الخميس , أكتوبر 22 2020

قراءة في قصيدة السي محمد البلبال بوغنيم بقلم الاديب والناقد المغربي عبدالله علي شبلي .المغرب

قراءة في قصيدة السي محمد البلبال بوغنيم. في العدد الجديد من مجلة الآداب والفنون العراقية.

عيون المها لا تبكي في عهدة الشعر أبدا ، بل تنشر الأنس والجمال وتمحو ظلمة ليل الغبن والدنس. قراءة عشق في قصيدة ” عيون المها لا تبكي” للشاعر سي محمد البلبال بوغنيم. المغرب.

هذا الوطن الذي يسعى الشاعر لامتلاكه دوما في هواه الشعري السرمدي ، في مملكته التي يصنعها بترو على مدار حروفه المنسوجة بمخيط حاذق فطن، يجعله سنام قريضه ، وطن لا يشبه الأوطان من قريب ولا بعيد ، لا يشاكلها ولا يماثلها ، وطن بلبالي التنميط فريد التشكل ،لا يوازيه عند مخالفيه إلا ما أسماه هو ” حلما بعيدا ” ، رغم ذاك البعد الذي لا يطاول ولا ينال عند غيره ، فهو عند الشاعر طوع البنان رديف القريحة الشعرية ، ينسجه بخيوط حضنه ، بقلبه المجيب ، بعشقه الغريب ، ينتظره على مشارف قاب قوسين من تبني القصيدة ، وطن يرقبه من عل واقفا متأملا ، إنه صنيع القريض مذ تشكلت ناصية القصيدة ، وهو يغزله تباعا ، مهدهدا ومربيا لينا ، ويبني جدره لبنة لبنة ، شكله ، كما يشتهي من عيون المها التي لا تبكي ، غزال منطلق رديف الجمال والحرية والبهاء ، يمشي أو يجري مختالا ، لا يعترضه حاجز ولا يقف دونه حائل ، غزال ينشر الجلال والجمال ،عيونه
أمنيات الشعراء ، ورشاقته ذروة عشق غيد النساء ، هو نفسه ذاك الوطن الذي أسدل به حجب الأمنيات عن قصيده ليجعل ميسمه ما جاءت به مراسم الحكمة ونواميس الله ، ذكاء يصنع بتؤدة بالغة ، وبصيرة تسود ، وبهاء يرسم القيادة بغنج آسر في كنف المعنى . إنه الوطن ذاته الذي وسمه بالحلم الباسق السامق ، هو الوطن الذي لا ينهيه الشاعر إلا كحلم حادي العيس خببا.
وهكذا تباعا أفضى تناسل أحرف النص إلى استدعاء الشاعر السؤال الانكاري بحرفية ماهر ، ليغير من رتابة التعاطي ويستنهض لدى المتلقي شهية الترقب من جهة وحيرة التعاطي من جهة أخرى ، فيخرجه من معطى التقريرية والخبرية السابقة، ليفتح في وجهه متاهات التساؤل التي تكون مثقلة بالتأويل ، كيف لا والمقولة تنص على أن ” السؤال أقرب أبواب المعرفة ” .
إن الدعوة إلى التأمل التي تستبطنها الآيات القرآنية ستظل نهجا يحكم فلسفة البيان في هذا الكتاب الإلهي ، وهي نفسها الديدن الذي انتهجه الشاعر ، بل نسج على غراره اقتباسا لا تناصا حين قال ” أفلا تنظرون إلى الناس…. ليستتبعها بعد بالعبارة المبتورة من الآية وهي الإبل ، مع قرينة إضافية تستحضر عبرة النظر وهي العلو والسمو وجمال الخلق والتشكل ، نشير هنا إلى تتابع وتناظر كلمتي” علت ” و ” سمت ” .
هذه الدعوة ليست – كما يعتقد المتلقي – محصورة في التأمل فقط والعبرة ، إنها دعوة اختارت السؤال الإنكاري مسلكا ، لتسيد الجمال في وردة شذت ، ولتربي على تلقي الشعر في قصيد سمت ، وإلى تذوق عسل في مرارة الخيبة وكد الرجال.
هو وطن يتشكل بتناسل أحرف القصيدة ، تصنعه أرض عاشقة لامسها المطر ضجيعا فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ، هذه الأنسنة التي أصبغها المبدع على أرضه هي ما جعل الحروف تستقيم لتحيل على الرفد القرآني الذي استنبته الشاعر رويدا وعلى مكث في معارج مفاصلها ، وطن ذاك المنشود إنما هو أرض تقل وسماء تظل ، إنما الذي يمنح التموطن هو ” العرض “، وليس الأرض ” حفنة تراب من ديجور أغبر ” .
وتأتي الاستغاثة مباشرة ” لا تتركوني وحيدة ” لتمنح المتلقي يافطة عبور مجانية ، إن شئنا ، استعملها الشاعر بحذق بعد أن أسبقها بفعل ” قالت ” هذا الإنتقال الحواري لم يكن منتظرا بعد سابق تقرير ، غير أن تناسل علامات الاستفهام قبلا جعل الجواب منتظرا مرفوقا بنقطتي القول الضمنيتين
وإن تكن الأرض حفنة من تراب كما قلنا آنفا ، فان التراب لم تبع أرضا ولا عرضا ، بل هي خصب معطاء كفلت النماء والتجدد ، إنها تراب عطشى لتبوح بحب وطن كفيل بسيادة قيم الانسانية تكتب قصيدة في حب أرض لم تنجب شاعرا ، وكأنما الوطن هو امتداد لي ولك ولكل آدمي يحتاج الريح بوحا لتنقل حبه للآخرين هناك في طرف قصي.
ويمضي الشاعر راسما ديدنه بريشة تفصل مقاساته عبر ركوب السؤال الذي عشقه ديدنا في هذه القصيدة حصرا لا نهجا ،ليستنهض عند المتلقي منحى التفاؤل والبسمة ، كسرا للثام غيمي ساد ، لكنه لم يؤمن أبدا بتسيده وتغلبه ، بل آمن بهزمه وتحديه ، متخذا شمس النور والمعرفة والضياء أنموذجا يقتدى ، القدوة نفسها تصدر اقتساما مع شريكها ” القمر ” ليمنح الناظم نور العرفان وحكمة سليمان ليمارس الصمت والمعرفة على هواه ، وما السعادة بدون نور حكمة الصمت و صمت حكمة النور ؟
إنما اللغو والهفو في القريض تمهيد لمعصم ينز غربة الهوية وهوية الغربة ، بحيث يتشكل جب لم تألفه امرأة صنعت الغواية ساعة ذات عبور ، لكنها لم تألف ذلك ، لأنها تأنف هناك ، فهب تمايز وتحالف منشأ ومبتدأ ، فالبدايات تحمل لك النبأ يقينا من جذوره البعيدة ” إن ماء من غير جب الوطن سيكون آسنا لا عذوبة فيه ،فامض لتصفي ماءك وتسقط قناع الزيف عن ماهية وطن ترضاه قمينا يسقط صمتا ماحيا ولغة ملتبسة تتعايش مع الدماء وتحكم في شربها أساطير وخرافات مخرقة تخصص لكل شخص فينا حسب مقاسه وقده الذي يليق”
دعوة الشاعر إلى خلق وطن يعمره جيل يبني ، يضحي بمعرفة ودراية ، ويؤمن قبل هذا كله بقدرته على إسقاط ريادة الخرافة وسيادة المستحيل ، هو الجيل ذاته التي يراد له أن يصنع السلام والحرية ، يواجه تعنت هولاكو جديد مرغ الفكر والجذر ودنس الدين والجلد الموسوم بالعروبة.
أ هو هروب ذاك إلى الطبيعة بمعناها الرومانسي الممتد يبتغيه السي محمد البلبال حلا حين يلوذ بالبحر مستسلما ؟
لا ، وألف لا وكلا ، إنه يربطه نفسه بالطبيعة تماهيا وتوازيا ، فما هو إلا امتداد لهذه الطبيعة ، وما الطبيعة إلا جزء لا ينفصم عنه ” إنه الماء نفسه وهو السر. بل هو الطير الذي يؤمن بالبقاء محلقا ، ليستمد من السماء نورها الفجري وأنوار المعرفة ، فيبني بالعشق أسس سعادة إنسانية ممتدة ، عمدها لا تلين ولا تتآكل ولا تسقط :ذكاء المعنى ،أسرار الحكمة وبهاء البصيرة ”
وحين يتشكل وطن سمته سيادة معاني البهاء ، وتحكمه فرضا أسرار حكمة سماوية ، ويقوده عرفان البصيرة ، فقد اكتملت رسالة الشاعر ، ليتخذ النبل والسموق والشموخ سبيلا لتجسيد حلم الانسانية ، هذا النهج الذي كان يختطه السي محمد البلبال في شعره دوما ، إنما هو رسالة يتبناها ويؤمن بها ” شعارا وحدويا ” لن يتأتى إلا بتحصيل المعرفة التي تصنع الرؤية والرؤيا ، وكداوجهدا يحارب الظلم والكبد الإنساني ، ويمحو آثار الجهل والتغول باسم العرق أو الدين ، ويقتل الخرافات والأساطير البالية.

عيون “المها” لا تبكي. / الشاعر المغربي السي محمد البلبال بوغنيم
🌿
حلم بعيد
حضن مريب،
عش مهيب،
قلب مجيب،
عشق غريب،
ووطن ينتظر على مشارف قاب قوسين أو اقصى.

أفلا تنظرون أيها الناس إلى وردة شذت؟
وإلى إبل علت؟
وإلى قصيد سمت؟
وإلى العسل في عيون ‘المها” التي
أدمعت
وما جفت؟
وإلى الأرض كيف
أحبت وانتظرت الغيث فارتوت
بمتن واستوت
ما بغت
وما باعت ارضا ولا عرضا،
وقالت
لاتتركوني وحيدة
فلا الغيم يكفيني
ولا النوى يرضيني،
سلموني للريح
للبوح لأغنية كتبتها في أرض لم تنجبني
ووطن لم يرفع قضية على مسافر
نسي موعد انطلاق
سيارة الوجد في المقل.
ألم تنظروا أيها الناس
إلى الشمس كيف حوصرت وما حزنت أماطت لثامها الغيمي فابتسمت؟
وإلى القمر الذي
خبأ حزني حين ناولني جرعة نور
وقطرة صمت
بعدما رنت؟
وساعة لغو لما أزفت؟
وامرأة حين هفت؟
علمت للتو أنها أخرجت من معصمها أسدسا للغربة وآخر للهوية
التي ألقتها في جب للغواية لم تألفه ساعة،
هي لم تنتبه لصوت كافكا أو يوسف
قالت:
حسبته
نبيا فوق التراب
وسألت البدايات عن بداياتي،
وعن أمم رست على شاطئ بركنا الزرقاء؟
أجابتني
أو أنبأتني:
سيان
أن الجب عليل
وأن ماءه لا يشفي
من لايبتغي غير الوطن وطنا،
وأننا هنا عاقدون العزم صامدون إلى أن يسقط القناع
بين جدران الصمت
وارتباك اللغة الجارفة
التي تستبيح دمي
ولا تلقيني في جب
أردته الحكايات القديمة خرقا بالية
نعلقها كلما
جف ماء البئر ونكتب عليها خطيئتنا واحدا واحدا،
كلما سلمنا
ببدايات لا بداية لها،
وكلما سلمنا أن هاته الأرض لا مكان لها في أرضنا،
وكلما أنجبنا جيلا
لايخرق المستحيل والمستباح.
أولم تنظروا أيها الناسوت إلى
سقط الزند وإلى
الغابة التي
أكلت وحشها وهشمت نسغها؟
والى من رصع بالكلام موج الأغاني
وبالسلا م بساط الأديم ووزع دروعا للحرية والحب والحرب والسلم في السماء والأرض؟ ألم تر كيف فعل سلطان من الغرب /بعد الشمس/
بالعرب وبالرب وبحلمنا ودمنا
حين أيقن أن عصابيته وعصاميته أوجست
خيبة،
ريبة،
تثبيتا،
ونكوصا؟

كم أخشى ألا يهدل الحمام في زمن الصحو
و “المها ” لاتبكي،
سيري يا “مها”
إلى
أن تبني الأرض
أقبية خارج الجنة
بين نار باردة ملؤها القر،
وأخرى حرها حر حر !
سلمني لديدنك أيها البحر
ماعدت أقوى على وقف التجديف فأنا الماء
والسر
والطير
الرقراق
سأستمر محلقا
حتى أبني
بالعشق وبأعشابنا التي لا تيبس وبحروف الأنوار فجرا يؤذن
للسعادة في كل الأصقاع،
وأبقى أكرر
ماجاء به
أهل الحكمة وسرها:
الذكاء،
البصيرة
البهاء
في كنف المعنى
والحلم
الباسق
السامق
الذي لا ينتهي الا كحلم حادي العيس خببا

عبدالله علي شبلي .المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: