الثلاثاء , أكتوبر 27 2020

حواريات ” اللاّمُفَكّر فيه ” ( الجزء الخامس ) ……. بقلم // رضا المريني

حواريات ” اللاّمُفَكّر فيه ”
( الجزء الخامس )

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
” يسعى الفيلسوف أن ينصت في نفسه أصداء سمفونية العالم و أن يعيد إبداعها
على شكل مفاهيم “ – نيتشه –
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
– 17 – حديث الرغبة ( Le Désir )

– قالت : أنْ أرغب ، ماذا تعني لك ؟
– قلت : أنني تحت رحمة سلطة ما ، خفية أو علنية ، تسائلني ، تستدعيني ، تستفزني ، تُؤلّبني و تستهويني
– قالت : غريزة أو حاجة حيوية ، مثلا ؟
– قلت : أكثرَ من ذلك ، فالرغبة متعددة المنابع و لانهائية المصبات
– قالت : ما مصدر رغباتنا ؟ و هل يحصل الوعي بها ؟
– قلت : للرغبة امتدادات على كافة مستويات الوجود الإنساني ، فهي تتولّد على الحدود
المشتركة و الفاصلة ، في نفس الآن ، بين : الجسد / النفس ، الحاجة / الشهوة ،
الإرادة / الأمل ، النقصان / الزيادة ، الإهتمام / اللامبالاة ، الوهم / الحقيقة ،
الوعي / اللاوعي ، الحرمان / الإشباع ، الشقاء / السعادة ….
– قالت : ليس مجرد رغبة ، إذن ، بل رغبات
– قلت : بالفعل ، عن كل رغبة ، سواء تحققتْ أم لا ، تتولد رغبات بشكل لامتناه .
– قالت : لكن ، ما الرغبة ؟
– قلت : من الصعب تقديم ماهية ثابتة لها . لكن يمكن القول أنها تتشكل مِن دوافع
أولية أو ثانوية ، غريزية و مكتسبة ، تجهل الذات عِلِّيَتَها ، قابلة للتّحويل ، تبقى في حدود الإمكان أو الإستحالة . كما أنها غائية ، لكن قصديتها تتراوح بين الخيال و الواقع .
– قالت : إذن ، حتى رغباتنا قابلة للتأويل
– قلت : كالحلم هي

” يسعى الفيلسوف أن ينصت في نفسه أصداء سمفونية العالم و أن يعيد إبداعها
على شكل مفاهيم “ – نيتشه –
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
– 18 – حديث تأويل الرغبة ( Interprétation du Désir )
– قلت :
أرغب الإصغاءَ لِحَفْحَفة فُسْتانك /
و أنت تَتَأوّدين في مشيتك

– قالت : جاذبية و شوق . أما أنا :

أرغب رؤية صرير قلمك /
سماع خشْخشته على القرطاس

– قلت : و كأنك ترغبين في قصيد عنك !؟ أما أنا :
أرغب في سيْل جارف /
أتْعبني شُحّ مائك /
المُنْساب قطْراً قطْرا

– قالت : قصور و طموح . أما أنا :
أرغب في النوم /
شرطَ رؤيتك /
بالأبيض و الأسود

– قلت : حاجة و حُلْم
– قالت : ربما استيهامات مبدأ اللذة
– قلت : تقصدين اللّبيدو( LIBIDO ) . إذن ، للحديث بقية

” يسعى الفيلسوف أن ينصت في نفسه أصداء سمفونية العالم و أن يعيد إبداعها
على شكل مفاهيم “ – نيتشه –
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
– 19 – حديث اللّذّة ( Le Plaisir )

– قالت : أجد لذة في معرفة أخبارك و مزاجك . كما أنني أتلذذ بنقاشاتنا و حتى الإنتقادات المترتبة عنها .
– قلت : يبدو أن مبدأ اللذة يشتغل ، عندك ، على المستوى الذهني ، أكثر منه على المستوى المادي .
– قالت : اللذة ، في أصلها ، تجربة ذاتية أو بينذاتية ، مُرْتَبِطَة بالرغبات ، الأحاسيس ، الشهوات ، النزوات ، العواطف ، الميول ، الإنفعالات وحتى الأفكار ، الأحلام
و التمثلات . إنها تتولّد عن ولع أو مكابدة .
– قلت : إنها تتنافى مع الألم ، لكنها تتعايش معه ، جسديا و ذهنيا ، بشكل قسْري أو اخْتياري .
– قالت : يقول ‹‹ أفلاطون ›› على لسان ‹‹ سقراط ›› : ( أن نفعل ما يروقنا و ما يبعث فينا اللذة ، لا يرجع دائما إلى فعل ما هو خيِّر ، حتى لو بدا لنا أنه كذلك )
– قلت : الأنا ليس سيّد ذاته ، كلّما كانت الأهواء تمرح و ترْتع في عُقْر داره ، سواء على المستوى الخيالي ، الرمزي أو الواقعي .
– قالت : تؤثّر اللذة كسيل جارف يملأ جسدا ( سدّا ) . مفعولها على الجسد كالسكتة الدماغية .
– قلت : إنها عبارة عن تيار يخترق بعمق مجرى النفس ( النهر ) . فللنفس مطالبها
و نزواتها . هكذا تتصرّف اللذة كهُزال ، تَلَف أو سُل رئوي حاد .
– قالت : اللذة شبيهة بثمالة نُبَدِّدُها في حينها ، على حساب صداع نصفي يوْمَ غد .
– قلت : يُعْتَقَد ، خطأً ، أن اللذة تُحيل ، دائما ، على إمبراطورية الجسد ، أي على كل ماهوغريزي ، هُيولي و شبقي . لكن للّذة ، أيضا ، مُنْتزهاتها الفكرية أو على أقل تقدير الحالمة ، المُتَخَيَّلَة أو الواهمة .

” يسعى الفيلسوف أن ينصت في نفسه أصداء سمفونية العالم و أن يعيد إبداعها
على شكل مفاهيم “ – نيتشه –
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

– 20 – حديث لذّة النّص ( Le Plaisir du Texte )

– قالت : و ماذا عن لذّتَي الكتابة و القراءة ؟
– قلت : ما يُقرَأ بلذة ، كُتِب بلذّة . هنالك جدليّة بينهما . لذّة القراءة تكمن في جعل
المكتوب بدايات لا تنتهي و حيث تكون القراءة كتابة أخرى ( النقد ، الترجمة ، التناص
إلقاء الشعر ، المسرح ، اقتباس الروايات في السينما … مثالا لا حصرا )
– قالت : لكن القارئ المُتلذّذ ، يبقى في حُكم الافتراض .
– قلت : بالفعل و حتى بعض القراء للنص اللّذيذ يكتفون بالمتعة فقط .
– قالت : و هل هنالك فرق بين اللذة و المتعة ؟
– قلت : في المتعة ( Jouissance ) زوال و في اللذة (Plaisir ) دوام . و هذا حال النصوص الفانية بالمقارنة مع النصوص الحيّة .
– قالت : و كأنّ النص كائن حي ؟
ـ قلت : يحيلنا هذا المعنى على مؤلف ( لذّة النص ) لِ ” رولان بارث ” ، فالنص
بالنسبة له نسيج ( Tissu) و النسيج يحيل على جسد ما . يقول : ” النص ليس مجرّد
حروف تُشكّل كلمات تنتج عنها جمل . النص هسهسة للغة
(Bruissement de la Langue) ” *
و نصّ اللذة ليس بالضرورة ذلك النص الشبقي .
يقول : ” فكلما ازدادت الثقافة تسامت اللذة و تنوّعت . إنها ذكاء ، سخرية ، رقّة ،
بهجة ، تمكّن ….: إنها فن العيش ” *
ـ قالت : و ما الفرق عنده بين نص اللذة و نص المتعة ؟
– قلت : بالنسبة له ” نص اللذة هو النص الذي يُشبِع فيملأ فيهب الغبطة و أما نص المتعة
فهو الذي يجعل من الضّياع حالة ” *
ـ قالت : و ما بين الكلام في همسه و صخبه ، ماذا يوجد ؟
– قلت : توجد الكتابة كصمْت
٠٠٠٠٠٠٠
* الأقوال مأخوذة من الأصل الفرنسي و بترجمتي
(Le Plaisir du Texte / Roland Barthes)

” يسعى الفيلسوف أن ينصت في نفسه أصداء سمفونية العالم و أن يعيد إبداعها
على شكل مفاهيم “ – نيتشه –
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

– 21 – حديث لذّة الصّمت

– قلت : يبدو أنك تجدين لذة في الإصغاء ، عِوَضَ الكلام
– قالت : بالفعل . ففي الصمت مساحات لذة ، لا تُضاهى .
– قلت : ربما اكْتسَبْت ذلك من شغف القراءة ، بالعينين .
– قالت : للعيْن لذتها التاوية وراء كل مقروء .
– قلت : بما أن المناسبة شرط ، عليك بقراءة رواية ( مدينة اللذة ) لِ‹‹ عزة القمحاوي ››
– قالت : سأفعل . لكن ماذا عن لذة الصمت ؟
– قلت ( مُنشدا لذة صمتي بصوت عال ) :

ذات ليْلةٍ
ناداني صوْتٌ
اُصْحُ

فتحْتُ عيْنيَّ
فإذا بي بغابةٍ
ليْلُها نهارُ

دعاني الصّوتُ
هاجِرْ
صمْتَ الكلام
٠٠٠
ذات نهارٍ
ناداني صمْتٌ
اُغْفُ

أغلقتُ عينيَّ
فإذا بي ببَيْداء
نهارها ليْلُ

دعاني الصّمْتُ
اُحْلُمْ
بكلام الصّمت

٠٠٠
ذات مساء / صباح
حيث امتزج الضوء بالعتمة
و تلازمت السكينة مع الضوضاء
توَجَّسْتُ لغطَ أصواتٍ /

عُواء ذئب بتأوُّدِ مشْتاق
حُداء دليل قافلة بأنين ناي
دمْدمَة رياح بزغْرودة عروس
طنين بعوض بتذَمُّر عانس
اِنتحار غيْث باسْتهلال وليد
نعيق بومة بحشرجة مُحْتضِر /
فأدركتُ لذّة الصّمت

٠٠٠
بيْن /
الآن و ما مضى /
الهنا و الهناك /
أخْبرني /
همْسٌ صاخب /
مِن الماوراء :
للصّمْت أصوات

” يسعى الفيلسوف أن ينصت في نفسه أصداء سمفونية العالم و أن يعيد إبداعها
على شكل مفاهيم “ – نيتشه –
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
– 22 – حديث لذّة الوصْل

– قالت : ماذا عن لذة لقاء بين رجل و امرأة ؟
– قلت : أتقصدين ، ضمنيا ، لقاء عشيقين !؟
– قالت : ليس بالضرورة . لكن ، فليكن كذلك ، وِصالا .

– قلت : الوصل / صلة ، ضمٌّ ، حضور ، انبهار ، شغف ، امتلاء ، انصهار ، حوار ،
مبادلة ، انعكاس ، ذاكرة ، جسد ، روح …
– قالت : لذّة الوصل / نظرة ، صمت ، عناق ، همس ، مداعبة ، قُبْلة ، شبق ، ارتواء ،
رعشة ، غياب آخر …
قلت : هل اليومَ ؟ / قالت : نصفُهُ الليلُ / قلت : كم ساعةً ؟ / قالت : بل دقائقُ /
قلت : أ عليّ بالفيه فقط ؟ / قالت : تكفيكَ الشّفاه / قلت : و حنيني لصدرك ؟ /
قالت : إلاّ الأثداء / قلت : و كيف لي بعبق شَعرك ؟ / قالت : يكفيك فيه الشِّعرُ /
قلت : و لِمَ هذا العجلُ ؟ / قالت : و ما أدراك أنه عَجَلُ ؟ / قلت : خِِلْتُهُ كذلك /
قالت : و ما أدراك أن وصالنا زمن ؟ / قلت : لن يكفيني فيك و فيه الدّهر /
قالت : جسدي كله لك / قلت : جسدي ليس لي / قالت : فلمن هو ؟ /
قلت : لمن توحَّدَتْ روحهما في جسد / قالت : مُقَتَّلَي القلب ، تأفُل غُربتنا
و ينجلي توحّدنا / قلت : فلا حِجاب في حضرة لذّة الوصل / قالت : إذاً ، لِنَصِل الليل بالنهار
٠٠٠٠٠٠

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: