الأربعاء , نوفمبر 25 2020

قراءة نقدية لقصيدة الشهيد : للدكتور جمال مرسي بقلم الناقدة التونسية منوبية غضباني …..

قراءة نقدية لقصيدة الشهيد للدكتور جمال مرسي
بقلم الناقدة التونسية منوبية غضباني
…..

مضت أزمنة كانت مناهجنا التربوية فيها تعتمد نصوص اعلام في الأدب الغربي …وقد تصدّر الفونس دو لامرتين وفيكتور هيغو ولافنتان وجون جاك روسو وغيرهم هذه المناهج فغزوا البرامج الدراسية وتمرّست أجيال وأجيال على أدبهم وقيّمهم الإنسانية وحقّقوا بذلك غزوا فكريّا وأثّروا في أدبنا وحضارتنا ..وقد شملت منجزاتهم وأعمالهم الأدبية الخالدة العلوم الإنسانيّة و من فلسفة وعلم نفس وتاريخ وجغرافيا ..وغابت أعلام الفكر العربي نسبيا عن متاهجنا التربوية واعتمده الغرب في تطوير حضارتهم وفكرهم ومناهجهم مستلهمين منها رؤاهم وابداعاتهم …غير أنّ الحاجة لتطوير مناهجنا التربوية واحلال منهج مختلف عن المناهج السابقة التي تعتمد الأدب الغربي وأعلامه في الشعر والأدب عموما أضحى مؤكّدا فتنوعت المبادرات وأفسح المجال للمبدع العربي ليسهم فيها تفاعلا مع تطور المنجزات الأدبية لمبدعين عرب..فتنشئة أجيالنا على قيّمنا العربيّة الإنسانية وتأصيلهم فيها واقامة جسور تواصل بينهم وبين مبدعي أوطاننا العربية بات أمرا ضروريّا ..فكم تماهينا بمنجزات أعلام الأدب في الرواية والقصّة والدراسات الأدبية المعمّقة في معايير اللّغة والنّقد الى جانب تضمينها قيّما في محبّة الأوطان وبرّ الأبوين والتّعايش مع المختلف والثقة بالنّفس
وفي هذا السّياق تتنزّل قصيدة الشاعر د.جمال مرسي لاعتمادها في التدريس ضمن المنهج التربوي بدولة الإمارات الشقيقة والشاعر د جمال مرسي شاعر مصر العظيمة…. مؤسس قناديل الفكر و الأدب على الإنترنت
وأحد شعراد معجم البابطين و معجم الألف شاعر و الموسوعة العالمية للشعر العربي
يكتب في العديد من الصحف و المجلات المصرية و العربية..له اصدارات متميزة في الشّعر نذكر منها
غربة / اصداف البحر و
لآليء الروح./ أنهار لا تعرف الخوف /في كل اتجاه
ما لم يقله البحر. / علي جناح امنية شاردة
و ديوان على شرفة القمر
(ديوان مشترك مع عدد من شعراء العرب
قصيدة في بحرالرّمل ويعدّ البحر الرمل من البحور التي تأتي تامة وتأتي مجزوءة كما الحال في قصيدة شاعرنا …قصيدة .كشفت عن مكنوناتها الإيقاعية التي عزّزت حظوظها في أن تعتمد في المناهج التربوية..
وتنال مكانة في المناهج التربوية احتكمت على أداء لغويّ مناسب من حيث استعمال الشاعر لأدواته التّعبيريّة بما يضمن وصول المضمون القيّمي لناشئتنا والمتعلّق بمكانة الشّهيد ورمزيته في الذّود عن الوطن وصونه من كل مستعمر غاش ..
والمتأمل في هذه القصيد يلاحظ أن الشّاعر قد ضمّن جوهرها في العنوان
فكلمة “الشهيد ” تهيّئ سمع المتلقي لنصّ رهيب جليل يبسط قضية من مات واُغتيل واستشهد من أجل قضيّة اسمها “الوطن”..
فالشهيد وهو اسم فاعل لمن طلب الشهادة في سبيل وطنه وهي في الصواب اللغوي من أصل الفعل “استشهد “مبني للمجهول لا للمعلوم…يقول الشاعر في مستهلّها
يا شهيـداً أنـت حـيٌّ ما مضى دهرٌ و كانـا
ذِكْرُكَ الفـوّاحُ يبقـى ما حيينـا فـي دِمانـا
أنت بدرساطع ماغاب عن سمانا
فهذا مطلع القصيد وبدايتها …وقد جاء الكلام في حجم شهادة هذا الباسل البطل الذي آثر الموت على الحياة في سبيل وطنه .
وقد برع شاعرنا في بدء قصيدته بمدح واعلاء مكانة ومقام الشّهيد بما يحبّبه لدى الناشئة المستهدفة في المناهج التربوية …وقد نوّه النّقاد في دراساتهم النّقدية لمثل هذه القصائد التي تعنى بالقيّم الى أهميّة المطلع الذي يستهلّ به الشاعر القصيد باعتباره أولّ ما يقرع السّمع على حدّ رأيهم ..
فهذا الشهيد الميّت والذي طالته يد العدوّ الغادرة الآثمة خاطبه الشاعر بأداة نداء “ياشهيد” وكأنّه أمامه يعيد له الحياة ويستصغرفاجعة الموت ليعلمه أنّه سيظلّ حيّا يرزق ما مضى دهر وكانا ..
فالخلود للشّهيد ..والخلود مكانة يطمح لها الإنسان فمابالك بالشّهيد الذي جاء فيه قوله تعالى ” ولا تحسبّن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل أحياء عند ربّهم يرزقون
أمّا صيغة التفعيل في “ذكرك الفوّاح” هي صيغة صرفيّة لها دلالاتها في معنى المبالغة…فذكر الشهيد فوّاح حمّله الشاعراستعارة العطر فجسّدت فيحه العطر في “دمانا” محيلا على صورة دم الشهيد الذي سقى الأرض ورواها وفداها لتنعم بالحريّة …فالتّأنّق اللّفظي وجودة المعاني في المقطع الأول من القصيد ييسران تبني مكان الشهيد وتقمّص بطولته وشجاعته والإقتداء به رغبة في الإستشهاد في سبيل اللّه
وترتفع نبرة تمجيده للشهيد فيصفه بالبدر قائلا
أنت بدر ساطع ماغاب عن سمانا
قالإستعارة جاءت تصريحية وإذا تأملناها تلاحظ قد ذكر معها شىء يلائم المشبه به …فالبدر مستمر متواتر الحضور ساطع لا يغيب عن سمانا وكذلك الشهيد فهو في منزلة البدر ورفعته …
*وبما أنّ الشهيد آثر أن يسير الى الموت في سبيل وطنه فقد أعاد الشاعر الى أذهاننا استهانته بالرّوح وبالحياة واستصغار للموت ليختار الجنان (جمع لجنّة )
قد بذلتَ النفسَ ، تشري بالـذي بِعـتَ الجنانـا
فالنّفس مقابل جنّة الخلد
فالشهيد سار بخطى ثابتة الى الموت …وهانت الدّنيا و كانـتْ دُرَّةٍ تشبيه الدّنيا باللؤلؤة ، كانـت جُمـانـا(كنت بمثابة الرداء الموشى باللؤلؤ والمرجان )
الشاعر يدور بنا في فلك مغريات أخرى لم تكن لتعني الشهيد في شيئ فهو لم يرتض غير جنات عدن خالدة يصان فيها ..
كما نلاحظ اللهجة الخطاابية التي اعتمدها الشاعر في هذه الأبيات فالنَفسُ خطابيُُّ سرديُُّ تحضر فيه الأفعال في صيغة المخاطب والغائب (بذلتَ…رضيتَ…هانت )
ثمّ يعود في المقطعين اللاحقين عاكسا الخطاب الذي بدأه بالنداء وضمير المخاطب الى هو “الغائب” وكأنّه يسرد حكاية على السّانعين …فيقول*
أَقْبَـلَ الفجـرُ فلـبَّـى خاشعـاً ذاق الأمـانـا
قِبلْـةََ الرحمـنِ ولًـى وَجْهَهُ ، ثُـمَّ استعانـا
فاْمتطى خيلَ التحـدِّي يقتلُ الصمـتَ الجبانـا
فبالأفعال الواردة في صيغة الماضي على نحو(أقبل…لبّى..ذاق…ولّى…استعانا)يسرد لنا ملحمة بطولية يدثّرها نفس دينيّ تردّده عبارات زادت الشّهيد هيبة ووقارا وبهاء وارتقت بروحه الطاهرة الى ملكوت السّماء (خاشعا…ولى وجهه قبلة الرحمان…..يقتل الصمت الجبان …..استعانا)
ثمّ يختم ب
دثِّريـهِ يـا روابــي توِّجـيـهِ الأُقحـوانـا
و اْذكري دوماً شهيـدا قـد أبـى إلا الجِنانـا
ربمـا نلـقـاهُ فيـهـا فـنـراهُ ، وَ يَـرَانـا
…………
فقد ارتقى الخطاب الشعري بجسد الشهيد وروحه داعيا الى تدثيره وتتويجه بالأقحوان ..والأقحوان زهرة تتمتّع بخصائص مضادّة للجراثيم والفطريات …فالمعنى عميق في مضمونه …
ثمّ يعود ليؤكد أن “اذكروا دوما شهيدا “ممارسا تأثيره على السّامع والمتلقي كاشفا أعماقه عبر تمظهرات صوتية يسربها الإيقاع الدّاخلي للقصيد في نسقها التعبيري …فهو يأمر في صرامة وبالحاح الا ننسى شهيدنا …أن نذكره دوما وباستمرار ودون انقطاع وقد برّر قوله “أبى الاّ الجنانا” طلبه وأمره لنا …
قصيدة قصيرة مكثفة تقف شامخة بين قصائد نظّمت في “الشهيد” صدقت فيها مشاعر ناظمها لم يزخرفها شاعرنا وهو البارع القدير في الزخرفة والديباجة البلاغية …صاغها بصدق فنفذت الى القلب ووقع ادراجها للتدريس في المناهج التربوية لتكون حاملة لقيّم الشهادة في سبيل الوطن …وأعتقد أنّ انتقاءها من ضمن قصائد أخرى موفّق جدّا لما تفرّدت به من بنية أسلوبية لها حضور فاعل في متلقيها
هنيئا لد.جمال مرسي بهذا التتويج ورحم الله شهداء الوطن البواسل
وكلّ التّحية والتّقدير للمناهج التربوية التي مكّنت المبدع العربي من الإسهام عبر منجزاته في تنشئة الأجيال على قيمنا العربية النبيلة …..منوبية الغضباني تونسقصيدتي
الشهيد
التي تم اعتمادها للتدريس في دولة الإمارات العربية المتحدة هذا العام و قراء نقدية للقصيدة من المبدعة منوبية غضباني
….

الشهيد

شعر د. جمال مرسي

يا شهيـداً أنـت حـيٌّ ما مضى دهرٌ و كانـا
ذِكْرُكَ الفـوّاحُ يبقـى ما حيينـا فـي دِمانـا
انـت بـدرٌ سـاطـعٌ ما غابَ يوماً عن سمانا

***
قد بذلتَ النفسَ ، تشري بالـذي بِعـتَ الجنانـا
هانَتِ الدُّنيا ، و كانـتْ دُرَّةٍ ، كانـت جُمـانـا
فارتضيتَ اليومَ عدنـاً خالـداً فيهـا مُصانـا
***
أَقْبَـلَ الفجـرُ فلـبَّـى خاشعـاً ذاق الأمـانـا
قِبلْـةََ الرحمـنِ ولًـى وَجْهَهُ ، ثُـمَّ استعانـا
فاْمتطى خيلَ التحـدِّي يقتلُ الصمـتَ الجبانـا

***
دثِّريـهِ يـا روابــي توِّجـيـهِ الأُقحـوانـا
و اْذكري دوماً شهيـدا قـد أبـى إلا الجِنانـا
ربمـا نلـقـاهُ فيـهـا فـنـراهُ ، وَ يَـرَانـا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: