الأربعاء , أكتوبر 28 2020

الزيارة الأخيرة .. بقلم عبد الغني المخلافي – اليمن

مخزون من التفاصيل والمشاهد  يكشف عن مدى الوجع المكتوم و خبايا  تحمل الكثير من النقائض والأوجه، منذ نقطة ارتحالي عبر طريق طويل ملتف حول منافذ مدينتي المغلقة .
ثلث ساعة تتمدد إلى ست ساعات  عبر السهل والارتفاع المتدرج إلى القمة ثم الانحدار إلى  الأسفل . منهكة الرحلة من حيث الأجرة ومتاعب المرضى والحوامل والأطفال وكل من هو في سن كبيرة.
خطورة  في الدروب، على حواف الجبال الشاهقة عربات قديمة لا تقوى على الصمود في تلك التضاريس والتوقفات المتكررة على امتداد المفارز المنتشرة لأقطاب النزاع .
كلُّ يكشر في نطاق سيطرته ونفوذه عن تعسفه وابتزازه. وكأن  هذه الحرب قامت قيامتها على سحق المواطن  ومحوه ودفنه ..
كتبت منذ  زيارتي الأخيرة إلى تعز  موضوعين  لم أضمنهما كل ما اختزلته . كنت محتاجًا لبعض الوقت أو ربما لكيفية المدخل  المناسب للسرد .
عليك وأنت تكتب التجرد من التعصب  والبعد كل البعد عن أي توجه حزبي أو انتماء سياسي. بقدر رؤيتك للواقع  بحيادية مطلقة .
فأنا أتحدث عن أوجاع الوطن  هنا دون الإشارة إلى المتسبب .
لا يمكن لأي مواطن شريف حر غيور الارتضاء بهذا الحال .
كنت منذ ثمانية أشهر قد عدت إلى الوطن
لم أغادر بسبب جائحة كورونا محيط قريتي الذي يبعد عن مدينتي مسافة عشرين كيلومترا. ظروف الحرب جعلت من المسافة القصيرة إلى ست ساعات تتمدد .
طوال مكوثي في قريتي كنت أتحين فرصة الدخول إلى المدينة رغم أمنها المنزوع وأوضاع  نظافتها المعدومة  ومشاكلها المتفشية  و صراعها المتعدد .
كان عليّ تجاوز المعوقات وكسر الروتين  والملل في مجتمع القرية الصغير.  بطبعي لا أحب التقوقع لزمن طويل في مكان واحد . إلى أن حانت فرصة ذهابي إلى المدينة وكلي لهفة إلى لحظة وصولي متناسيًا حالها متصورًا زمنها  قبل الحرب. أولى مفاجآتي كانت عندما السيارة التفتْ بنا حول مدخل المدينة الرئيسي . صار اليوم  خطًا من خطوط النار المشتعلة. متجهة نحو الساحل ثم الانحراف في طريق ترابي. لم يسبق أن مررتُ منه أو تعرفتُ عليه . بلا شك ادهشتني تلك المناطق بتضاريسها وخضرتها وأنستني وعورة الطريق وطوله، وأنا من قريتي الخارج بعد ثمانية أشهر لا يوجد عندي مع طول السفر مشكلة . معتبرًا رحلتي سياحية في ربوع محافظتي التي تتطلب منا معرفتها لما فيها من جمال وتنفس منعش.  أسأل خلال مروري عن أسماء المناطق. لم أكن أتصور أن أمر في “جبل حبشي” بهكذا ارتفاع وطبيعة خلابة تأسر القلب . رغم مخاطر المرتفعات ووعورتها كان علي أن أستل جهازي فاتحًا تطبيق كاميرته . لم أتوقف من نافذة السيارة عن التقاط الصور  دون الحديث مع رفاقي مصغيًا إلى أغاني أيوب المنبعثة. ابتداءً من نقطة الصعود حتى بلوغ النهاية المرتفعة عن سطح البحر ودخان الحرب الكريهة .
هبطنا ببطء صوب الخط القادم من منطقة “التربة” إلى مدينة “تعز” . مررنا بوادي “الضباب” وما أدراك ما وادي “الضباب” وروعته. مسرعين نحو مدخل المدينة المتكشف عن بشاعة الحرب ووشمها البالغ على جنبات الطريق . كلما أوغلنا بالسير بدت البشاعة شاهدة أكثر على شراسة الصراع. دون أن أنبس بكلمة أبحلق بنظري في الدمار  لم تعد الأماكن تلك بهيئتها السابقة . بدت مشوهة لم أكد أتعرف عليها  ولا يوجد ما يسمى بنظافة أبدا، كل الأشياء استحالت إلى حاوية كبيرة من النفايات والأوساخ والأتربة والحفر والحجارة المتناثرة والمطبات والشحوب الطافي على كل شيء . دون أن نشعر أن هناك أمن أو دولة.  فقط أفراد ببزات عسكرية يستوقفونك ليسألونك عن هويتك وعن وجهتك و لا يوجد وجهة أخرى غير عمق المدينة. وكأنك منتقلًا من بلد إلى آخر لستُ بغريب على ما آلت الأوضاع إليه .
ما يهمني التقائي بأهلي وأصدقائي ووقوفي على أماكن ذكرياتي. حيث كنت أعيش وكنت أعمل وحيث مسكن أسرتي الذي أصبح ذكرى مؤلمة  بوفاة والدي ونزوح اخوتي . تاركين رائحتهم وذكرياتهم  في هذه المدينة  أتشممها . يجتاحني شعور بالغربة والفراغ وأنا الذي غادرت هذه المدينة قبل موت أبي . اعتدت مع كل عودة من الغربة الذهاب إليه والجلوس معه والمبيت في منزله. غيابه خلق أحزان وأشجان تجلت لحظة مروري أمام دكانه المغلق . المكان الذي لا يمكن أن تمحى ذكرياته . منذ الطفولة حتى آخر يوم فيه.
كانت آثار الحرب واضحة. ينطق بها شارع ستة وعشرين والعقبة المنتهية عند منزل الفنان التشكيلي هاشم علي المهدم.  من الألم اعتصرت  عند رؤيته . طالبًا من نسبي السائق التمهل . لا يحتاج المُشاهد إلى التركيز.  يطغي الدمار على المكان والزمان. كلما ارتفعنا  كان المشهد أكثر مأساوية . من كان يتصور ذهاب تعز إلى هذه الهاوية المظلمة والاقتتال بهذه الوحشية. “الجحملية” لها النصيب الأكبر من الويلات تعقبها “صالة” مرورًا بالمستشفى العسكري إلى أن تطأ آخر مكان من “ثعبات” .
في طريقي إلى صديقي الشاعر معاذ السمعي، لمحني ساعة التقاطي للصور والمشاهد أحد العسكر ، و عمد إلى توقيفي طالبًا هويتي وفتح جوالي قائلًا :المنطقة عسكرية و التصوير غير مسموح  وهو لا يدري عن الصور والمشاهد المنشورة في مواقع الإنترنت. مؤكدًا التزامه بمنع التصوير. حذف ما التقطته وهو لا يعلم شىيئًا عن سلة المحذوفات وخاصية استعادتها.
استأنفت مع صديقي السائق مسيري نحو هدفي المنشود  تحت زخات المطر ووسط الأجواء المدثرة بالغيوم وعلى أنغام الفنان “حسين محب “مستبشرًا بنشوة المقيل المنتظر . متصلًا بصديقي الشاعر متحريًا عن موقع منزله . بانت متاريس قريبة جدًا للحوثيين. أدركت أنني على خطوط القتال. السيارة وقفت بنا حيث الموقع المحدد. بدا صديقي الشاعر  مترقبًا لحظة نزولي. ترجلت مع قريبي السائق مكللًا  بالمطر الخفيف. بحفاوة وكرم  قوبلت وبمقيل تخللته نقاشات وقراءة نصوص والخوض في محاور شيقة . انسرق منا سريعًا الوقت ونحن في شجون، كان علينا وسط إلحاح صديقي الشاعر بالبقاء أن نغادر . رضخ صديقي لرغبتي بالمغادرة بعد اقناعه بارتباطي بمواعيد مع أصدقاء آخرين . غادرنا  والمخاوف تنوشنا من بندقية القناص. تنفسنا خارج  مرماه الصعداء .متوجهين صوب أسفل المدينة.
إلى ساعة متأخرة من الليل أسهر مع أصدقائي وإلى الظهيرة أنام .
عشرة أيام وسط حفاوة الأصدقاء جعلتني أتناسى ما علق في نفسي خلال فترة تجوالي من الآلام .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: