الأربعاء , نوفمبر 25 2020

أشرف الريس يكتُب عن: ذكرى ميلاد حسن عابدين

هو ” الكوميدى الهادف ” و ” التراجيدى المؤثر ” و ” الفدائى ” المُمثل الكبير و القدير ” حسن محمد عابدين ” الشهير بحسن عابدين و هو الفنان صاحب ” القفاشات ” الكوميدية الراسخة والأدوار الساخرة التى حُفرت فى أذهان الجمهور و الذى يُعدُ من المُمثلين المُخضرمين الذين أدوا كافة الأدوار التى عُرضت عليهم بإمتياز فهو الأب الحنون و الموظف المطحون و الإنسان الطيب و الضابط الشرس و رب العائلة الحازم الذى يُحافظ على القيم و العادات و التقاليد الشرقية التى طالما افتقدتها الأجيال الجديدة و لم تفتقدها فحسب بل باتت تتهكم عليها و تسخر منها و من فاعليها ! و على الرغم أنه أثبت حُضوره و موهبته فى عُمر متقدم لم يستطيع الزمن أن يوقف مسيرته و حقق نجاح و شهرة لم يستطع غيره من شباب جيله أن يحققها حتى كتابة هذه السطور .. ولد عابدين فى 21 / 10 / 1931م بمركز الفشن بمُحافظة بنى سويف من أب ذو اصل سورى و أم ذات أصولٍ تُركية و قد كان لنشئة عابدين الريفية شديد الأثر فى تكوين شخصيته فكان مصرياً وطنياً حتى النُخاع فبمُجرد إندلاع الحرب فى عام 1948م ترك بيته و هجر عائلته و تطوع فى المُقاومة بفلسطين و هرب فى مُراهته و صباه من حُكم بالإعدام و هو دون الـ17 عاماً من عُمرة بعدما قتل جُنديين من الصهاينة ! و قد عشق عابدين التمثيل مُنذُ نعومة آظافره برغم شدة والده الذى كان من كبار أعيان البلد فإضطر أن يُمارس التمثيل سراً دون أن يعرف أحد سوى والدته و حين تم افتضاح أمره عن طريق أحد أبناء عمومته نال الكثير من السباب من والده و تطور الأمر بطرده من المنزل و اضطر عابدين بعد ذلك أن يكذب على والده فعاد للمنزل و أقنعه بعدم عودته مرة أخرى للتمثيل و ظل الأمر على هذا المنوال حتى إفتضح أمره للمرة الثانية فكانت الطردة الثانية و الآخيرة له من المنزل و التى لم يجد عابدين من مفرٍ لها سوى بالتطوع فى الجيش ! و هو فى عُمر الـ21 من عُمره و كانت فاتحة خير له ليُمارس هوايته حيثُ إنضم أثناء التطوع للمسرح العسكرى و كان بصُحبتة آنذاك الفنان ” حسن حُسنى ” ليلعب أول أدواره فى مسرحية تدور أحداثها عن الحملة الفرنسية من تأليف الزعيم الراحل جمال عبد الناصر و قام فيها بدور ” الجنرار الفرنسى كليبر ” .. لم يستطع عابدين إستكمال دراسته الجامعية بسبب حُكم والده الذى خشى بعد أن يلتحق بمعهد التمثيل أن يتبرأ منه تماماً ! فراح يتنقل بين فرق التمثيل التابعة لقصور الثقافة ثُم إنضم إلى أن فرقة ” يوسف وهبى” و قد فرضت عليه ملامحه الوقورة الناضجة الإلتزام بدور الأب فى عز شبابه لكن حِسه الكوميدى أضفى للدور حيوية و الذى كان السبب فى شهرة عابدين فى عمر مُتأخر و حيث قام بعدة أدوار مسرحية و لكن للأسف لم يتم تصويرها فنسيها الناس و تعرف عليه الجمهور للمرة الأولى من خلال مسرحية ” نرجس ” التى لعب فيها دور والد زميلته سهير البابلى و هو فى سن الـ 44 .. بعد أن ترك عابدين الخدمة فى الجيش صار التمثيل هو ميدانه الوحيد فمثل أدواراً مُميزة فى السينما و المسرح إلى أن أصبح مُمثلاً تليفزيونياً مرموقاً و قام ببطولة العشرات من المُسلسلات التليفزيونية الناجحة فى وقتها و من بينها مُسلسل الشهير ” أهلا بالسكان ” و ” أنا و إنت و بابا فى المشمش ” و ” فرصة العمر ” و ” الدُنيا لما تلف ” و ” أرض النفاق ” و ” آه يازمن ” و ” طيور الصيف ” و ” أبنائى الأعزاء شُكراً ” و ” فى حاجة غلط ” و ” هوه و هيه ” و ” بُرج الأكابر ” بالإضافة إلى عمله فى سهرات تليفزيونية مثل ” الثانوية العامة ” و أدوار عديدة و مُتميزة فى مسرحيات رائعة مثل دوره مسرحية ” الرُعب اللذيذ ” و ” عش المجانين ” و دوره فى مسرحية ” على الرصيف ” مع الفنانة سُهير البابلى و صار عابدين بعد ذلك نجماً و صار أيضاً صانعاً للنجوم المسرحية الأول فى مصر في تلك الفترة العملاق المسرحى ” جلال الشرقاوى ” مُنتجاً له و قدم معه العديد من المسرحيات أمثال ” افرض ” و” قسمتى ” و ” على الرصيف ” و ” بلوتيكا “و كذلك قام بأدوار جميلة فى السينما حيثُ قدم فيها ما يزيد عن 15 فيلماً مثل ” الشيطان امرأة ” و ” على من نطلق الرصاص ” و ” سنة أولى حُب ” و ” العذاب فوق شفاه تبتسم ” و ” عيب يا لولو ” و ” بريئ فى المشنقة ” و ” مملكة الهلوسة ” و بالرغم من ذلك فلم يكن عابدين يعتبر السينما أبداً معركته الخاصة مُنذُ أن ترك فيلم ” درب الهوى ” تحديداً طعنة فى روح الفنان الذى خدعه المُخرج حُسام الدين مصطفى ( كما صرح فى برنامج تليفزيونى ) و حذف الكثير من مشاهد الفيلم ليُقدم الشخصية كما يُريدها و ليس كما كانت مكتوبة فى السيناريو و قدمها حسن عابدين لدرجة أنه رفض بعد ذلك مُشاهدة الفيلم فى أى محل تأجير شرائط فيديو و كان يكسر أى شريط لهذا الفيلم و يعوض صاحبه ! ( كما صرح نجله خالد فى أحد البرامج التليفزيونية ) و قد تهافتت شركات الدعاية و الإعلان على عابدين بعد الشُهرة الكبيرة التى حققها حتى وقع سلسلة إعلانات لإحدى شركات المياه الغازية ” شوِبس ” و التى حققت نجاحاً غير مسبوق و رفعت من مبيعات الشركة لكن فى المُقابل واجه عابدين هُجوماً شرساً من قِبل النُقاد و كان يرّدّ عليهم بأنه مُمثل و يتعامل مع الإعلانات كما يتعامل مع أى دور تمثيلى آخر هذا بالإضافة للعائد المالى الذى يتحصل عليه منها و الذى يساوى أجر فيلمين كاملين أو أجر مُسلسل كامل من مُسلسلاته و رُبما يزيد ! و لكن زاد النقد له حتى شبهَهُ أحد النُقاد ذات يومٍ فى جريدة الأهرام بالأراجوز ! مما أدخله فى حالة من الاكتئاب الشديد و دفعه لرفض تقديم أى إعلانات فيما بعد على الرغم من المُغريات المادية التى عُرضت عليه و وفقا لرواية أبنه الأصغر ” خالد ” فى إحدى البرامج التليفزيونية فقد واجه عابدين موقفاً مُحرجاً أثناء أدائه لمناسك العُمرة حيث طلب منه أحد حُراس قبر الرسول الإبتعاد عن القبر حتى لا يُنجسُه ! لأنه مُمثل ! و التمثيل يُعد من شر المُوبقات ! و نصحة بأن يعود كما أتى لأن اللهُ لن يقبل حَجُه ! و من هنا قرر عابدين الإعتزال و كان وقتها يُمثل مسرحية ” عش المجانين ” لكن تدخل أحد أصدقائه فى الوقت المُناسب و آشار عليه بزيارة أحد الشيوخ وقتها ” الشيخ الشعراوى ” الذى أكد له الأخير بأن هذا الكلام فارغ و لا أساس شرعى له لأن إمتهان الفن لاتُلتصق الحُرمانية به إلا إذا كان مُسفاً و مُثيراً للغرائز و من بعدها قرر عابدين الإستمرار فى الفن طالما يُقدم أعمالاً ناجحة بعيدة عن الإبتذال و بالفعل سار عابدين على هذه النصيحة حتى بعدما أصيب بسرطان الدم الذى ظل يتعالج منه لمّدة 9 سنوات كاملة دون توقف عن الفن فكان يخرج من المشفى العلاجى و يتوجه فوراً إلى الإستوديو ليُمارس عمله و ظل كذلك حتى حانت لحظة النهاية و لقطة إسدال الستار عن هذا الفنان المُبدع فى 5 / 11 / 1989م حيثُ رحل عابدين عن عُمرٍ يُناهز الـ 58 عام بعد صراع طويل مع المرض الذى لم يستطع سلب ابتسامته حتى أخر يوم من عُمره و قد مات دون أن يتصالح مُطلقاً مع السينما و لكن الأخيرة هى من قررت أن تُصالحه للمرة الأولى بجائزة مهرجان القاهرة السينمائى الدولى بعد وفاته عن فيلم ” عنبر الموت ” و التى إستلمها نجلة خالد .. رحم الله حسن عابدين و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: