الخميس , ديسمبر 3 2020

أشرف الريس يكتب: رؤية نقدية لفيلم الإنسان يعيش مرة واحدة

بلا شك يا عزيزى القارئ أن الإنسان يعيش مرة واحدة فى حياة واحدة يعتريها الخوف و الطُمأنينة و الإنحراف و الإستقامة و مابين طرفة عين و انتباهتها قد تتبدل تلك الحياة  فتنقلب و تزهر و تزهو و مابين هذا و ذاك يكون سببٌ واحد هو المُحرك الحقيقى لتلك التغيُرات ألا و هو الحُب و الحُب المقصود هو الحُب الروحى الأفلاطونى البعيد عن الشَهوات و هذا ما سنُلاحظه فى هذا الفيلم بعد أن بدل ذلك الحب حياة الدكتورة البائسة إلى تفاؤل و طُمأنينة و بَدَلَ حياة المُعلم المُستهتر من الانحراف إلى الإستقامة فحينما يستشعر المرء ذلك الحُب النقى يُضفى طُمأنينة و بهجة على المُحيطين به و ذلك ما حدث بالفعل مع ذلك المُعلم ( هانى ) الذى نجح فى إقناع ( بكرى ) الهارب من الثأر و الذى قضى حياته هارباً مُتخفياً و لكن الحُب أقتنعه أخيراً بالمواجهة و عدم الخوف و نجح فى استخلاص الجوانب الجيدة من شخصية ذلك الرجل البسيط و عمل على الإرتقاء به و انتشاله من مُستنقع الخوفِ و الرُعبِ و  الجهلِ أيضاً …
الفيلم إنتاج 1981م و  من بطولة عادل إمام و يسرا هذا الثنائى الذى قَدَمَ لنا نفسه منذ طفولتنا على أنه ثنائى لا  يجتمع إلا فى أفلام العيب المُمتلئة بالأحضان و القُبلات ! إلا أن أدائهم و حواراتهم فى هذا الفيلم و غيره كانت بلا شك مُهمة لحياتنا أكثر من فكرة ” العيب ” ذاتها التى لم نستطع الخُروج من سِجنها حتى يومنا الحاضر بجانب أمور ” عيب ” أكبر و أخطر بكثير لا نراها و لا نلقى لها بالاً لها على الإطلاق ! لأننا مازلنا و سنظل نعيش بعقلية المُجتمع الشرقى المُنغلقة أشد الانغلاق …
و كى لا نَتَشَتْتْ ياعزيزى القارئ فإن أداء عادل إمام و الشخصية التى قام بتجسيدها ” هانى” بخفتها و ذكائها و حتى انفعالاتها تجعلك تعترف لهذا الفنان بموهبته العظيمة التى تنقل لك شُعورها كما لو كان كتاباً وصف صوره حية تجسدت و جعلت شعورك يُشبهه تماماً من قوة حُضوره و امتثاله لمَشَاهِدْ أحداث الفيلم …
لقد تمثل جمال هذا الفيلم يا قارئى العزيز فى اختلاف حبكته و بساطتها فى التقاء الأبطال و طريقة انسجامهم المُتسلسل بشكلٍ طبيعىٍ و مُريح كذلك لا نغفل الحوارات و قُدرة الكاتب الكبير ( وحيد حامد ) فى تكوين شخصيات حية مُتكاملة الصفات فى غير البطل و البطلة الرئيسيين و ذلك بعدما دارت أحداث الفيلم فى مكانٍ واحد يحملُ أكثر من قصة و شخصية و كلاً منها على حدا لتلتقى الشخصيات بأمراضها و هواجسها و نظرتها للحياة تحت إطار حبكة واحدة و بظروفٍ واقعية و مُقنعة و مُتناسقة بشكلٍ لا تشعر معه بقفزات إلا فى نهايته و لربما هى السلبية الوحيدة التى أزعجتنى فى الفيلم حيث شعرت بتلك القفزة وقت انقلاب ” أمل ” المُفاجئ على أفكارها بالحياة و قبولها بحُب هانى دون تسلسُل جيد و مُقنع خاصة بعد رفضها الطويل للفكرة ! و هذا ربما نعزوه لانتظار المُشاهد العربى فى ذلك الوقت حتمية النهاية السعيدة و سُرعة حُصولها و بذلك نتفهم عدم تجرؤ الكاتب على تخييب أمل المُشاهد الرومانسى أو المُماطلة به …
غير أن هانى و أمل على غير المُعتاد كانوا شخصيات طبيعية و مُريحة في الفيلم كأستاذ تاريخ تَعَّرَفَ بالصُدفة على طبيبة فى القطار مُتجهين نحو مدينة مُنعزلة و بقى هذا الشاب المجنون بخفته صديقاً لإنسانة تُعانى الكآبة و ترفض العاطفة رغم وحدتها مُتقبلًا رفضها لإعجابه و لعاطفته المُندفعة دوماً نحوها غير أن تقديمه لنفسه كان بشكل بعيد كل البُعد عن الرومانسية المُكررة و التصرُف التقليدى مثل مشهد تعارفهُما أو مَشهد اعترافه بحُبِه لها و انفعاله بعد رفضها كذلك مَشهد إشعاله لسيجارتها حين طلبت منه ولاعة وسط موجات من الهواء تحيل دون فعل ذلك …
كما تَدَخَلَ مع البطل و البطلة شخصيات عديدة تحت ذات الإطار منها شخصية الطبيب الزميل لأمل ” زين العشماوى ” الذي يعتبر علاقته بأمل شكلًا من أشكال التحدى لرجولته المريضة بالعصرية و الواقعية الوقحة كذلك قصة البواب فى المدرسة و نظراته عن الحياة و الخوف و عكس طريقة الحياة فى مدينة مُنعزلة اجتماعياً ككل و كل ماسبق حدث فى الفيلم الذى من وجهة نظرى لو كان بمقدور الكاتب تطويره بعيداً عما ينتظره المُشاهد لفاقت روعته الروعة ذاتها و مع ذلك فقد نجح الفيلم فى إيصال فكرة التغيير بسبب الحُب وسط جو درامى رومانسى يعتريه البساطة و التى تكمُن فى حُسن اختيار المَشَاهِدْ كالبحر الذى ورد كثيراً فى الفيلم ليتناسب مع ذلك الحُب النقى بالإضافة إلى الصحراء و تلك المدينة النائية ( السلوم ) و هم ( المَشَاهِد ) ما أدوا لتمكُن الحُب من إيناس وحشة المُتحابين بالإضافة إلى تعميره لذلك الفراغ بالود و الإستقرار الروحى و هو ما يُحسب للمُخرج الرائع ( سيمون صالح ) و مُدير التصوير المُبدع ( عبد اللطيف فهمى ) و لا يجب أن ننسى أو نتناسى أيضاً الموسيقار الجميل ( د .جمال سلامة ) الذى أضفى بحرفية شديدة موسيقى تصويرية رائعة لهذا الفيلم …
جاءت الملابس مُتسقة مع الشخصيات بالإضافة إلى حُسن اختيار الأدوار مع الشخصيات و الطابع الفلسفى و الآراء الفلسفية التى اتسم بها عادل إمام فى ذلك الفيلم مما أعطاه نكهة مُختلفة قلما وجدت فى الأفلام علاوة أن مُعظم المشاهد تم تصويرها فى النهار و الطبيعة مما أضفى طابعاً رومانسياً على ذلك العمل و لقد عالج هذا العمل بعض القضايا التى كانت مُنتشرة فى ذلك الوقت كقضية الثأر و مساوئها و أثرها فى تشتيت الأسر و خرابها و فى النهاية يعد هذا العمل مُميزاً و يستحق المُشاهدة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.