السبت , أكتوبر 24 2020

ثمة حلم يتسكع على شرفات القمر……بقلم ليلاس زرزور

ثمة حلم يتسكع على شرفات القمر .. يترنح مخمورا من رائحة المجهول .. يتلألأ عاريا في غمرة الهذيان .. يحاول فك أزرار الغموض راميا بمفاتنه عرض المنتهى ..
يافعا غادر ..
حاملا معه روحه وذكرياته وتفاصيل طفولة لم يعد يتذكرها جيدا ..
حط به الرحال في بلاد ..
فان كوخ ،جان مابوز ، مارتن فان ..لكن وطنه لم يرحل عن قلبه .
مع ألوانه وريشته اعتكف متناولا أحلامه بعيدا عن إيقاع المناجل وثرثرة الحصاد .. نقش روحه وفلسفته في كل لوحة من لوحاته ..
تمضي السنون وراهب اللون يحدو تواشيحه في كونية إنسانية لا تغادره ..
كان يقضي معظم أوقاته بالرسم
يحلق عاليا قرب السماء لحظة وخارج الطبيعة لحظات تكفي لتتنحى الفصول عن مهامها وتغرق في الخيال ..
ربع قرن وأكثر .. الطفل كبر .. والشاب أصبح كهلا ..
واللون أصبح أكثر وجعا وأشد عبثية .. فبعض الأحلام تشيخ قبل أن تقرع أجراس ميلادها .. تلتحف ابتسامة مصلوبة على شفاه متشققة .. وتمارس على امتداد أنفاس أرهق الإنتظار طقوس سباتها ..
عام آخر على أهبة الرحيل في وداعه ابتسامة تترجم حنينه وتترقب القادم بلهفة وجنون ..
جلس يحدث نفسه :
لقد كبرنا إلى حد قبعنا فيه وراء الظل .. نجدل العمر بخيوط الخرافة .. ونعيد حكايا الزمن الأسطورة ..
فجأة ينتصر الحنين وتقرع أجراس الإياب ..
حاملا معه نتاج عمر غائب حاضر ..
مئات اللوحات التي كتب عنها وأعمال فريدة انبهر فيها الكثير ..
عادت إليه طفولته .. وعاد ذاك الطفل الذي يمد يده ليتناول القمر ..
فلا شيء تغير ..
مازال الحلم يراوده بلحظات مضمخة بعبير الحب وبعض الشجن .. ودفء الوطن ..
عاد أخيرا احتضن بوجع وشوق مدينته العتيقة .. وأيامه الراحلة ..
هذا أنا .. هذا قلبي .. هذه روحي ..
أنفاسي .. أشيائي ..كلها هنا ..
طي خطوط وألوان وظلال ..

لم يكن يدري أن هذا الوطن كسيح قلبه او بلا قلب جسده شبيه ليل لا يعقبه نور ..
وطن يهبط عليه الثلج ميتا والحلم طفل ضائع .. على أعتاب الشتاء ..
الدفء فيه اسطورة قديمة انصهرت تحت لهاث الشمس ..
لم يكن يدري أن طوفان الدم يأبى إلا أن يجرف ماء الروح وعناق النبض ..
سمع صوت الإنفجار يدوي ويهز أصقاع المدينة لكنه استبعد أن يفترس ألوانه ويغتصب خلجاته بوحشية وعنف ..
اكتسح عمرا قضاه في المغترب ..
أحال عمره جمرا على جمر ..
فالليل أطبق وألسنة النار السوداء أحرقت كل ماتبقى ..

اييييه أيها الناسك ..
ها هو حصاد العمر يصبح رمادا رماد ..
تتيبس يداه ..
يتكور اللون صامتا يسأل عن موت ما ..
ربما هو أعلن عن موته وشيع هناك مع ألوانه التي أخذته طويلا ..
ومع كأس لا تفارقه .. أودع دمعته وتجاعيد عمر ضاع ..
دفعة واحدة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: