الأربعاء , أكتوبر 21 2020

المومياء: فتحي مهذب تونس

المومياء
غالبا ما يجد خفافيش نافقة على مكتبه الصغير بعيون بلورية ناصعة وأنوف صغيرة حمراء وأجنحة مفرودة كما لو أن لها رغبة جامحة في الطيران وشن غارات شرسة.
يفرك أصابعه محدقا إلى أعلى.
النوافذ عادة موصدة في الليل.
والباب مستيظ مثل حارس فرعوني طوال الليل.
إذن ما سر هذه الخفافيش الميتة؟.
سأل( ن ) (ك) وهي ممددة على سرير خشبي مثل أفعى المامبا.
من أتى بهذه الخفافيش القذرة؟.
من وضعها على مكتبي الصغير؟.
ليلة أمس نمت متأخرا جدا.
قالت( ك): لعل لقراءتك المكثفة لكتاب الأموات أثرا في سقوط هذه الخفافيش النافقة.
– بينما كنت منهمكا تقرأ هذا الكتاب الملعون مبتوت السبب بأحياز العالم الخارجي رأيت ناسا صغارا جدا يحملون جرارا مليئة بالنبيذ يقفزون مثل مثل مراكب ضائعة في المحيط.
وآخرين يقرعون صناجات بخفة ورشاقة.
رأيت مومياء متجهمة تقلم أظافرها
وتنعم النظر في لوحة الخشخاش لفان غوغ فاغرة الفم
مترامية الدهشة.
رأيت أغصانا ملتوية تزرب من كتفيك. شحذت بصري جيدا لاستغوار الحقيقة.
تحولت إلى شجرة مترامية الأغصان ثم انفرط سرب من الخفافيش النافقة من ذؤابة هذه الشجرة المدهشة.
حاولت الوقوف على قدمي لألقي كتاب الأموات من النافذة لتفترسه الأشباح الجائعة لكن خانتني ساقاي اللتان تحولتا إلى قطعتين من الرخام الخالص.
رأسي مدقوقة بمسامير إلى السرير.
عيناي فقط تلتهمان محتويات هذا المشهد المزعج الذي لا يتكرر أبدا.
حاولت الصراخ ولكن عبثا لم أفلح . لساني معقود. قلبي يغمغم مثل هر مهدد بالزوال.
كنت أشاهد جسدك يرفع بكل سلاسة إلى أعلى وتمحي معالم الشجرة التي تلبستك منذ حين.
حملوك في صحن طائر إلى عوالم ألف ليلة وليلة لتسرد قصتك العجيبة على شهرزاد.
ثم صكت أذني المتعبتين قرقعة
غريبة. إنه جسدك الذي سقط مثل جذع شجرة مسحورة.
قال (ن) لماذا كلما أقرأ كتاب الأموات تتلبسني حالات شتى؟
قالت: (ك)إنه كتاب ملعون.
منذ إبتياعه وتصفحه تغيرت أشياء كثيرة في حياتنا.
إحترق بيتنا مرتين. فرت قطتنا الجميلة المدللة إلى أمكنة غير معلومة .
ضرب المدينة زلزال مروع.
وغار الجراد على البساتين والسهول والمرتفعات..
قالت (ك) إن مومياء قذرة متجمدة حاولت خنقي بمخالبها الطويلة والإستفراد بك كما لو أنك كنز ثمين من كنوز توت عنخ أمون.
– أرجوك يا (ن) تخلص من كتاب الأموات ودع حياتنا تجري مثل الينابيع الصافية بمنأى عن كل المنغصات الفرعونية القديمة.
– لا يهم إن كان موتنا عبثيا معلولا بنهايات درامية موجعة للغاية
أو موت هادىء على سرير متواضع.
– نحن سنموت أي سنختفي في مكان ما من هذا العالم.
لذلك لا يزعجني جدا هذا الغول الذي يسمونه موتا بقدر ما يزعجني كتاب الأموات الملعون الذى منذ إقتحامه بيتنا قلب الأشياء وعمق كوابيسنا وقلقنا وجنونا.
دعنا نمت ببساطة الرعاة دون تعقيد وإشكال فلسفي ملغز.
فتحي مهذب تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: