس فيه قمع النساء وتعنيفها وتهميش إرادتها .

أخيراً:
يتسم النص كغيره من النصوص الصوفية,باستخدام دلالات لا تكشف المعنى الحقيقي تماماً , أي حمالة أوجه
وتأويلات متعددة, وأحياناً حمالة انزياحات وهي تؤدي أكثر من غرض واحد في آن ولا يتم الكشف عنها بسهولة .
الصور الشعرية غزيرة ومتنوعة وشفيفة التعبير, وعلى سبيل المثال لا الحصر:
أنبض بخجل العذراء .
وتركض لاهثةخلف فراشة حرقت جناحها .. عبأت جيب المساء بأمنيات ..
وإلى ما هنالك من جماليات لغوية فنية ..
أخيراً , أتقدم من الشاعرة” فوزية أوزدمير” بخالص التقدير على هذا النص البديع الذي أمتعنا وحلق بنا بعيداً عن عالم اليوم الذي يفقد فيه الإنسان قيمته ووجوده كإنسانٍ فاعل راق.
نص يعكس رهافة إحساس ورؤى صوفية, بتقنية ومهارة في الصياغة , تعطيها بصمة متميزة في فضاء( قصيدة النثر) الحديثة وفي الفضاء الأدبي الواسع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: