الإثنين , أكتوبر 19 2020

الكيف.. الإنسان التائه بين الوهم والحقيقة.

كتب :خالد عاشور

قدم الثنائي المخرج على عبد الخالق والسيناريست محمود أبو زيد وبموسيقى “حسن ابو السعود” ثلاثية من اهم ثلاثيات السينما المصرية – (فيلم “العار” سنة 1982، فيلم “الكيف” سنة 1985، وفيلم “جري الوحوش” سنة 1987).. الثلاثية دي بيجمعها خط درامي واحد.. او تقريبا فكرة واحدة.. مع اختلاف القصة والاحداث.. لكن الثلاث أفلام بيتكلموا عن الكيف.. والكيف هنا مش بمعناه الحرفي.. معناه الشمولي العام.. كيف الشهرة.. كيف السلطة.. كيف الجنس.. كيف المال.. كيف القوة.. كل واحد فينا عنده كيفه الخاص.. وكل واحد فينا له نقطة ضعفه اللي مخبيها عن اقرب الناس له… الكيف هو بحث الأنسان عن السعادة.. باي طريقة.. وفي اي شكل… الكيف اللي بيخبيه عن الناس وبيظهر مثالي وحكيم.. لاحظ ان اغلب الناس بتكتب حكم واقوال مأثورة على صفحاتها “المنقول منها والمجتهد فيه”.. كل واحد عايز يظهر مثالي.. كل واحد بيداري كيفه.. علشان كده فيلم الكيف من اهم افلام الثمانينات واللي بيكمل الثلاثية “العالا – الكيف – جري الوحوش”.

التتر.. دخان الكيف يغطي على الأبطال.. والعقول ايضاً.
**************************
التتر عمل فني قائم بذاته.. لأنه يا يقربك من العمل الفني.. يا يبعدك ويقفلك منه.. في فيل الكيف التتر كان ذكي جدا مع موسيقى “حسن ابو السعود” وتوزيع يحيي الموجي.. موسيقى بيغلب عليها الآلات الوترية زي الكمان والعود.. بتبدأ حزينة في الأول كأنها عراب للي هايحصل في الأحداث للابطال.. وبتنتهي سعيدة راقصة.. كانها رقصة المدبوح وهو بيموت.. وبنلاحظ ده في فيم العار وجري الوحوش.. واجملهم بالطبع موسيقي فيلم “العار”.
التتر الأبطال فيه مشوشين.. متعتم عليهم.. معمول لهم Overshadowing .. ودي اشارة للدخان الأزرق للحشيش.. والدخان الأحمر المائل للبرتقالي للكيمياء “خمرة وحقن مخدرة”.. جميع من في التتر من ابطال له كيفه الخاص اللي هانشوفه بعد نهاية التتر ومع احداث الفيلم.. وحتى أفيش الفيلم.. كلمة الكيف في افيش الفيلم عليها حجر شيشة “نرجيلة”.. مع حتة حشيش في سيلوفانة حمراء ماسكها محمود عبد العزيز.
تكرار القبح.. حتى يصبح عادة.. والعادة تصبح كيف.
*******************
يبان للمشاهد من اول مرة ان الفيلم كوميدي او بيناقش قضية عادية.. لكن مع المشاهدة الصحيحة والمتأنية نفهم رسالة على عبد الخالق ومحمود ابو زيد.. المجتمع الفاسد.. المجتمع المزيف.. المجتمع اللي بيمثل.. اغلب المجتمعات الشرقية مدمنة كيف.. الكيف مش مخدرات.. الفساد هنا طال كل حاجة..أولها .. الفن.. التعليم.. والصحة.. والعدل.. تكرار الهلس والأغاني الهابطة حتى تتحول الى فن.. تكرار الجاهل لجهله حتى يتحول الى علم “الكفتة”.. فيلم الكيف اصبح بكل أسف واقع وحقيقي.. ويمكن ده الرعب اللي تبناه من الثمانينات على بعد الخالق ومحمود ابو زيد قبل ما ينتبه له الناس ويرصدوه.
الزن على الودان.. أمر من السحر.. “مثل شعبي”
*********************
بيبدأ الفيلم بمشهد بين الأخوين “محمود عبد العزيز” “جمال أبو العزم – مزاجنجي” ولاحظ اختيار اسمه كصاحب مزاج.. و”يحيي الفخراني – د.صلاح أبو العزم” كمصلح .. ورابط بينهم العزيمة.. وكل واحد بيحول عزيمته لتأكيد قناعته.. اللعب بالأسماء والأسقاط فيها عمله قبل كده على عبد الخالق في فيلم العار وفيلم جري الوحوش.. المهم.. في اول مشهد على عبد الخالق عايز يؤكد لنا ان الكيف مش بس مخدرات.. الكيف اغاني هابطة.. تعليم هابط.. قضاء فاسد.. دولة.. شبه الدولة.. على عبد الخالق سبق سياسين ودكاترة جامعة بتوع علم نفس تربوي وصحة نفسية في رؤيته دي.. المشهد بيجمع بين محمود عبد العزيز- مزاجنجي.. وأخوه يحيي الفخراني د. صلاح.. راكبين تاكسي والسائق مشغل أغنية هابطة بتقول كلماتها بصوت نشاذ يشبه نهيق الحمار “البيلي بيلي باه.. والبيلي بيلي باه.. وانسجام مزاجنجي مع السائق واستهجان من المثقف او المتعلم د. صلاح.. هنا عايز يقولنا ان الكيف مش بس فساد في الأغاني الهابطة.. المشكلة في التعود.. انه يتحول من شئ سيئ وهابط.. الي استمتاع وكيف.
المجتمعات المقموعة.. تسوء أخلاقها. المجتمع فيه سم قاتل.
************
زي ما في اللقطة ولما قال “مزاجنجي”:
“لازم ندوش الدوشة بدوشة أكتر من دوشتها”… يعني المجتمع فاسد.. وقدامنا خيارين.. يا ننعزل عنه.. يا نحاول نتماشى معاه لأن المجتمع نفسه معطوب. المجتمع نفسه فيه سم قاتل.. ومحاولة اصلاحه محاولة شبه مستحيلة في غياب التعليم والصحة والدولة نفسها ومؤسساتها.
بيتجلى ده في مشهد “سليم البهظ” الراحل “جميل راتب” .. سليم البهظ وكأنه اسقاط للدولة.. الدولة اللي عايزة الناس مسطولة.. فبتقدم لهم تعليم وكأنه تعليم.. وصحة كأنها صحة.. وديموقراطية على مزاجها.. لما لخص المجتمع في كام جملة:
“ﺃﻧﺎ ﻋﻴﺸﺖ ﺣﻴـﺎﺗي ﻛﻠﻬﺎ ﺗﺎﺟﺮ ﻛﻴﻮﻑ.. ﺍﺑﺘﺪﻳﺘﻬﺎ ﺑﺎﻟﺸﺎى ﻭﺍﻟﺒﻦ ﻭﺍﻟﺪﺧـﺎﻥ.. ﺍﻟﻜﻴﻒ ﺷﻬﻮﺓ.. ﻭﺍﻟﺸﻬﻮﺓ هى إللى ﺑﺘﺸﺪ ﺍﻟﻘﺮﺵ ﻣﻦ ﺟﻴﻮﺏ ﺍﻟﻨﺎﺱ”.
“ﺍﻟﻨـﺎﺱ هما إﻟﻠﻲ ﻣﻐﻔﻠﻴﻦ.. ﻭﻓﻲ ﺷﻬﻮﺗﻬﻢ ﻏﺮﻗﺎﻧﻴﻦ، ﻭإﻟﻠﻲ ﻳﻘﻒ على ﺍﻟﺒـﺮ ﻣﺎ ﻳﻐﺮﻗﺶ.. ﺇﺣﻨﺎ ﻣﺎﺿﺮﺑﻨﺎﺵ ﺣﺪ ﻋﻠﻰ ﺇﻳﺪﻩ.. إﻟﻠﻲ ﺑﻴﺤﺒﻨـﺎ ﻫﻮ إﻟﻠﻲ ﺑﻴﺮﻣﻲ ﺭﻭﺣﻪ ﻓﻲ ﺣﻀﻨﻨﺎ”.
“ﺯﻣاﻥ ﻛﻨﺖ بغش ﺍﻟﺸﺎﻱ ﺑﻨﺸـﺎﺭﺓ ﺧﺸﺐ ﻭأﺑﻴﻌﻪ ﻓﻲ ﺑﻮﺍﻛﻲ.. ﺷﻜﻠﻬـﺎ ﺣﻠﻮ ﻣﻜﺘﻮﺏ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺷﺎﻱ ﺃﺑﻮ ﺍﻷﺻـﻮﻝ..ﻛﺴﺒﺖ ﻭﺍﻟﻤـﺎﺭﻛﺔ ﺑﻘﺎﻟﻬﺎ ﺍﺳﻢ ﻭﺳﻤﻌﺖ.. ﻭﻓﺠـﺄﺓ ﺍﻟﻨﺸـﺎﺭﺓ ﻏﻠﻴﺖ ﻭﺍﻟﻨﺠﺎﺭﻳﻦ ﺍﺗﻤﻠﻌﻨﻮﺍ؟. ﻋﺒﻴﻨـﺎ ﺍﻟﺸﺎﻱ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﻧﺸـﺎﺭﺓ.. ﺗﻌﺮﻑ ﺣﺼـﻞ ﺇﻳﻪ؟.. ﺍﺗﺨﺮﺏ ﺑﻴﺘﻲ ﻭﻓﻠﺴﺖ.. ﺍﻟﺰﺑـﺎﻳﻦ ﻃﻔﺸﺖ ﻭﻗﺎﻟﻮﺍ ﻋﻠﻴـﺎ ﻏﺸﻴﺖ ﺍﻟﺸﺎﻱ.. ﻣﺶ بقوﻟﻚ ﻣﻐﻔﻠﻴـﻦ!”.
“كلام فارغ هما سابو حاجة بيقولوا عليها مابتجبش سرطان ده حتى العيش واللحمة كل دى إشاعات.. عشان يحببوا الناس فى الجوع ويخوفوهم من العز ومنجهة الدماغ”.
“ماحدش بيموت ناقص عمر، خليك مؤمن.. ومين قال أن احنا بنضر الناس ؟ دا احنا بنبسطهم، الناس ماهى أكتر من النمل والناموس.. خلى الدنيا تخف وتروق، يعنى عجبك الزحمة اللى احنا فيها دى !؟”.

الكيف.. شهوة.

**************

فيلم الكيف مش مجرد فيلم.. كل لقطة فيه لها معنى ولها رسالة.. زوايا التصوير مفيهاش فزلكة مخرجين قد ما فيها فلسفة مخرج ذكي وخاصة في استخدامه لطريقة ” Low-angle shot “علشان يوضح ان الكيف هو المتحكم في الناس.. الكيف بمعناه الأشمل مش حصره في المخدرات لأن الحشيش كمخدر هو الأبسط.. الحشيش بيخص صاحبه… وبينتهي الفيلم زي ما بدأ على ان الاسفاف هو اللي بيسود مع تكراره.. بس هنا النهاية “لونج شوت” لمصر كلها متلخصة في مطلع كوبري.. مصر المشهورة بالكباري.. ومع ذلك محلتش ازمة الزحمة.. وبينتهي المشهد زي ما بدأ الفيلم مع ظهور سريع للفنان العظيم على الشريف سواق التاكسي وهو بيكرر نفس بداية الفيلم وبيؤكد على ان التعود على القبيح بيحوله الى شئ معتاد لحد ما تدمنه الودن وتدمنه العين ويتحول الى مسخ.. مسخ بيحول الدولة كلها هي التانية لمجرد مسخ.. مسخ يحول محمد رمضان لنجم وبيفسد جيل كامل.. وبيحول حمو بيكا لمطرب.. ما نحاكمش السبكي.. السبكي راجل بيدور على المكسب.. ومع ذلك قدم افلام حلوة ولها فكرة.. وللاسف لما حب يقدم افلام فيها فكرة مكسبش زي ما قدم افلام هابطة.. السبكي مش هو السبب في فساد السينما… المجتمع هو اللي بيدور على الهابط وبيبعد عن الحلو.. المجتمع عايز يتسطل ويتكيف.. الكيف مش بس في المخدرات..الكيف اوسع من كده في الفيلم… وعلى كلمات “الكيمي كيمي كا” بينتهي المشهد ببيت شعر لأحمد شوقي:

” إنما الأمم الأخلاق ما بقيت… فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: