الجمعة , ديسمبر 4 2020

#البَلاغَةُ_العَفْوِيَّةُ_فِي_الشِّعْرِ_العَامِّيِّ_اللِّيبِيِّ ( 1 / 4 ) بقلم الدكتور الليبي جمعة الفاخري.

#البَلاغَةُ_العَفْوِيَّةُ_فِي_الشِّعْرِ_العَامِّيِّ_اللِّيبِيِّ ( 1 / 4 )

جمعة الفاخري.

#مدخل/
من يعي معنى الفطرَةِ، وَيُدْرِكُ مفهومَ العفويَّةِ، ويستوعبُ ما تقترحُهُ الصَّحْرَاءُ بِصَفَائِهَا وَنَقَائِهَا، وَانْفِسَاحِهَا وَاتِّسَاعِهَا، بلياليِهَا المقمرَةِ الشِّاعريِّةِ السَّاحِرَةِ في أماسي الصَّيفِ الصَّافِيَةِ، والمظلمَةِ الموحِشَةِ في ليالي الشِّتَاءِ الِحَالِكَةِ الْقَارِسَةِ، ونهارَاتِهَا بحرِّهَا وَقَرِّهَا، يعلمُ علمَ اليقينِ أيَّ تلامذةٍ نجباءَ يخرِّجُ هذا الانفسَاحُ اللانهائيُّ، ويوقنُ أنَّها تجودُ على سكَّانها بخيالٍ جموحٍ يطوفُ الكونَ كلَّهُ فَيَأْسُرُ صَاحِبُهُ الأفلاكَ والمجرَّاتِ بشمسِهَا وقمرِها، بنجومِها وكواكبِهَا .. فالبدويُّ ذو الذِّهنِ الصافي، يَسْتَدِني بعيني الخيَالِ الشَّفيفِ المدى البعيدَ، فيطوي بُعْدَهُ بخيالِهِ الخصْبِ كما يطوي بساطًا في خيمتِهِ، ويرحلُ على متنِ بيتٍ شعرٍ إلى آخرِ المدى ويعودُ كأنَّهُ يستقلُّ سَرْجَ سَابِحٍ، ويخاطبُ الرَّيحَ العجولَ محمِّل-ًا إيَّاهَا مراسيلَ عشقِهِ المعطَّرةَ لأحبَّتِهِ النَّائينَ عنهُ، وَيُنَاجي السَّحَابَ العَابِرَ علَّه يحملُ للأحبَّةِ سَلامًا تحترقُ بهِ أعماقُهُ .. ويكلِّمُ الرَّعدَ والبرقَ، ويستنطقُ الطبيعةَ بِكُلِّ عَنَاصِرِهَا، يُطَارِدُ طَرائِدَهَا، وَيُرَوِّضُ شَوَارِدَها، وَيُقيِّدُ صُيُودَهَا، وَيُنَاغِي أَلِيفَهَا وَدَاجِنَهَا ..

من يُدْرِكُ هذهِ المقدرَةَ الفطريَّةَ التي جَادَ بها اللهُ على سُكَّانِ الصَّحْرَاءِ، وما حبتْهُ الطبيعَةُ لهم من صَفَاءٍ ذِهْنِيٍّ، وَنَقَاءٍ، فلا يستغربُ بلاغةَ الشِّعرِ الشَّعبيِّ العفويَّةَ. ولا يُنكرُ هذا السَّهمَ الصَّائِبَ الذي يُصيبُ طرائدَ البلاغَةِ دونَ قصدٍ .. فبلغَاءُ الشِّعرِ الشعبيِّ بمختلفِ فنونِهِم القوليِّةِ لم يدخلوا مدرسةً، ولم تجرُّهم أقدامُهم إلى قاعاتِ المحاضراتِ الجامعيَّةِ، ولم يتعلَّموا أو حتى يَعْلَمُوا شيئًا عن علومِ البلاغةِ، ولا يدركونَ تفسيرًا لفحوى البلاغةِ كلمَةً واصطلاحًا.. لكنَّها العفويَّةُ هيَ التي تجعلُ الشَّاعِرَ الأمِّيَّ البدويَّ يلامسُ لونًا أو ألوانًا من فنونِ القولِ البليغِ، أو يعبرُ ركنًا أو أركانًا من علمِ البلاغَةِ الواسِعِ الشَّاسِعِ بفروعِهِ المتعدِّدَةِ، وجزئيَّاتِهِ الكثيرِةِ دونَ أن يدري أَنَّهُ قد أتى شيئًا منَ البلاغَةِ، أو اقترفَ حَسَنَةً من حَسَنَاتِها .. يقولُ الدُّكتور علي السَّاحلي: ” بل إنَّ شِعْرَنَا الشَّعْبِيَّ يحتوي على الكثيرِ منَ المحسَّناتِ البديعيَّةِ التي تُطَابِقُ تمامًا تلك التي استخدَمَهَا شُعَرَاءُ الفصحى القدمَاءُ، بالرُّغمِ من أنَّ شعراءَنَا الشَّعبيينَ لا يعرفونَ أيَّ شيءٍ علميًّا عنِ الجناسِ مثلاً، أو التَّرْصِيعِ أو الطِّبَاقِ أو غيرِها من ألوانِ البديعِ، إذ أغلبهم أميُّونَ، وجلُّهم لم يسمع حتَّى مجرَّد السماعِ بامرئِ القيسِ أو الشَّنْفَرَى أو جريرٍ أو الفرزدقِ أو أبي تمَّامٍ وأمثالِهِم، وكلُّ ما يردُ في شعرِهِم إنَّما يردُ بالسَّليقةِ “( 1).

وَهَذِهِ الدِّرَاسَةُ تَهْدُفُ إِلَى إِلْقَاءِ الضَّوْءِ على عددٍ كبيرٍ من أبياتِ الشِّعْرِ الشَّعْبِيِّ اللِّيبِيِّ الْمُمِيَّزَةِ بما انطوتْ عليهِ من بلاغَةٍ أو معانٍ أو وجودَةِ تركيبٍ وحسنِ سبكٍ، ومُوسِيقَا وغيرِهَا، تُظْهِرُ بلاغَتَهُ الرَّفيعَةَ، وجمالَ تراكيبِهَا، وبهاءَ صياغَتِهَا؛ يَقُولُ الدُّكتورُ وهبي أحمد البوري:” … وقد بَلَغَ الشِّعْرُ العَامِّيُّ في ليبيا درجةً منَ البَلاغَةِ وقوَّةِ التَّعْبِيرِ، وَدِقَّةِ الْوَصْفِ وَالتَّصْوِيرِ مَا يَجْعَلُهُ في مَصَافِّ الشِّعْرِ العربيِّ الفصيحِ الجيِّدِ “.
وَهَذهِ بعضُ الصُّوَرِ واللَّمَحَاتِ البلاغيَّةِ العفويَّةِ وَرَدَتْ في شِعْرِنَا الشَّعْبيِّ اللِّيبيِّ، يمكنُ إدراجُهَا ضِمْنَ أَرْكَانِ البَلاغَةِ المختلفَةِ، وقد وَازَنْتُ بينَ بعضِ أبيَاتِ الشِّعْرِ الشَّعْبيِّ والفصيحِ لإظْهَارِ بلاغةِ الشِّعْرِ الشَّعْبِيِّ .. وما هذهِ إِلاَّ نقطةٌ في بحرٍ لَجِبٍ ..

#التَّشْبِيهُ_الضِّمْنيُّ : هو تشبيهٌ لا يُوضَعُ فِيهِ المشبَّهُ والمشبَّهُ بهِ في صورةٍ من صُوَرِ التَّشْبِيهِ الْمَعْرُوفَةِ؛ بلْ يُلْمَحَانِ فِي التَّرْكِيبِ، وَهَذَا النَّوْعُ يُؤْتَى بِهِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْحُكْمَ الَّذي أُسْنِدَ إِلَى الْمُشَبَّهِ مُمْكِنٌ . فَقَدْ يَنْحُو الشَّاعِرُ أَوْ الأَدِيبُ مَنْحًى بلاغيًّا يُوحِي فِيهِ بالتَّشْبِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصَرِّحَ بِهِ في صُورَةٍ من صُوَرِهِ المعروفَةِ، نُزُوعًا إِلَى الابْتِكَارِ؛ وَإِقَامَةً لِلدَّلِيلِ عَلَى الحْكُمِ الَّذي أَسْنَدَهُ إِلَى الْمُشَبَّهِ، وَرَغْبَةً في إِخْفَاءِ التَّشْبِيهِ؛ لأَنَّ التَّشْبِيهَ كُلَّمَا دَقَّ وَخَفِيَ كَانَ أَبْلَغَ وَأَفْعَلَ في النَّفْسِ، وَمِثَالُ ذلكَ بَيْتُ أَبِي تَمَّاٍم حَيْنَ يَقُولُ لْمُخَاطَبَتِهِ:
لاَ تُنْكِرِى عَطَلَ الْكَرِيمِ مِنَ الْغِنَى
فالسَّيْلُ حَرْبٌ لِلْمكانِ الْعالِى

المعنى: لا تُنْكِرِي خُلُوَّ الرَّجُلِ الْكَرِيمِ منَ الغنى، فَإِنَّ ذلكَ ليسَ عجيبًا لأنَّ قِمَمَ الْجِبَالِ وهي أشرفُ الأماكنِ وأعلاها، لا يستقرُّ فيها ماءُ السَّيْلِ، ألم تلمحْ هنا تشبيهًا؟ ألم تَرَ أَنَّهُ يُشَبِّهُ ضِمْنًا الرَّجُلَ الكريمَ المحرومَ منَ الْغِنى بِقِمَّةِ الجبلِ وقد خَلَتْ من مَاءِ السَّيْلِ؟ ولكنَّهُ لم يضعْ ذَلِكَ صَرِيحًا بل أتى بجملَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَضَمَّنَهَا هذا المعنى في صُورَةِ بُرْهَانٍ.
ويَقُولُ أبو الطَّيِّبِ المتنبِّي:
مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الْهَوَانُ عَليِه
ما لِجُرْحٍ بمَيِّتٍ إِيلامُ

المعنى: إِنَّ من اِعتادَ الهوَانَ وَأَلَفَهُ يَسْهُلُ عليهِ تحمُّلُهُ، فلا يَتَأَلَّمُ لَهُ، وهَذَا الادِّعَاءُ ليسَ بَاطِلاً؛ لأَنَّ الميِّتَ إِذَا جُرِحَ لا يتألَّمُ، وفي ذلكَ تلميحٌ بِالتَّشْبِيهِ في غيرِ صَرَاحَةٍ.
ففي الأبيَاتِ الثَّلاثَةِ تجدُ أركانَ التَّشْبِيهِ وَتَلْمَحُهُ، وَلَكِنَّكَ لا تجدُهُ في صُورَةٍ من صُوَرِهِ التي عِرِفْتَهَا، وهذا يُسَمَّى بِالتَّشْبِيهِ الضِّمْنِيِّ.
ومن أُمثلتِهِ بيتُ ابْنِ الرُّومِيِّ:
وَيْلاهُ إِنْ نَظَرَتْ، وَإِنْ هِيَ أَعَرَضَتْ
وَقْعُ السِّهَامِ وَنَزَعُهُنَّ أَلِيمُ

وَيَقُولُ ابْنُ الرُّومِيِّ أيضًا:
قَدْ يَشِيبُ الْفَتَى وَلَيْسَ عَجِيبًا
جج أَنْ يُرَى النَّوْرُ فِي الْقَضِيبِ الرَّطِيبِ

إِنَّ الشَّابَّ قد يَشِيبُ ولم تَتَقَدَّمْ بِهِ السِّنُّ، وَإِنَّ ذلكَ لَيْسَ بعجيبٍ، فَإِنَّ الغُصْنَ الْغَضَّ الرَّطِبَ قَدْ يَظْهَرُ فيه الزَّهْرُ الأَبِيضُ، فَابْنُ الرُّومِيِّ هُنَا لم يَأْتِ بتشبيهٍ صَرِيحٍ فَإِنَّهُ لم يَقُلْ: إنَّ الفتى وَقَدَ وَخَطَهُ الشَّيْبُ كَالْغُصْنِ الرَّطِيبِ حِينَ إِزْهَارِهِ، وَلَكِنَّهُ أَتَى بِذَلِكَ ضِمْنًا.
أو كقولِ الشَّاعِرِ الدِّمَشْقِيِّ، فتيانِ الشَّاغُورِي:
فَالمَوْتُ إِن يَنْظُرْ وَإِن يَنْفُرْ مَعًا
وَقْعُ السِّهَامِ وَنَزْعُهُنَّ أَلِيمُ

وفي قَوْلِ المتنبِّي:
وَأَصْبَحَ شِعْرِي مِنْهُمَا فِي مَكَانِهِ
وَفِي عُنُقِ الْحَسْنَاءِ يُسْتَحْسَنُ الْعِقْدُ

وَفِي قَوْلِهِ:
كَرَمٌ تَبَيَّنَ فِي كَلامِكَ مَاثِلًا
وَيَبِينُ عِتْقُ الْخَيْلِ مِنْ أَصوَاتِهَا

وفي شِعْرِنَا الشَّعْبِيِّ، وَبِعَفْوِيَّةِ الْعَرِبيِّ وتلقائيَّتِهِ، وَفِطْرتِهِ السَّلِيمَةِ، أَصَابَ بعضُ الشُّعَرَاءِ هَذَا النَّوْعَ مِنَ التَّشْبِيهِ الَّذِي يُعَدُّ مِنْ أَبْلَغِ أَنْوَاعِ التَّشْبِيهِ، كما أَنَّهُ دليلٌ على ذكَاءِ الشَّاعِرِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى الإِشَارَةِ وَالتَّلْمِيحِ وَالاخْتِزَالِ الَّذِي هُوَ أَسَاسُ الْبَلاغَةِ وَمَنَاطُهَا.
يَقُولُ الشَّاعِرُ المرحومُ إبراهيم طاهر بوجلاوي في قَصِيدَتِهِ الَّتي يفتتحُهَا بهذا المقطعِ:
نعيمة شوف اللِّي هيفوف علم ميصوف بعدها سعدةْ بو شَلُّوف
حَتَّى يَصِلَ إلى قَوْلِهِ:

ووسط يروج بْشال اِطْوِيّْ.. خلوج تصرِّد عَ الحيران
ودور امهبِّي عَ الجوجيّْ.. اركيِّب سِنَّد في معطان
حواجب تحت الحَفَّارِيّْ..الحاجب في الحاجب يقران
اوساع وسود وهدب قوي .. ملايا من كحل المسحان
ففي البيتِ الأوَّلِ تشبيهٌ ضمنيٌّ جميلٌ شبَّهَ فيهِخ الشَّاعِرُ خَصْرِ موصوفَتِهِ في تثنِّيها ورشاقتِهَا بناقةٍ فَقَدَتْ صَغِيرَهَا؛ فهي تمرُّ بخفَّةٍ وسرعَةٍ على الحيرانِ/ صِغَارِ الِإبلِ متفقدةً إيَّاهُ.
وفي البيتِ الثانِي شبَّهَ كَثَافَةَ شعرِهَا وَسَوادِهِ الخُرَافيِّ بقطيعِ إبلٍ حُبِسَ على المعْطَنِ يومَ وردِهِ، فأتى بتشبيهٍ جميلٍ موفَّقٍ، ثمَّ يقولُ:

خْدود إن بانت في ديوي تريك عَلَي عِلِّي طليانْ
اقطع ليل مصوقرهن ضيّ السَّاعة خمسةْ في لاذانْ

فَالشَّاعِرُ شبَّهَ خَدَّي محبُوبَتِهِ اللاَّمِعَيْنِ في تَوَرُّدٍ واشتعالٍ بمِصْبَاحٍ مُضَاءٍ عَلَى مَبْنًى إيطاليٍّ عالٍ؛ وإنَّما اختارَ وضعَ المِصْبَاحِ على مَكَانٍ عَالٍ لِيُشِيرَ إلى عُلُوِّ صَاحِبَتِهِ حقيقةً وَمَجَازًا، فَضْلاً عن كَوْنِ الضَّوْءِ في المكَانِ العَالِي يَظْهَرُ لِلجميعِ، ومن أَمَاكِنَ بعيدةٍ، لذلكَ قالَتِ الخنساءُ في وصفٍ صخرٍ أَخيها:
وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأتَمَّ الهُدَاةُ بِهِ كَأَنَّهُ عَلَمٌ في رَأسِهِ نَارُ
ثم استطرَدَ الشَّاعِرُ في تشبيهِهِ لإيضَاحِ مَقْصَدِهِ، وَتِبْيَانِ المعنى الَّذِي يَرْمِي إِليهِ بِأَنَّهُمَا كَقِطَعِ لَيْلٍ أَحَاطَ بهنَّ ضوءٌ فَأَظَهْرَ الْبَيَاضَ فيهما بجلاءٍ ووضوحٍ، أليسَ بعكسِهَا تتأكَّدُ الأضدادُ..!؟
والشَّاعِرُ لم يَسْتَعِنْ بأيِّ أداةِ تشبيهٍ، غيرَ أنَّهُ عمدَ إلى إيضاحِ صورةِ خَدَّي موصوفَتِهِ بِإِيرَادِ صَورتينِ تُمَاثِلانِهِمَا .. أَرَادَ أَنْ يَقُولَ إِنَّهُمَا خَدَّانِ مُلْتَهِبَانِ مُزْهِرَانِ .. لكنَّهُ لم يعمَدْ مباشرَةً إِلِى التَّفَوُّهِ بهذا، وَإِنَّمَا أَشَارَ ضِمْنًا إِلى هَذا الاشْتِعَالِ، وهذا الازْدِهَارِ مِنْ خِلالِ مُقَابَلَةِ الخدِّينِ في تورُّدِهِمَا بمشْهَدِ الضَّوْءِ في الحالتينِ الأُخْرَيينِ الْمُقَابِلِ بهما لصورِتِهِ المرادُ إيضاحها وإبرازها .. وقد وُفِّقَ الشَّاعِرُ – على عفويَّتِهِ- أيَّما توفيقٌ في نَقْلِ الصُّورَةِ المبتغَاةِ، وَعَقْدِ التَّشبيْهِ الضِّمْنيِّ المطلوبِ المنجزِ والمبرزِ.
عْيونك من تحت الدِّيبي اقْطَعْ لَيْل مْسقِّرهن ضيّ.

كما يَقُولُ الشِّاعرُ المرحومُ جعفرُ الحبُّوني:
العايب يْردّ إن جا العيب اصداره
يفرض عَلَيّ الدِّينْ ما نسترهم

في هذا البيتِ تشبيهٌ ضِمْنيٌّ مَعْلُومٌ.
السَّيلْ إن تقادى ياخذ النَّعْسَان
خَلُّوكم على يقظَةْ ضحى وْعَشِيَّه

ففي البَيْتِ تَشْبِيهٌ ضِمْنِيٌّ معَ التَّعليلِ، وَكَأَنَّهُ يقولُ: كونوا على يقظةٍ في كلِّ حينٍ، لأنَّ عدوَّكُم كَالسَّيْلِ في قوَّتِهِ وَمَفَاجَأَتِهِ وَإِهْلاكِهِ، وَالسَّيْلُ حينَ يَقْوَى يعلو على شَفِيرِ الْوَادِي، فيعمُّ الإِنْسَانَ النَّعْسَانَ وَالسَّاهِي، وَيَجْرِفُهُ مَعَهُ.
ومنه قولُ الشَّاعِرِ الشَّرِيف الشَّارف الحرنة:
عايز اليوم اللِّي وَفِي مِثَالي نَبَاتْ فِ المشاتل فاقدين بذيره.
من قصيدتِهِ التي يقولُ مطلعُهَا:
نريد نطلبه ما عاد نطلب غيره كريم رَبَّنا عَ الخَلَقْ بَاسَطْ خَيْرَه.

وَلِلشَّاعِرِ علي بوسليِّم الشَّلْوِي هذا التَّشْبِيهُ الضِّمْنيُّ الجمِيلُ:
وناض يتهاطى حشوها متخاوي مدير مدرسةْ حَرَّكْ جرس لفصوله
وقد وردَ في قصيدتِهِ الغزليَّةِ ( علي معدولة ) التي يقولُ مطلعُها:
ريت دور يسفَّى علي معدوله طويله قصيره طولها كي طوله

وقد وردَ البيتُ الذي حملَ التَّشبِيهَ الضِّمْنيَّ في هذا المقطعِ الذي يَصِفُ فيهِ الإِبِلَ:
وباتن وحاشن فوق روس علاوي مْعَ كلّ جانب هايبات ميوله
وتمَّا ربيع وْجَاه كلّ جلاوي وراضت كحيله في عفا ميكوله
وتمَّا عبسَّها كيف ريح الجاوي وين قسَّمنها في الْهَوَاج فحوله
تلقى جملها منطني ويصاوي داشع عليها للخلا معزوله
عايش اعرابي منطلق بِرَّاوي خويل صرف ما شِظَّن عليه حْموله
ويطحن بْصدره في الحطب ما ياوي تقول جرَّتَهْ ما شي عليه بْروله
وين ما صهك نابه وفاض رغاوي وحاس في الخول ناض يترازم شوله
وهدَّر ونزَّل وروره عسراوي وْزَنّ وتفقعص روَّحت منشوله
يبقن مجاسيره حذاه خلاوي وخاف اللَّقح منه شلا بذيوله
وناض يتهاطى حشوها متخاوي مدير مدرسه حَرَّك جرس لفصوله

أو كقولِ الشَّاعِرِ عبدِ الرَّحمن عابد البهيجي:
الخاطر لو لولاف يْطِقّ كفيف أوعي مِ النَّوْمِ يْحقّ
يَقُولُ الشَّاعِرُ ( الشَّتَّاي ) صالح حامد الفاخري:
نار احذا نار أخرى كابر كيد المترخِّي عَ الجابر
وَاصِفًا عَذَابَ الْعَاشِقِ حينَ يَدْخَلُ عِشْقًا بعدَ عشقٍ آخِرَ، مُكَنِّيًا عَنِ الْعِشْقِ بِالنَّارِ التي يُشْعِلُهَا المرءُ فَتُصِيبُهُ بِلَهِيبِهَا، وَيَطَالُهُ حَرُّهَا، ويَقَصْدُ بالنَّارِ – هنا – نَارَ الحُبِّ بلهيبِ عذاباتِها وَصَبَابَاتِهَا، والكَيْدُ الَّذي يقعُ جرَّاء اشتعالِها في أعماقِهِ، فهي تُشْبِهُ – تمامًا – الْحِمْلَ الْوَاقِعَ على عَمُودِ الْبَيْتِ (الجابر ) الَّذي يَسْمُكُ الْبَيْتَ ( المترخِّيّ ) بعد إِرْخَاءِ ( الارمام ) التي كانت وَهْيَ مشدودةٌ تتلقَّى عنه بعضَ العَنَاءِ فَتُعِينُهُ على أن يَشْتَدَّ شَامِخًا مُنْتَصِبًا لا يَتَأَثَّرُ بالرِّيَاحِ وَالأَنْوَاءِ وَعَوَامِلِ الطَّبِيعَةِ الأخرى.
ويَقُولُ أيضًا:
يا لْولاف عليكم صابر كيد البيت يْشيله جابر
أَيْ أنَّ الشَّاعِرَ الْعَاشِقَ صَبُورٌ على تعذيبِ أَحَبَّتِهِ لَهُ، مُحْتَمِلٌ ما يَلْقَاهُ من عَذَابٍ منهم كما يَتَحَمَّلُ عَمُودُ البيتِ ( الجَابِرُ ) عِبْءَ حَمْلِ البيتِ وَالنُّهُوضَ بهِ.
أو كقولِهِ:
عندَ النَّاسْ غَنِي نِسَّمَّى فصَّالْ الثوبْ انْسي كِمَّهْ
قِسْمِيَةْ الخاطر في صوبه رِمَّه بالجازل مذبوبه
ومنَ التَّشْبِيهَاتِ الضِّمْنِيَّةِ الموفَّقَةِ، هذا البيتُ المطلعُ لِلشَّاعِرِ خَطَّاب الطيِّب خطَّاب:
لنظار في غَيْبَةْ عزيز نْعِزَّه عزايز تلاقن في نهار معزَّى
فالشَّاعِرُ أَرَادَ أن يُظْهِرَ غَزَارَةَ دَمْعِ عينيهِ وَجُودَهُمَا بِالبُكَاءِ في غِيَابِ حَبِيبِهِ العَزِيزِ بِنُوَاحِ عَجَائِزَ جمعَهُنَّ مَأْتَمٌ، وضَمَّتْهُنَّ مَنَاحَةٌ، وهو لم يَتَفَوَّهْ بذلكَ صَرَاحَةً، ولكنَّهُ أوضحَهُ بالصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، صُورَةِ لِقَاءِ الْعَجَائزِ النَّوَائِحِ في المأتمِ.

أو كقولِ الشَّتَّاي:
جَدِيد مْنسِّيني لقدمّ .. السِّمّ مْداواتَهْ بِالسِّمّ
أو كقولِ الشَّاعِرِ ابريِّك ابريدان:
جفا مول المَمْشُوط أكداس
إن كان رسم
السِّمّ مْداوته بِالسِّمّ

وهو مَقْطَعٌ من قَصِيدَتِهِ التي يَقُولُ مطلعُهَا:
الخاطر خاطر جال احكم
ازويل خطم
علينا خَطَّرْ نَاسْ اقدم

ويتجلَّى التَّشْبِيهُ الضِّمْنِيُّ في الشِّتَّاوَةِ التَّاليَةِ أيضًا:
سفيت على النِّيران رديم جديد مْنَسِّيني القديم
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ أَطْفَأَ نِيرَانَ الْهَوَى الْقَدِيمِ بِحَبِيبٍ جَدِيدٍ اسْتَطَاعَ أَنْ يُنْسِيَهَ الْحَبِيبَ الْقَدِيمَ، وَالشَّاعِرُ لم يَقُلْ ذَلِكَ صَرَاحَةً لَكنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا يَقْصُدُهُ ضِمْنِيًّا في أنابيش مَعَانِيهِ.
صَار فْرَاقْ وْصَارْ مْلاقى لوعة عَ اللَّوْعَة حَرَّاقَةْ.
وفي الصَّدَدِ نَفْسِهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ منصفُ الطرشاني:
اجْمَام الخاطر يومْ الشَّيْل
بْغِيظ يْهيل
بَتَاتْ جمل رجعةْ في الشَّيْل

والشَّاعِرُ يُشْيِرُ إلى قصيدَةِ الشَّاعِرِ الكبيرِ المرحومِ حسن لقطع الشَّهِيرَةِ التي يقولُ مطلعُهَا:
جملها رجعة يوم الشَّيلْ
بَتَاتَهْ هَيْلْ
مُعَبَّا مِ الغَارِبْ لِلذَّيْل

فَنَفْسُ الشَّاعِرِ مَلِيئَةٌ بالأَسْى يُومَ فِرَاقِ أَحبَّتِهِ، وَهْوَ بِامْتِلائِهِ حُزْنًا يُشْبِهُ – تمامًا – امْتِلاءَ ذَلِكَ الهوْدَجِ الِّذِي زُفَّتْ عليهِ ( رجعة ) محبوبَةُ الشَّاعِرِ حَسَنِ لقطع، فهو مكتظُّ بِالأَثَاثِ (البتات)، مِ الغارب إلى الذيل. أي من رَأسِ الجملِ إلى ذيلِهِ. وفي ذِكْرِ الشَّاعِرِ منصفِ الطرشاني لهذِهِ الصُّورَةِ المعبِّرَةِ عنِ الامْتِلاءِ وَالاكتظاظِ، تَشْبِيهٌ ضِمْنيٌّ مُوفَّقٌ.
وفي هذه الشِّتَّاوةِ تشبيهٌ ضِمْنِيٌّ مذهلٌ :

عزمي كان طريت أريادي قَشّ وجا في مجرى وادي

كما نلحظُ التَّشْبِيهَ الضِّمْنيَّ في غنَّاوة العلم التي تقولُ:
إِنْ كانْ العزيز نهون جنين هله غيره ما ظنوا.

فَالغنَّاي يُعْلِنُ أنَّهُ لَنْ يَهُونَ حَبِيبَهُ مَهْمَا كَانَتِ الظُّرُوفُ والمؤثِّرَاتُ، فَلَيْسَ لَدِيهِ حَبِيبٌ غَيْرُهُ، وَهْوَ بِالنِّسْبَةِ لَهُ مِثْلُ الْوَلَدِ الَّذِي لَمْ يُنْجِبْ أَهْلُهُ غَيْرَهُ .. لَكِنَّ هَذَا الشَّرْحَ الْمُسْهِبَ، وَالتَّفْصِيلَ الطَّوِيلَ لَمْ يَقُلْ مِنْهُ الْغنَّاي غَيْرَ بِضْعِ كَلِمَاتٍ مُنْجِزَةٍ جَاءَتْ وَافِيَةً كَافِيَةً شَافِيَةً .. أَلَيْسَتْ هَذِهَ هِيَ الْبَلاغَةُ، بَلاَغَةُ الْعَرَبِ التي يُطَابِقُ فِيهَا الْكَلامُ مُقْتَضَى الْحَالِ.!؟

#الهوامش:

(1) الدكتور علي سليمان الساحلي وآخرون، محاضرات في التراث، ص 15 مجلس تنمية الإبداع الثقافي .
( 2 ) الدكتور عبد العزيز عتيق، علم البيان، ص 77.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: