الأربعاء , أكتوبر 21 2020

أشرف الريس يكتُب عن: شيئ مِن الخوف و دروسٌ قاسيةٌ للطُغاة

فى عام 1967م فاجأنا الأديب الكبير ثروت أباظة بصُدور روايته ” شيئ من الخوف ” و هو العملُ الأدبى الذى يحكى فيه الكاتب عن ” فؤادة ” تلك الفتاة الصغيرة التى تُحب عتريس ذلك الفتى البريئ النقى لكنه ينقلب إلى وحشٍ كاسر و يعيش على القتل و النهب و يُقرر أن يُعاقب البلدة ذات يوم بأن يمنع عنها الماء فلا يجد من يقف له سوى حُبه القديم و نقطة ضعفه الوحيدة ” فؤادة ” و عندما لم يستطع أن يقتلها فيُقرر أن يمتلكها عن طريق الزواج و حين ترفُضه فؤادة يَغصِب أهلها على الوكالة و تنتقل إلى العيش معه فتقاوم البلدة بشدة مُحاولات عتريس المُستميته لكى يعيش مع فؤادة بالقوة و ترفض الأخيرة بشدة أيضاً الاستسلام لعتريس حتى الموت …
و لقد تَحَمَسَ المُخرج الكبير حسين كمال للرواية عَقِبَ عامين من صُدورها فقرر تحويلها إلى فيلمٍ سينمائىٍ فى عام 1969م يحمل الاسم فى عملٍ فنىٍ مُتكامل اجتمعت به الأشكال الفنية المُختلفة و بعيد عن سَردنا لقصة الفيلم التى حفظها الجُمهور فان حسين كمال من وجهة نظر كاتب هذه السُطور كان ذكياً عندما لجأ الى أسلوب الحكاية الشعبية مُستخدماً بعض الأغانى التى توزعت بين ثُنايا الفيلم للتعليق على الأحداث حيث أكسبت الفيلم نكهة خاصة جعلت المُتفرج يتفاعل معه و يتحمس له حتى النهاية هذا من جهة و من جهة أخرى حاول حسين كمال تغطية ما فى رواية الكاتب من مُبالغاتٍ مهولة فى الكثير من المواقف الدرامية مُعتقداً بأن الموقف بمُجمله و ليس بتفاصيله هو هدف الفيلم على عكس ما كان فى فيلميه السابقين ( المُستحيل و البوسطجى ) حيث كانت التفاصيل فيهما عوناً كبيراً له فى إغناء الحَدث الدِرامى الرئيسى و تعميقِه بشكلٍ كبير …
كانت المُفارقة الحقيقة فى اختيار حسين كمال لشادية من البداية تلك المُمثلة التى اشتهرت بأداء أدوار المرأة الجميلة الحالمة و البريئة أحياناً و لكننا نجدها شخصية قوية تقفُ أمام مُجرمٍ عتيدٍ بحجم ( عتريس ) الذى جسّده الفنان العملاق ” محمود مُرسى ” بتميُز فاعتمد على انفعالاتِ الوجه و نظرات الأعيُن دون أى افتعال فى استخدام جَسَدِه و كذلك شخصية ( الشيخ إبراهيم ) التى قام بأدائها الفنان الكبير ” يحيى شاهين ” و التى كانت صوت الحق الجهور فى أحداث الفيلم …
تميز الفيلم أيضاً بموسيقاه التصويرية و أغانيه للثناىى الشهير بتلك الفترة و هما ” الموسيقار بليغ حمدى ” و ” الشاعر عبد الرحمن الأبنودى ” اللذان من خلال عملهما نجحا فى أن يجعلا الفيلم فى إطار الملحمة الحقيقية و بالطبع ساهم فى ذلك صوت شادية …
تميز السيناريو و الحوار للسينارست الرائع ” صبرى عزت ” فى خلق حالة بسيطة و سَلِسَةٌ للغاية للفيلم تناولها الجُمهور دون أدنى تعقيد أو فذلكة أو فلسفة سُفسطائية عويصة مثلما وجدت فى العمل الأدبى ! و ساعده فى ذلك مُشاركة عبد الرحمن الأبنودى فى كتابة الحوار فهو ابن القرية الذى استطاع أن يصنع شخصيات الرواية من لحمٍ و دم حقيقيين على شاشة السينما …
من وجهة نظرى أن الصورة السينمائية فى القسم الأول من الفيلم كانت بارزة بشدة و كان الحوار مُركزاً داخل تكوينات جمالية قوية للكادر للرائع ” أحمد خورشيد ” و ليست مشاهد الأرض العطشى و ما بها من تشقُقات ثم ارتواؤها بالماء إلا دليلاً على ذلك أما القسم الثانى فقد طغى عليه الحوار و ضعفت تكوينات الصورة بالرغم من أن الحوار الذى كتبه الأبنودى تتضح فيه الصياغة الجيدة و العذوبة فى نسج الجُمل الحوارية ثُم تأتى الموسيقى التصويرية مع الأغانى و الكورال لتُضفى على الفيلم طابعاً جميلاً و مؤثراً و استطاع المُبدع حسين كمال أن يمزج كل ماسبق ذكره و يُخرج لنا تحفة سينمائية نادرة بمعنى و حق الكلمة فاستحق الفيلم بجدارة دون مُبالغة أو تهويل أن يُصنف ضمن أفضل 10 أفلام فى السينما المصرية  …
و فى النهاية فإن المغزى الحقيقى لهذا الفيلم من وجهة نظرى يا عزيزى القارئ يتمثل فى مشهد النهاية الذى تبدأ أحداثه بقتل عتريس لـ ( محمود ) ” حسن السُبكى ” إبن شيخ المسجد لينتفض الشيخ و تنتفض القرية بأكملها ( و ما أشبه الليلة بالبارحة ) مُعلنة أن زواج عتريس من فؤاده باطل فتتردد كلمة باطل فى أرجاء القرية لتهُز قصر عتريس و تُزلزل أركانه و تنحاز فؤاده لأهل قرية الدهاشنة لتكون نهاية عتريس على أيدى أحد رجاله المُخلصين ! ( إسماعيل ) الذى جسده الفنان ” صلاح نظمى ” و هى دروسٌ حية للطُغاة لعلهم يتفهمون و يستفيدون منها كى لا يَسْعَدون كثيراً بتطبيل حاشيتهم و المُقربين منهم و مؤسساتهم التى من المُفترض أن تعمل لصالح الوطن لا لصالحهم من أجل تثبيت عُروشهم ! لأنهم مثلما كانوا يديهم التى يفتكون بها الغير سيكونوا ذات اليدين التى ستُزلزل أو تتسبب فى زلزلة عروشهِم و إنهاء وجودهم إلى الأبد .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: