الثلاثاء , أكتوبر 27 2020

سمر صلاح تكتب .. خيطُ دخان

خيطُ دخان.

غُرفة مُظلمه لا يتخللها سوى ضوء خافت قادم من أباچوره صغيره تعلو طاوله بزاوية الغرفه ، سرير يبدو عليه أثرُ الفوضى وعدد لا بأس به من زجاجات النبيذ الفارغه وأعقاب سجائر في أرضية الغرفه ، على الجانب الآخر كُرسي هزاز يعلوه شاب يبدو عليه أثرُ التَعْب ويميل جسده للنحول مُحدّقًا بالسقف متتبعًا خيوط الدُخان المتصاعد من السيجاره المشتعله بين إصبعيه ..
لا يعلم كم ساعةٍ مَرّت عليه وهو على هيئته هذه فمنذ وقت طويل انقطعت علاقته بالوقت فلم يعد يهتم لدقات بندول الساعه ولا يُثيرُ تعاقُب الليل والنهار في نَفسهِ شيئًا كما أن سيل الأفكار والفوضى برأسه لا يقل عبثيه عن المشهد من حوله على أية حال ..
إنتشله رنين هاتفه ليجد إتصالًا من أحد أصدقائه يطلب منه مقابلته ليرد معتذرًا أنه لا يستطيع ويغلق هاتفه تمامًا ..
ألقى بعقب السيجاره من يديه واعتدل في سريره وتناول بعض الأقراص المُهدئه ولكنه تذكّر فجأةً عادته الليليه التي أَلِفها مؤخرًا وهي تدوين عبارةٍ أدبيةٍ أو نصًا قرأهُ حسبما تسوقه حالته المزاجيه لتلك الليله .
أحضر ورقه من دفتره وكتب ؛
” الناس ساعات تلاقي ناس تعرف تشوفها بجد
وأنا قلبي لسه عمره ما اتكشف على حد
بقابل قد ما أقابل
وأفارق قد ما أفارق
وما اتعلمش
بلخبط في الأسامي عشان
بخاف لا ما أعيشش
بقالي كتير ما بتكلمش
بخاف يبقى الكلام متعاد
ما كملتش في أي رحيل
ما كملتش في أي قعاد
و بَدّي للحياه بالكاد
ما يكفيها
ويكفيني
شرور البهدله فيها “
لصق ما قاله “محمد إبراهيم ” علي الحائط بجوار سريره كما يفعل كل ليله ثم اعتدل في سريره وأغمض عينيه محاولًا النوم ..
وجد نفسه هائمًا في صحراء واسعه ، لسانه جدبًا يلهثُ من العطش وعينيه تفقد قدرتها على الرؤيةِ رويدًا رويدًا .
وإذا بِطَيف امرأةٍ يلوح أمامه قابَ قَوسينِ أو أدنى يقترب منها فتدنو منه حتى يراها نُصب عينيه تردد عبارات غير واضحه ، يَنصتُ باهتمام ليستوضح قولها ،
ما تقوله مألوفًا لديه ..
تُحدق في عينيه قائلةً ” مَقدورك أن تبقى مَسجونًا بين الماءِ وبين النار ” يستحث عقله ، أيتها الذاكرة الملعونه هذه المرأه تُرددُ شيئًا أَلِفْتُه من قبل ، ساعديني ، ذَكّريني ..
يعلو صوتُ المرأةِ أكثر ممزوجًا بصدى صوتٍ وكأنه قادمٌ من باطِن الأرض “و سترجعُ يومًا يا ولدي مهزومًا مَكسورَ الوِجْدان “
تدنو منه أكثر فيحاول الهرب بعيدًا ، يَتلفّتُ يمينًا ويسارًا ، يُهرول مُسرعًا ، تتلاحق أنفاسه ..
” مَقدورك أن تبقى مَسجونًا بين الماءِ وبين النار “
يسمعُ صدى الصوت يعلو داخل رأسه ، يستحث حنجرته على الصراخ ، يودّ أن يسمعه أحد ، يريدُ أن يُنقذه أحد لكن أحدًا لم يفعل ..
إستجمع ما بقى لديه من قوة وحروف ليخرج منه دَفعَةً واحده في صرخةٍ مُدَويّه ..
فتح عينيه ،مسح أثرُ العرق الواضح على جبينه وحاول شُرب كوبًا من الماء و بكى ، بكى وانتحب كأنما كان يبكي كل الآلامِ التي عانت منها الأرض واختبرها البشر منذ بدء الخليقة ، بكى كأن لم يَبكِ من قبل ..
ليله أخرى سيئه . أصبح يهابُ النوم لكثرة ما يراهُ من كوابيس. لَم يَعُدِ النوم مَمرًّا آمِنًا للهرب من مشقّةِ الحياه ولَم تَعُد المُهدئاتُ بدورها سبيلًا للنجاه .
خَرجَ من غُرفته حامِلًا حافظة نقوده وعلبة سجائره وقلم وضعه بِجَيب قميصه واتّجه للخارج ..
أخذ يسيرُ ويسير لا يعلم مَقْصِده تتردد في رأسه ذات العباره التي لا يعلم هل كانت كابوسًا حقًا بفعلِ شيطانٍ رچيم أم أن عقلهُ الباطن هو الآخر لم يعد يحتمله فقرّر إيلامه إلى ذلك الحدّ .
وَجد نفسهُ على كورنيش النيل أخذ ينظر إلى الماء ،
وجده مُبتسمًا مُرحّبًا . شَعر وكأنّه يُحَدّثه : لا تهابني يا فتى ، أقْبِل ! مم تخاف ؟
ألَم تكتفِ من الألم ؟ ألا تُشعرك نارُ الألم بين البشر بالعطش ؟ ألا تُريدُ الماء ؟!
أما سئمتٌ الكوابيس ؟ لا تعجب ، يبدو أثرها عليك يا مسكين ..
الراحةُ هنا ، أقْبِل ، مم تخاف ؟
اقترب خُطوه ، اعتلى السور ، فرد ذراعيه وبدا شبحُ ابتسامةٍ على شفتيه اختلطت ببقايا دموعٍ زرفتها عينيه ، أخذَ نفسًا عميقًا حتى تشبّعت رئتيه وكأنه يتنفّس لأولِّ مره ثم قَفَز ..
تَلمّسَ الماء وشعر به تحت جلده ، أخذت ابتسامته تتّسع ..
أخمد الماءُ النارَ المتأججه بين جنبيه وصارت رَمادًا.لم يَعُد يسمع ذاك الطنين داخل رأسه .لا أثر للصوت المتكرر وصداه. فَرد ذراعيه تمامًا ولم يقاوم فعل الماء.
هدأ جسدُه ، غَرِقْ ..
إكتظَّ المكان فجأةً بالناس من كُلّ حدبٍ وصَوب بين مُتمتمين ب ” الله يرحمه ” وبين مُندهشين مُرددين “لا حول ولا قُوّة إلا بالله يبدو شابًّا “. وبين هؤلاء وأولئك رأي أحدهم علبة سجائر مُلقاه على الأرض بجانبها محفظه أخذ يتفحصها لعلّه يعرف هَويّة صاحبها فوجد بداخلها ورقه مهترئه كُتب بها بخطٍّ مُرتبك ؛
عُذرًا،
مُحدثكم الآن في عالمٍ سرمديّ لا يعنيه عالمكم المقيت ولا يشغله أمركم لكن لا بأس سأحاول صياغة الألم في حديثي ببعضٍ من اللُطف الذي تفتقدوه.
أما بعد ،
إلى كُتبي و دفتر مُذكّراتي والحائط المُستند إلى جانبه سريري ومُلصقاته وإلى غُرفتي التي تَضمّ ذلك كُلّه إليكم يا من كُنتم ذخيرتي في وجه هذا العالم الوحشيّ ..
إلى محفوظ وغسّان ونِزار وغادة ورضوى و صادق و أمين و چاهين و فيروز ومنير والتُهامي والست ، كُنتم خير صُحبةٍ لي .. لكم كل الشكر على احتمالي ومواساتي وهدهدة حُزني وترويض غضبي في عالمٍ لا يحتملُ به أحدٌ أحدًا .
أيا غُرفتي ورفيقتي سامحيني على ذلك الحُزن الذي جلبته لجوانبك وملأت به جدرانك وزواياكِ، أنتِ التي كُنتِ دائمًا قَبسٌ من نور ، لم أكن أودُّ فراقك لكن رِفقًا يا عزيزتي فلتغفري .. حقيقةً لا أعرفُ كيفَ يعيش المرء بهذه الآلام دون أن يبدو عليه أثرُ النزف. ربما لذلك حريٌّ بآلِ المسيح الصوم عن اللذات في ذكرى ألمه ، طريقُ الآلام شاقٌّ ومُقفْر يا عزيزتي .
سامحيني فالمرءُ لا يستطيع التنفُّس بينما العالم بأكمله محشورٌ في حَلْقِه .
إلى القارئ الأول لهذه الورقة الباليه ، أخبرهم أن عالمهم الواسع على رحابته يضيقُ بي ذرعًا . أوصهم ألا يشغلوا بالهم بأمر خاتمتي عليهم بأنفسهم هؤلاء الحمقى الذين لم يُشعروني بألفةٍ بينهم وكأنني نبيٌّ جاءَ في قومٍ خَتم اللهُ على قلوبهم فلم يعرفوا للهدى سبيلًا .
إسألهم ألّا يُنصّبوا أنفسهم آلهةً ووكلاء للجنّةٍ والنار .
أخبرهم أنّي أعرفُ الله جيدًا ، أخبرهم أن الله في سين السَكْينة بين حنايا دُعاء الأمهات وهناك عند الزاويه حيث يطل سجودِ الآباء وأن الله عند ابتسامات الأطفال وأنين الثكالى أخبرهم أن الله حيثُ اللُطفَ واللين أخبرهم أن اللهَ حيثُ مواطن الرِفق ..
إسألهم ألا يتهموني بالكُفر وذكّرهم بأن التألي على الله واختيار مصير عباده هو الكُفرُ بذاته. أخبرهم أني أحبه وقلبي متوسّلٌ إليه به و أظنه سيعفو ..
أوصِهم أن يُصلّوا لأجلي وينثروا ورودًا عند قبري ويتركوا بعضُ لقيماتٍ وماء عسى أن يزورني طير . دعوا بقايا جسدي تنعم بأثر الرحمه واكتبوا على شاهد قبري
” كانَ يتمنّي أن تحتضنه شجره أو يُعانقه قِطٌ ضال.”
مسح الرجل دمعه فرّت من عينيه وأكمل ما دوّنه كاتبها في الجانب الآخر .

مُلصقُ الليله
” يا بخت من يقدر يقول واللي في ضميره يطلّعه
يا بخت من يقدر يفضفض بالكلام وكُلّ واحد يسمعه
يقف في وسط الناس يصرّخ .. آااه يا ناس ولا ملام
يجي الطبيب يحكيله ع اللي بيوجعه
يكشف مكان الجرح ويحط الدوا
ولو انكوى .. يقدر ينوح
و أنا اللي مليان بالجروح ما أقدرش أقول
ما أقدرش أبوح
والسهم يسكن صدري مقدرش أنزعه ، وعجبي!”
و ذُيّلَ أسفلُ الورقه بتوقيع ؛
“يوسف المنسي/كورنيش النيل/الثانيةَ عشر مُنتَصف الليل”
سمر صلاح /مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: