الإثنين , أكتوبر 19 2020

المستوى السايكولوجي الناقد الذرائعي المغربي عبد الرحمن الصوفي

المستوى السايكولوجي في المنهج الذرائعي
مقال بقلم الناقد الذرائعي عبد الرحمن الصوفي

ترى الذرائعية أن جميع موجودات الكون الملموسة وغير الملموسة هي موجودات صماء في العالم الخارجي ما لم تدخل العالم الداخلي في العقل الإنساني ليعطيها الكينونة والوظيفة التي وجدت من أجلها منطقاً والميكانيكية الفيزيائية التي تعمل بها ، فكل شيء مرئي أو غير مرئي تدركه الحواس هو موجود ، وكل شي يغيب عن العقل البشري ، ليس له دلالة أو مدلولات في العقل البشري لأن تأريخه الوجودي والتكويني يكون في حيز العقل صفرا ، وهذا المنظور يقودنا الى أن كل مكون في تلك الحياة يبحث عن معناه فهو، إذاً ، دلالة ، حالما تدركها الحواس ، تسجل في المخ البشري بملف خاص بها يضاف له كل معلومة تحدث له أو تتعلق به في الكون ، يقول (محمود عباس العقاد) في هذا الخصوص ، في كتابه – الأنسان في القرآن – ” واستمع الناس إلى العقلية فقال لهم قائل منها: إن إنسانيتهم كذلك شيء لا وجود له ووهم من أوهام الأذهان وإن الشيء الموجود حقا هو الفرد الواحد وبرهان وجوده حقا أن يفعل ما استطاع من نفع أو أذى كلما أمن المغبة من سائر الأفراد والأحداث “[1]يفتح هذا القول الباب نحو جميع الموجدات من ناحية الفائدة وعدميتها ، ويوسمها القول بالعبودية للإنسان لأنه الوحيد الذي يملك العقل وفي العقل يكمن الذكاء وهو مقود الإنسان ، فالأشياء دون عقل هي مخلوقات صماء ، وبذلك فالحواس لدى الإنسان ليس هي من تدرك الأشياء بالعقل ، بل هو العقل من يدركها وهو من يتحكم به كيفما يريد من نفع وضرر فجميع مدخرات العقل هي دلالات صماء تنقاد للعقل في العالم الخارجي حتى تنعكس فوق مرآة العقل فيسجلها ككينونات مُدركة من قبله ولكل كائن ملف خاص به والكائن الذي لا ينعكس في مرآة العقل ليس له وجود أبداً….بذلك برز الإنسان سيداً للمخلوقات بالعقل…

تتبنى أحد المدارس الفكرية ذات النفوذ المميزة في العلوم المعرفية ، نظرية ترى أن العقل يتجسد ويوسع نفوذه التأثيري فيوزع الأفكار أكثر من نفوذه في الدماغ و ما في الرأس “، و يثير هذا التحول في المنظور أسئلة كثيرة ومهمة حول العلاقة بين الإدراك والثقافة المادية ، مما يطرح تحديات رئيسية في الفلسفة والعلوم المعرفية وعلم الآثار والأنثروبولوجيا ، وأهمها كيفية تشكيل الأشياء للعقل ، يقترح صاحب النظرية (لامبروس مالافوريس) إطارًا تحليليًا متعدد التخصصات للتحقيق في الطرق التي أصبحت بها الأشياء امتدادات معرفية لجسد الإنسان ، وقد قام باستخدام مجموعة متنوعة من الأمثلة ودراسات الحالة ، ثم أخذ بنظر الاعتبار كيفية حدوث تلك التغيرات في هذه الطرق منذ عصور ما قبل التاريخ حتى الوقت الحاضر ، وتضيف نظرية (مالافوريس) المشاركة ، و بشكل قاطع ، الأهمية المادية – عالم الأشياء والتحف والعلامات المادية – في المعادلة المعرفية ، ولم يكن حسابه حدس تقليدي حول حدود العقل البشري وموقعه فحسب ، بل يقترح أيضًا أن نعيد التفكير في الافتراضات الأثرية الكلاسيكية حول التطور المعرفي البشري[2]، وتلك النظرية توقظ فينا مقدرة العقل البشري على العالمين الخارجي والداخلي ويقوم هو بالتسيد الكامل عليهما ، من حيث الوجود المادي للأشياء والمكونات التي تسكن العالم الخارجي ليس لها قيمة ما لم تدخل الطرف الثاني من المعادلة لتُدرك من قبل العقل حين يكتب عنها وصفاً تجسيدياً كاملًا وإلا تكون خردة لا قيمة لها في العالم الخارجي….

وترى الذرائعية أن العقل البشري يسجل كل شي تحسه الحواس البشرية في العالم الخارجي في صندوق الذهن ويخزنه وتعمل الحواس بين عالمين كناقل لجميع المعلومات والدلالات ، ترى الذرائعية أن العقل البشري يحتوي على خمسة حواس تعمل مثل الكاميرات تسجل كل شيء يحدث وهي( البصر واللمس و الشم و السمع والذوق ) وتلك الحواس التي تحدد كينونة الشيء ودلالته ثم تحيله نحو الدماغ البشري ، فالكائن الحي يرى ويسمع ويلمس ويذوق ويشم بعقله وليس بحواسه الفيزيائية الموجودة في جسده ،
وترى أن للدلالة وسيط وناقل يرحلها نحو العقل ، فوسيط الدلالة المحكية هو (الصوت) وناقلها هو (حاسة السمع) والدلالة المكتوبة وسيطها (الشكل) وناقلها حاسة البصر كما بالشكل التالي:
الشكل رقم(9) ترحيل الدلالة من العالم الخارجي الى العالم الداخلي

( انظر الخطاطة المصاحبة للمقال كصورة )

وتحدد الحواس بشكل مجرد دلالة الأشياء ومدلولاتها وترسمها بصور وتأريخ من حوادث مختلفة من حزن وفرح منذ ولادة الإنسان حتى موته وهذا التخزين المعرفي هو ما يميز شخص عن آخر ثقافيا ومعرفياً ، للذرائعية ، إيضاً رأي بالجدار فاصل بين الوعي واللاوعي ، فالدماغ الذي يتكون من مخزنين أو عقلين لذلك فتحت الذرائعية أكبر مستوى وهو المستوى السايكولوجي الذي يحتوى على ثلاثة مداخل نفسية وهم (المدخل السلوكي والمدخل الأستنباطي والمدخل العقلاني او التوليدي) كبوابات واسعة بالإضافة الى المداخل الأخرى (المدخل اللساني والجمالي والمتحرك والأخلاقي والرقمي) لتيسر حركة الدخول الى النص العربي وتنظم اتجاهاتها ، وجميع تلك المداخل تعتمد على المستوى السلوكي لأنه الطريق المعبد نحو العالم الداخلي للسايكولوجية الكاتب وبؤرة النص وإستراتيجية الأديب الداخلية لأن الذرائعية ترى أن الكاتب ، حقاً ، هو ساكن من سكان العالم الخارجي لكنه محكوم بأحاسيس وعواطف داخلية عادة ما تثار تلك من خلال فكرة في القشرة الدماغية أو عن طريق رسائل من الأعضاء الحسية الأخرى ، فتصل النبضات العصبية المنتجة إلى الجهاز الجوفي ، فتحفز تللك النبضات العصبية مناطق مختلفة من النظام الإدراكي في المخ ، اعتمادًا على أنواع الرسائل أو الأفكار الحسية ، وقد تنشط الدفقات الحسية ، بضغطين ضغط من العالم الخارجي والآخر من العالم الداخلي أي من الوعي واللاوعي ، فتعمل أجزاء هذا الجهاز الإدراكي التي تنتج أحاسيس جميلة مرتبطة بالخوف و الفرح والحب ، وقد تثار مناطق أخرى قد تنتج أحاسيس مغايرة وغير سارة مرتبطة بالتحريض مثل الغضب والخوف ، تتشارك العديد من مناطق الدماغ في تنظيم المشاعر التي يمر بها الشخص ، وتساهم في هذا الفعل أجزاء فيزيائية أخرى في عالم الجسد الحركي الذي يسكن العالم الخارجي ، حيث تلعب مجموعة التراكيب في الدماغ التي تسمى الجهاز الجوفي دورًا محوريًا في إنتاج الإثارة وعموماً يتكون هذا الجهاز من أجزاء من الفص الصدغي ، وأجزاء من المهاد وتحت المهاد ، وغيرها من الهياكل المكونة للدماغ الإنساني….فتفوح تلك الأحاسيس بحرارة الضغط الخارجي والداخلي فيلتقطها قلم الأديب لتشكل نصوصه الموسومة بأحاسيسه وإرهاصاته الداخلية ومنه نحو الناقد أو المتلقي الذكي….

أما ما يخص التفكير والتذكر ، فقد عرف العلماء القليل من المعلومات حول العمليات المعقدة للغاية المرتبطة بالتفكير والتذكر حتى الآن ، يتضمن التفكير معالجة المعلومات من خلال الدوائر في منطقة الترابط وأجزاء أخرى من الدماغ ، حيث تمكن هذه الدوائر ، الدماغ من ربط المعلومات المخزنة في الذاكرة وفي اللاوعي لتنقلها الى الوعي من المعلومات التي تجمعها الحواس ، أما بالنسبة لتكوين الأفكار المجردة ودراسة الموضوعات الصعبة ، فهي تتطلب أقسامًا معقدة تحتاج إلى دراسات مكثفة ، و تلعب الفصوص الأمامية للدماغ دورًا رئيسيًا في العديد من عمليات التفكير التي تميز البشر عن الحيوانات والتي ترتبط بالمخزون الهائل من العواطف والانفعالات والمشاعر والأحداث في
مخزن اللاوعي ، ومن المهم ، وبشكل خاص في التفكير المجرد ، هو تصور العواقب المتوقعة للأفعال و فهم المشاعر للشخص المقابل ، و بعض من جوانب التفكير الإنساني ، مثل المعتقدات الدينية والفلسفية ، التي باتت خارج نطاق فهم العلماء الآن ، وقد تظل كذلك لفترة طويلة قادمة حتى يتم استكشاف المعلومات حول الأساس العضوي للذاكرة ، و تلعب بعض هياكل النظام الحوفي أدوارًا رئيسية في تخزين المعلومات واسترجعاها و قد يفقد المصابون في هذه التركيبات ، القدرة على تكوين ذكريات جديدة ، على الرغم من قدرتهم على استعادة المعلومات المتعلقة بالأحداث التي أدت إلى الإصابة ، ومع ذلك يمكن لهؤلاء الأشخاص تعلم مهارات بدنية جديدة ، ولكن عند أداء هذه المهارات ، ينسون أنهم قد قاموا بها من قبل ، وكما شاهدنا فأن فهم الدماغ بشكل كامل هو حلم لم يتحقق للعلماء، لحد الآن ،وما نراه من شروحات هامشية قد مرت فهي تهويش وإحاطة سطحية عن اسرار هذا الصندوق المغلق الذي يحكم كل شيء فينا ، ونحن بصدد الأحاسيس والمشاعر فهي الصعوبات التي تواجه العلماء على تفسيرها وما ضج منها فهو خلط بين الفلسفة والعلم….وخلاصة القول وأهميته إن النقد هو نفّاذ لأعماق النص ويتم هذا التسلل والنفاذ في النص نحو سايكولوجية الكاتب والأديب وهي مهمة الناقد العلمي المثقف الذي يفهم كيفية إختيار أقصرالطرق والمسالك التي يتسلل فيها نحو مجاهل عوالم الوعي واللاوعي للكاتب عن طريق مدخل التقمص او السلوك ويربط هذا الدخول العميق الداخلي بالعالم الخارجي باستخدام بوابة العقلانية التي تمتلك (التناص) لينفذ منها للعالم الخارجي ثم يعود للتعامل مع صيده في بقية المستويات الذرائعية وكأنه صياد للؤلؤ يغوص في عالم الكاتب الداخلي ويأتي بصيده ليضمنه سلة الصيد وهي البؤرة التي توزع هذا الصيد على المستويات الأخرى المتعلقة بالعالم الخارجي وسنأخذ نظرة فاحصة على هذا العالم الداخلي .

[1] – عباس محمود العقاد . (1973 ). الإنسان في القرآن الكريم صفحة 9

[2] – Malafouris, L. (2013). How things shape the mind. MIT Press.-‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: