الأربعاء , نوفمبر 25 2020

أشرف الريس يكتُب عن: ذكرى ميلاد صالح جودت

هو ” مَدَّاحُ المُلوك و الرؤساء ” و ” شاعر الوطن ” و ” الهائمِ فى سَماءِ الفن ” الشاعر الكبير و القدير ( صالح كمال الدين جودت ) الشهير بصالح جودت ذلك المُبدع الرائع الذى إنكفأ بين عامى 1912م و 1976م يؤلف الأشعار فى مَدْحِ الملك و الأمير و الرئيس و اقترب من أم كلثوم التى تغنت بالملك فاروق و محمد عبد الوهاب الذى فعل الشيئ نفسه ثم راح يتغزل بالرئيس جمال عبد الناصر بالإضافة إلى امتداحه الملك الأردنى فيصل و الملك عبد العزيز آلـ سُعود و غيرهم و هو أيضاً الشاعر الذى خاض الكثير من المعارك الأدبية و خاصة ضد من أطلقوا على أنفسهم اسم ” المُجددين فى الشعر العربى ” و هاجمهم و دخل معهم فى سِجالٍ أدى إلى اتهامه بالرجعية و سوء الفهم من قبل أنصار الشعر الحُر فقالوا إنه افتقد حس التطور و الإيمان بالتجديد بعدما رآهم بدوره ” هدّامين و مُتنكرين للشعر و الثقافة العربية ” و أيضاً هو  الشاعر الذى لم يلبث أن ينقلب إلى شاعر إنسانى عميق مُشجٍ عندما يضيّق الخناق عليه لتجارب الحياة فيصحو وجدانه إلى ما فيه من آلام و ما فى تلك الآلام من عُمق على نحو ما نحُسّه من قصيدة فريدة له هى ( نحو الآخرة ) التى نظمها على إثر مَرضِ عُضالٍ ألقى به فى مصحة العباسية ! حيث أحس باليأس عندما أوشك الداء أن يقهره .. ولد جودت فى 12 / 12 / 1912م بمدينة الزقازيق المصرية من أمٍ تركية الأصل من ناحية الأب و مغربية الأصل من ناحية الأم و قررت أن تُسميه عبد الرحمن لكن مُشادة حدثت بينها و بين الأب ” كمال جودت ” أدت إلى تغيير الاسم إلى صالح تيمناً باسم شقيق الأخير المُستشار صالح بك جودت أم جدّه جودت باشا فكان أديباً و سياسيًّا تركيا مُحنكاً و كان وزيرًا بالدولة العُثمانية و ينشر مؤلفاته بالتُركية و العربية و الفارسية أما ابنه إسماعيل فقد نشأ ثائراً و لعب دوراً بارزا فى مُقاومة السُلطات التركية فتعرض للاضطهاد و التشريد ففرّ إلى مصرَ و لم يلبث أن أحبها و أحب المصريين و راح يُمارس هوايتـه فى الثورة و الكفاح من أجل حريَّةِ مصرَ و عزتها و يكفى أن نعلم أنه كان واحداً من أبرز رجال الثورة العُرابية و طورد و تم القبض عليه و مُحاكمته و صَدَرَ الحُكم بنفيه إلى السودان لمدة ثلاثة أعوام لكنهم ارتابوا من وجوده بالسودان خشية أن يُمارس دوره هناك فى إثارة الناس ضد الخديوى و الأتراك و الإنجليز فأعيد ترحيله إلى تركيا ( بلده الأول ) و هناك أنجب ابنه كمال الدين عام 1882م و بعد أربعة عشر عاماً لم يجد إسماعيل مفرًّا من العودة إلى مصر فعاد عام 1896م و فى صُحبته ابنه اليافع الذى تشرب الثورة و حُب مصر من أبيه و راح إسماعيل يشتغل بالمُحاماة و لأنه يمتلك مكتبة منزلية تزخر بأمهات الكتب فى الأدب و التاريخ و القانون فقد غرس فى ابنه حُب القراءة و التثقف و سار الابن فى مراحله التعليمية بنجاٍح ليتخرج فى النهاية مُهندساً زراعياً يرتحل فى الإقليم المصرى من محافظة إلى محافظة و بسبب ذلك أصدر كتاباً يصف مصر كلها شعراً وُصف بأنه تحفة أدبية .. بعدما انتقلت العائلة و معها الطفل إلى المنصورة تدرج جودت فى المراحل التعليمية حتى حصُل على شهادة الثانوية و انتسب إلى كلية التجارة و أخيراً نال الماجستير فى مجال العلوم السياسية و خلال تلك الفترة أحب جودت الشعر من خلال زملائه الشعراء محمود طه و إبراهيم ناجى و الهمشرى بالإضافة إلى وَلَعِه ببراءة المازنى و المنفلوطى و العقاد حتى أصدر ديوانه الأول فى سن الحادية و العشرين بعنوان “ديوان صالح جودت ” .. التحق جودت بالعمل فى ” بنك مصر ” لكن حُبه لتأليف الشعر و الكتابة الصحفية جعله يترك الوظيفة و يعمل مُحرراً فنياً نهاراً و سياسياً مساء في جريدة ” الأهرام ” عدا أنه كان يجيد الترجمة و يُتقن اللغتين الفرنسية و الإنجليزية و تعرف على الموسيقار محمد عبد الوهاب عندما كان طالباً فى كلية التجارة و كان يُقابله فى جلسات الشاعر أحمد شوقى المُتيم به و العاشق لشعره و كانوا يجتمعون فى قصره الذي أطلق عليه اسم ” كرمة ابن هانئ ” و مُنذ ذلك الوقت توطدت علاقة الموسيقار بالشاعر و اتفقا على كتابة أغنية تشيد بالملك فاروق الأول و أطلقا عليها أنشودة ” الشباب ” و لحنها و غناها عبد الوهاب مرتين عام 1945م فى الاحتفال بيوم ميلاد الملك فاروق و فى عيد جلوسه على العرش و لم تكن تلك الأغنية الوحيدة التى تغزل فيها جودت بالملك فاروق بل مدحه فى قصيدة أخرى عام 1945م بعنوان ” الفن ” و لحنها و غناها كذلك عبد الوهاب و فى فبراير عام 1945م صودف إعلان انتهاء الحرب العالمية الثانية مع عيد ميلاد الملك فاروق و قد غنى عبد الوهاب ” هلّ السلام ” و لم يكتفِ جودت بتأليف الشعر في مدح الملك فاروق بل كتب قصيدة تغنى فيها بالملك عبد العزيز آلـ سعود عام 1946م و عنوانها ” يا رفيع التاج ” غناها و لحنها عبد الوهاب أثناء زيارة الملك لمصر و هى بالمُناسبة أول أغنية تبثها الإذاعة السُعودية بعدما كانت برامجها تقتصر على إذاعة سور من القرآن و من كلماتها “يا رفيع التاج من آلـ سعود يومنا أجمل أيام الوجود ” .. تعرفت كوكب الشرق أم كلثوم على جودت عندما كانت تستمع إلى برنامج إذاعى يوضح موقف الإسلام من العُنصرية بعدها تكلمت مع الشاعر و طالبته بتأليف قصيدة حملت اسم ” الواحد الرحمن ” لتبدأ الرحلة بينهما و تتوالى الأعمال الفنية و على إثر نكسة عام 1967م قرر عبد الناصر التنحي عن الحُكم لتخرج أم كلثوم بأغنيتها من ألحانالسُنباطى ” قم و اسمعها من أعماقى فأن الشعب ابق فأنت السد الواقى لمُنى الشعب .. ابق فأنت الأمل الباقى لغد الشعب .. أنت الخير و أنت النور .. أنت الصبر على المقدور .. أنت الناصر و المنصور .. ابق فأنت حبيب الشعب ” .. مُنذ وصول فريد الأطرش إلى مصر اقترب جودت منه و بدأ يكتب له الشعر حتى طلب منه فريد كتابة قصيدة لغنائها في حفل زواج الملك حسين على الأميرة ” دينا بنت عبد الحميد ” فى أبريل عام 1955م و شهد قصر ” بسمان ” فى العاصمة الأردنية حضور شاه إيران و العائلة الملكية فى الدولة و قد استمعوا للأطرش ينشد أغنية جودت و مطلعها ” يا أغلى من أمانينا و أحلى من أغانينا يا زينة الدنيا يا دينا يا وردة فى بلد حرة ” و فى شهر أكتوبر عام 1956م اتخذ الملك حسين قراراً بإنهاء خدمات كل الضُباط و المدنيين البريطانيين الموجودين فى الأردن في قرار وُصف بالجريئ فكتب جودت قصيدة خاصة مدح فيها الملك و غنّاها فريد الأطرش جاء فيها ” يا غالى و همتك غالية غلاوة القدس و الحرمين يا عالى و أمتك عالية علو الشمس و الهرمين ” كما كتب جودت 64 أغنية لكبار المُطربين منهم شادية و سعاد محمد و كارم محمود و محمد فوزى و صباح و عبد الحليم حافظ و ليلى مراد و نور الهُدى و فايزة أحمد و وردة الجزائرية و نجاة الصغيرة و كارم محمود كما غنت له ماجدة الرومي قصيدة ” حسناء قرطاج ” و كان جودت يردد دائماً عبارة أنه يعمل فى الصحافة كى يُنفق على الشعر و قد وصل إلى منصب نائب رئيس مجلس إدارة ” دار الهلال ” و رئيس تحرير ” مجلة الهلال ” و لم يترك مناسبة إلا و شارك فيها تاركاً وراءه ستة دواوين و خاض الكثير من المَعارك الأدبية و من أشهرها هُجومه العنيف على الشاعر ” نزار قبانى ” عندما نشر الأخير قصيدته ” متى يُعلنون وفاة العرب ” فكتب جودت على إثرها مقالاً بعنوان ” امنعوا أغانى نزار قبانى ” جاء فيه ” لقد انتهى نزار كشاعر و انتهى كعربى و انتهى كإنسان ” ! مُطالباً بوضع الأخير على القائمة السوداء لأنه يُحطم معنويات قومه بمثل هذه القصيدة  .. كان جودت قد حاكى نفسى فى اسطورة ” بيجماليون ” عندما اعترف بأنه الفنان الذى صاغ المرأة الخيالية المِثالية ثم امسى هو عبداً لما صاغه بيديه غير انه عاد فى قصيدة ” قالت سُها ” التى وجهها الى زوجته ليؤكد انه مهما عشق فستظل زوجته سُها هى الحبيبة الوحيدة .. تم تكريم جودت بمجموعة من الجوائز و الأوسمة كان أبرزها ” وسام النهضة الأردنى ” عام 1951م و ” وسام العرش المغربى ” عام 1958م و ” وسام العلوم و الفنون من الطبقة الأولى ” عام 1959م و ” جائزة أحسن قصيدة غنائية فى السد العالى ” عام 1965م و ” جائزة الدولة التشجيعية فى الآداب ” من المجلس الأعلى لرعاية الفنون و الآداب و العلوم الإجتماعية عام 1958م و كان آخر دواوينه ” الله و النيل و الحُب ” عام 1975م بالإضافة إلى ست دراسات أدبية و روايتين و سبع مجموعات قصصية و كتابين عن أدب الرحلات تركها وراءه حين رحل فى 23 / 6 / 1976م عن عُمر ناهز الـ63 عاماً بعد صراع طويلٍ و مرير مع المرض و بالرغم من مُرور كل هذا الزمن فإن أحداً لم ينفض الغبار عن تركته الإبداعية الثرية المُتنوعة و على رأسها الشعر فهل سيظل إبداع صالح جودت الأديب يدفع ثمن مواقف صالح جودت الإنسان ؟! .. رحم الله صالح جودت و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: