الثلاثاء , ديسمبر 1 2020

لها حق الصدارة بقلم الأديبة السورية توفيقة خضور

لها حقّ الصدارة
مقالة قصصية
أنا بطبعي متفائلة وفنانة في التحايل على الحياة لأبقى على قيد الابتسام، ولأبقي أفراد أسرتي ضمن المدى المجدي للبقاء.. لذلك تراني منذ الصباح الباكر أعتذر من دفتري (رفيق صباحاتي) فيما سلف، أضعه على الرفّ محملاً بوعود خضراء وأيام وصال لا فرقة ولا هجران بعدها، أتجاهل نظرته المنكسرة التي تقول لي بطريقة جدّ مباشرة: (كتييير صدقتك..) وأهرع إلى ميزانية المنزل التي صرفتُ أجمل أيام الشهر في رسمها، أقرأ تاريخ اليوم ومخصصاته.. حسناً كيلو غرام واحد من البطاطا، وآخر من البندورة، وعليّ أن أبتكر منهما سفرة محترمة كي لا أخسر لقبي الذي أحبه (ست بيت ممتازة) حبة بطاطا مقلية، وحبة مسلوقة أزينها برشة بقدونس ونعنع وبصل أخضر مع قطرات من زيت الزيتون، والباقي أطبخه مع نصف كيلو بندورة لتسهيل عملية الابتلاع، أرأيتم أني مدبّرة..؟ فقد وفرت نصف كيلو بندورة لطبخة الغد.. غادرت المطبخ مزهوة بإنجازاتي، ومن فرط فرحتي وزهوي ضرب كتفي المتعالي الرفّ الذي ركنت عليه دفتري مذ بدأت هذه المسرحية العبثية باستعراض دمامتها على مسرح حياتنا، ووقع الدفتر على الأرض أمام حذائي، كدتُ أمزقه، وأشويه بنار قهري كما تفعل الأم عندما يتعثر صغيرها ويدمي ساقه، فتراها تضربه لإيذائه نفسه، ثم تحضنه بكل شراسة الحنان وتبكي دماً وأسفاً.. نظرتُ إليه وغيوم القهر تتراكض في رأسي وقلبي ووجداني، وأمامه ركعتُ بخشوع المعنّى، فإذا به يقفز إلى حضني، يتعمشق بعنقي، ويوشوشني: (اشتقت إليكِ..)
بكيتُ وبكى، وكدت أعده بديمومة الوصال بيننا عندما هبّت ريح قوية فتحت النافذة العتيقة، وشلعت ميزانية البيت وخطته الاقتصادية الشهرية عن الجدار وصفعت بها وجهي، فسقط الدفتر أرضاً معفراً بخيبته، بينما أمسكتُ الخطة بكلتا يديّ، لثمتها راجية مسترضية، ثم.. في صدر البيت علّقتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: