السبت , أكتوبر 24 2020

“أختي مازالت بخير ” بقلم : نتالي دليلة

منضدة، ورقة، ثلاثةُ أقلام ، و ضوءٌ خافت ينير عتمة غرفة شديدة الهدوء
هذا كلّ ما احتاجتهُ سيليا لتكتب رسالتها المُنتظرة
أخذَتْ نَفساً عميقاً و سرَحتْ في الفراغ ثمّ أمسكتْ قلمها الأسود و أخذَتْ بالكتابة دون توقّف
” إليكِ يا نصفي الآخر و مكمّلتي ، إليكِ يا خليلةَ الرّوح يا أختاه ، اشتقتُ لكِ كاشتياق الأمّ لمولودها ، فإن كنتُ الصّباح كنتِ أنتِ شمسي الّتي لا تغيب ، و إن كنتُ المساء كنتِ أنتِ قمري المُنير ، و إن كنتُ البسمةَ كنتِ أنتِ السّعادة الّتي صنعتْني ، فإنّي وَ رَبُّ العبادِ مشتاقة .
في التّاسع من أيلول من العام الماضي ، توقّفت كلّ ساعات المنزل عند السّاعة الرّابعة و النّصف ،و تحوّل العالم إلى ضجيجٍ مزعجٍ للرّوح
أحسستُ بازدراء غريب و قلق غير معتاد و أنا أفتح باب المنزل ، حالما دخلتُ، بدأت الألوان تتلاشى من حولي حتى غدا كلّ ما أراه أمامي شديد السّواد
“هل يُعقَل أنّي أحلم ؟ ”
“ميلا .. يا ميلا أين أنتِ لا أعلم ماذا حلّ بي ! ”
“ميلا أنقذيني من هذا الكابوس المرعب ! ”
أبصرتُ بياضاً بعيداً أخذتُ ألحق نورهُ حتى قادَني إلى غرفتك المشؤومة و هناكَ توقّف الزّمن ..
كنتِ مَرميّةً على الأرض و بجانب ذراعك كُسِرَت كأسُ المياه الخاصّة بك
” ميلا .. استيقظي يا أختي ”
” استيقظي فقد جئتكِ بأخبار جديدة ”
و لكنّكِ لم تحرّكي ساكناً ..
أسرعتُ إلى الهاتف و طلبتُ الإسعاف ، بدأتُ أمسح وجهك بالماء و دموعي تتساقط فوق سترتكِ الحمراء
” ميلا .. غداً أبدأ يومي الأوّل في عملي الجديد ، ألن تذهبي معي ؟ ”
حضنتكِ بين ذراعيّ و أخدَت دموعي تتسابق إليكِ
” أنتِ بخير ، أجل أنتِ بخير و ما هذه إلّا حالة عابرة ستتجاوزينها و سنسافر سويةً الشهر القادم ”
أخذتُ أقبّل جبينك الأبيض ، ” أنتِ بخير ، و حالما يصل فريقُ الإسعاف ستستيقظين و كأنّ شيئاً لم يكن ”
” أنتِ بخير يا ميلا ، لأنّ هذا خيارك الوحيد ، لا يمكنك تركي أواجه قسوة هذا الحياة وحدي ”
” أعلم أنّك لن تتركينني ، فأنتِ ذراعي اليمنى و مصدر قوّتي ، أنتِ أختي الكبرى ”
حضنتكِ و أغمضتُ عينيّ ، أحسستُ بدفء الأخوّة الّذي كنتُ واثقة أنّي لن أُحرَم منه
رنّ الجرس ، ها قد وصل الإسعاف ، حملوكِ و وضعوك في السيّارة من الخلف
لحقتُ بهم و أنا أصرخُ بأعلا صوت
” إنّها بخير .. سوف تنجو .. من غير الممكن أن تتركني .. إنّها بخير يا ربّاه ”
صعدتُ سيارة الإسعاف و أنا أصرخ ” أختي بخير .. لا حاجةَ للإسعاف .. أختي بخير و ستبقى بخير يا أطبّاء ”
وصلنا المشفى ، نقلوكِ إلى غرفة العمليّات
” اخرجي من هنا يا صغيرتي”
دفعتُ الطبيب و دخلت معك و أنا أصرخ ” أختي بخير ..”
و دون سابق إنذار ، بدأ الجهاز بإعطاء إشارات غير مفهومة بأصوات مقلقة، دفعني الأطبّاء بكلّ قوةٍ إلى الوراء
صدمة كهربائية تلو الأخرى ..
لا استجابة ..
عادَ السّواد إلى كلّ ما حولي ..
استيقظتُ لأجد نفسي في غرفة الانتظار ، هَرعتُ إلى غرفتك .. لأجدها فارغة ..
جثيتُ أرضاً .. و توقّف الزّمان .. عقارب السّاعة ثابتة .. لقد رحلتي يا أختي .. خُنتي وعدكِ و رحلتي ..
كانَ هذا في التّاسع من أيلول من العام الفائت ، مازلتِ حيّة في ذاكرتي و قلبي ، مازلتُ أرتدي ثيابك وأضع عطرك ، أبكي على سريرك كلّ ليلة ، و أروي لكِ يوميّاتي بعينين دامعتين ، أقبّل صورتكِ و أنا أحتضن لعبتكِ الزرقاء المفضّلة ، أتخيّلكِ في واقعي و أقابلكِ في منامي ، فقد كنتي الزهرة الملوّنة الوحيدة في بستان حياتي الأسود ..
نصفي الآخر قد رحل ، و معهُ رحلتْ أجزاء من روحي المتماوتة ، بِتُّ نصفاً ناقص الاكتمال يعيش على أنين الذّاكرة ، يتجرّع لوعة فراق نصفه الآخر ،
و يدور الشّوارع بعد أن تُرِكَ للرّياح ، يتمتم في أعماق نفسه ” أختي مازالت بخير ” .

❥𝑁𝑎𝑡𝑎𝑙𝑖𝑒 𝐷𝑎𝑙𝑖𝑙𝑎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: