الخميس , ديسمبر 3 2020

عادل عبد الظاهر يكتب : توفيق عكاشة والدبلوماسية البديلة !

 

فيما مضى من قرون كان الملوك يخرجون بأنفسهم على رأس الجيوش، وكان وجودهم مصدراً للحمية والحماس، ومدعاة للشجاعة والاستبسال.

ثم تطورت الأنظمة بعد ذلك على الأرض، فلم يعد الملك يقوم بكل شيء بنفسه، وما أفادنا به التاريخ، منذ الدولة القديمة المصرية، أن وضع الصلاحيات في غير مكانها الصحيح يكلف السلطة المركزية الكثير.

وفي مجال الحروب قد تطورت وسائل الحرب عن بُعد – تكنولوچياً – من القصف الجوي حتى الحروب الخداعية المعروفة باسم حرب الجيل الرابع.

ويبدو أن النوع قد بدأت تتسرب وسائله إلى البلدان الصغيرة ، فكل سلاح جديد لابد له من يوم يتسرب فيه إلى أيدٍ كثيرة !

وفي أعقاب انتفاضة 25 يناير الشهيرة، رأينا كيف أن حالة من حالات “الغياب الرسمي للدولة” قد بدأت ترتسم ملامحها على وجه الوطن، وإن كنتُ قد أصبحت أراها الآن – بعد ابتعاد زمانها – تبدو كأنها غير حقيقية، فالدولة في مصر لم ولن تغيب أبداً بإذن الله. ساعتها برز على السطح ما أسموه ساعتها «الدبلوماسية الشعبية»، تتكون من مدرس تاريخ بجلباب شعبي وآخرين، يذهبون إلى أثيوبيا للتباحث على قارعة المصطبة الشعبية البديلة لإيجاد حل لمشكلة السد التآمري.

والمزعج حقاً أن تتخذ أجهزتنا من أسلوب “الوكالة” منهجاً متبعاً في الدبلوماسية، ربما من باب “تجريب” تلك الطريقة، فإن فشل الوكيل يكون اللوم من نصيبه، لا من نصيب الدولة الرسمية، ويا دار ما دخلك شرّ.

الوكيل أصبح إعلاماً يرسل الرسائل ويجس النبض، ويُهيء الأرض والرأي العام للأحداث الجسام !

الوكيل أصبح شخصيات هزلية، كمهرج السيرك القديم، الـ clown ، الذي يقول ويتكلم بما يليق به وحده، لتوفير تكلفة المواجهة الصريحة، فإن جاءت أفعاله بنتيجة إيجابية، كان بها، وإن أثارت جدلاً أو مشكلات، فالكل يعرف في نهاية الأمر أنه مهرج.

وفي هذا الإطار تأتي شخصية ” توفيق عكاشة ” المثيرة للجدل، والضحك أيضاً !

عكاشة يقوم بخطوته التاريخية بإجراء مقابلة “على المستوى الشخصي” مع السفير الإسرائيلي، ليس بصفته الإعلامية ولا بصفته البرلمانية، ولكن بصفته المثيرة للجدل !

الرأي العام يغضب .. أو أنه يجب أن يبدو هكذا .. ولابد من جعله يغضب بأية طريقة، ولكي يحدث هذا، فقد قام الأخ الرفيق “مصطفى بكري” ، زميل “عكاشة” في “الشغلانة” بشن الهجوم عليه، من على شاشته، ولكي يتم شحن الأجواء بغبار من التوابل المثيرة للعطس والدموع، يتم تصدير حكاية أن عكاشة أخذ مجموعة من “رجاله” يريد أن يقتحم استوديو بكري، صائحاً ومزمجراً : «طيب بس وريني وشك» !

مصطفى بكري يُرغي ويُزبد على الجانب الآخر: «إنها مسألة أمن قومي ! .. أين هو الأمن القومي من كل ذلك» ؟!

ماشي يا بتاع الأمن القومي !

صحيفة “المصري اليوم”  ، تُجري حواراً مع السيد عكاشة، يقول فيه أنه أن أبلغ الأمن المصري قبل لقائه بالسفير الإسرائيلي، حتى أن وزارة الداخلية قد أرسلت مجموعة حراسات إلى منزله ، حيث يجري اللقاء ، إذن “الراجل عداه العيب” ، ولم يكن يقوم بعمل فكاهي أو بهلواني أو عشوائي ، كما تم “إعلاميا” رسم الصورة.

عكاشة يقول في حديثه أنه طلب من السفير تدخل السلطات الإسرائيلية في حل مشكلة سد النهضة، وطلب منه أيضاً أن تُسقط إسرائيل مليارات من التعويضات التي ينبغي أن تدفعها الدولة بسبب وقف ضخ الغاز.

إذن فقد كان غرضه شريفاً، ولم يكن خائناً ولا عميلاً ولا “مُطبِّعاً” مع العدو الإسرائيلي !

الشيء الذي يثير شجوني، بل ويحزنني، أن دور “المهرج” في الأزمان القديمة كان إضحاك السلطان والتسرية عنه، عندما ينوء كاهله بالأعباء والهموم، أما الآن وفي عصر الوكالة، قد أصبحنا نعتمد على المهرج لحلّ الأزمات ، وما يحزنني أكثر وأكثر هو فعل ذلك في حبكة “تمثيلية” مكتملة الأركان، من  سيناريو وتشويق وإخراج وإنتاج، لتسويقها بين العامة.

والسؤال: هل نحن حقاً في حاجة لاستخدام تلك الوسائل ؟!

هل نحن حقاً في حاجة إلى عكاشة ليكون مفَجّرا للثورات ومُبرماً للصفقات الدبلوماسية ؟!

هل وصل العامة في مصر إلى مستوى من التحلل بحيث يصبح «عكاشة» هو بطلهم القومي أو حتى الشعبي ؟!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: