الجمعة , نوفمبر 27 2020

قراءة في المجموعة القصصية: (زوجةُ تنينٍ أخضر) لروعة سنبل: قَصٌّ مختلف، وارتشافٌ روحيٌّ للنصوص

نجيب كيّالي

أحاول أن أكونَ خشناً حين أقرأ كتاباً مدحَهُ المادحون، وفي نيتي أن أكتبَ عنه، وأعني بالخشونة: الحيادَ العلميَّ الجاف الذي أستحضرُهُ من خلال صنعةِ المعلم التي أمضيتُ فيها عدةَ عقود. هدفُ تلك الخشونة أن أُكوِّنَ رأيي الخاص بعيداً عن استحسانات الآخرين، لكنَّ هذه المجموعة أطاحت بخشونتي منذ البداية، وحوَّلتني إلى مستمعٍ مأخوذِ الحواس يتلقى القصصَ الواردة بطريقةِ الإرتشاف الروحي، مع الارتشاف تخرجُ من الفم أحياناً جملة: أممم. الله! لكنني- رغم هذا الإعلان المبكر عن إعجابي- لن تكونَ هذه القراءةُ أغنيةَ مديح أو دفقةَ تصفيقٍ ساخن، فأنا سأقوم بالعرض، والتحليل، وأسجل طائفةً من الملاحظات أيضاً.

ما قبل النصوص:

ثمَّةَ ثلاثُ عتبات وضعَتْها القاصة قبل نصوصها لم تكن مجانيةً أبداً:

في الأولى: تشير إلى صيادينِ أبيضَ وأسود، واحد يراقب، والآخر يطلق السهام- هذه العتبة مقتطَف صغير من رسول حمزاتوف.

في العتبة الثانية: تشير إلى سطوةِ الألوان، فثمَّةَ لونٌ يُلاحِق، ولونٌ يتغلغل في الخوف- هذه العتبة مقتطَف من ريكاردو رييس.

في العتبة الثالثة: وهي من صياغتها تقول: إنها تحاول خداعَ الصيادينِ من خلال تبديل موقعيهما، لعلهما يرتبكان، وتلهو هي في فسحة من الوقت!

هذه العتبات مفتاحٌ هام جداً، أو مدخَلٌ ممتاز لنصوص من نوع خاص.. فمنذ البداية ترتسم أمامنا الحياةُ في صورة غابةٍ خطرة، فيها صيادان يتربصان لا صيادٌ واحد، وقبلَ سقوط الضحية بسهم هناك مسافةُ لهوٍ صغيرة هي العمر! وحين نقرأ نكتشف أنَّ سطوة الألوان التي أشارت إليها كانت بالغةَ الأهمية في الإيماء إلى محتوى المجموعة، فالكاتبة تقوم بتقسيم نصوصها إلى أحواضٍ لونية: أسود- أحمر- أخضر- أزرق- أبيض، حديقةُ الألوانِ هذه توصلنا كلُّها إلى عاصمةِ الوجع، وهي قلوبنا الذبيحة بالفجائع في هذا العصر المأزوم.

مقاربة المضمون:

ما نكاد نقرأ قصةً أو قصتين من هذه المجموعة حتى نشعرَ بالخصوصية العالية لهذه القصص، فمعَ القراءة نحسُّ بموجةِ دفءٍ تلفُّ أرواحَنا، ونجد أنَّ الكاتبة تتحالفُ مع داخل الإنسان الجريح، وتستبدلُ بالقص الخارجي قصَّاً داخلياً، كأنَّ قلباً خرجَ من صدر صاحبه، وجلس ليتولَّى مهمةَ الحكواتي!

في المجموعة شجرةُ حكايات، هي شجرةُ عذابنا في عصرنا الجائر، وبلادنا المذبوحة. عدد القصص لم يكن كبيراً، فقد بلغ ثمانيةَ عشرَ نصاً، موضوعاتها متشعبة من ذلك مثلاً:

* بهدوءٍ خلفَ قطَّته (فظائع الحرب).

* مطر لطقس لاهب (تضييقُ الخناقِ على الأقلام)

* حكاية رجل سعيد (الحرب تطحن البسطاء)

* علاء الدين وامرأة تحلم (العلاقة مع سِحر الحكايات)

* زوجةُ تنينٍ أخضر (حين تضيع أحلامنا الكبيرة يهنئنا الناسُ بغباء)

* يا جدِّي (العلاقة الدافئة مع الجدِّ والشامِ التي عاش فيها)

* ماء وملح (أوجاعُ الهجرة والغرقِ في البحار)

* فيسبوك للموتى (محاولةُ استكشافٍ للموت ومآلاته)

* ترحلين عنكِ (الأنوثة المُهدَّدة بالمَحْل)

لنأخذ نموذجاً (بهدوءٍ خلفَ قطَّته): تقدِّمُ لنا هذه القصة صورةً من بشاعة الحرب التي اقترنتْ بالحصار في كثيرٍ من الأماكن، فثمَّةَ صبيٌّ يلهو مع حصانه/ الحصانُ مجرد غصنٍ عارٍ، وحين يأخذهُ الحصان بعيداً يشعر بالخوف، لكنَّ قطته السوداء تدلُّه على البيت، فالقطط ماهراتٌ في العثور على الطرقات، والعلاقة بينه وبين القطة في غاية العمق، والجمال فحتى الكراتُ الزجاجية التي يلعب بها يفضِّل منها ذاتَ اللون الأخضر.. لونِ عينيها، وذاتَ نهار حين يشتدُّ الجوع أياماً عديدة تُقدِّم الأم لحماً مطهواً للأسرة، فيعلم الصبيُّ لاحقاً أنه أكلَ قطته! هذه الوخزة المروِّعة تليها وخزةٌ أخرى أشدُّ منها، فعندما يموت الصغير بقذيفة تناديه القطة بصوت أخيه حمُّودة الذي سبقه إلى الموت، تسير أمامه في عالم أبيض، وهو كالعادة يمشي بهدوءٍ خلف قطته!

نموذج آخر: (ترحلين عنكِ) تفاجئنا هنا حوادثُ فانتازية، لكنها تنطوي على إشاراتٍ واقعية بالغةِ الأثر، فالمرأةُ الأربعينية ذاتُ فاكهةِ الجسد الآيلةِ للذبول يحدث لها أمرٌ غريب، فبينما هي تغتسل في حوض حمَّامها يسقط من جسدها شيءٌ كبير محدثاً صوت: (طرشششششط)! لم يكن ذلك الشيءُ غيرَ ثديها! تخرج من الحمَّام ملطِّخةً البلاطَ بطبعاتٍ من الصابون، وأمام المرآة تحاول إعادةَ الشيءِ إلى مكانه، إلا أنَّ أعضاءَها الأنثوية الأخرى تتابعُ السقوطَ في أيام تالية!

نلاحظ أننا في القصتين السابقتين أمامَ عددٍ من اللوحات المبهرة.. لوحاتٍ تنطق، وتُقدم لنا مزيجاً من فن القص، والرسم، والمسرح، تداخُلُ الفنون هذا يزيد الجاذبية، ويضاعف التأثير، ومن اللافت أنَّ صاحبة القصص لم تغرق في موضوعات الأدب النسوي التي باتت نغمةً رتيبة كالظلم الاجتماعي الواقع على الإناث، وعدمِ التكافؤ بينهن وبين الذَّكَر في المزايا، وتصوير العفنِ في الحياة الزوجية، ومشاكلِ الحب، لكنَّ أطيافاً من تلك الموضوعات حضرتْ، فإذا بالقاصة تقدِّمها في إهاب جديدٍ مدهش، من ذلك مثلاً موضوعُ الغيرة النسائية في قصتها: (هُوَ هُوَ)، فأمامنا في النص امرأةٌ استحالت الحياةُ بينها وبين أليفها، فانتقلتْ إلى فضاءِ حياةٍ أخرى، وهناك صارت وردةً تبرعمتْ، ثمَّ اكتملتْ، ولما وقعتْ عينه عليها أعجبته، فقطفها، لكنَّ الحريقَ يبدأ عندما يلتقي بالأخرى التي اختارها، ولم تكن أجملَ من الأولى ولا أرقَّ! والأسوأ أنه يُقدِّم لها الوردة لتشكلها خلف أذنها! هنا تستعمل الوردةُ شوكتها لتخز منافستَها خلف الأذن مباشرة! وتتوعد رَجُلَها بأنها في فضاء حياة جديدة قادمة ستختار أن تكون نحلةً لتخزه من غمازة خده تلك التي أعجبتْ محبوبتَه الجديدة!

مقاربة الشخصيات:

سلَّطت القصصُ الضوءَ على شخصياتٍ كثيرة مهملة أو خائفة أو منكسرة أو محرومة من الحب أو مأخوذة بشغف الحكايات القديمة، وكانت الكاتبة تهتمُّ بالملامح الداخلية لشخصياتها، فتعطينا خرائطَ لقلوبها، وأوجاعها، من ذلك شخصية الصبيّ المفتونِ بقطته الذي تحدثتُ عنه سابقاً، وشخصيةُ المرأة التي يهاجمها خريفُ العمر، فتتساط أعضاؤها الأنثوية، لكنَّ من الطريف أنَّ روعة سنبل تصنع لنا شخصياتٍ أخرى هي مزيحٌ من الواقع والخيال، لكنها عظيمةُ التأثير علينا، ففي قصتها: (جدائل) تطالعنا شخصيةٌ مصابةٌ بمرض غريب هو: متلازمةُ صنعِ الجدائل! وضافرةُ الجدائل تلك تلاحقُ بطلةَ القصة لتضفر لها جدائلها، ربما بانتظار فارسِ أحلامٍ مُرتقَب، لكنَّ الفارسَ لا يأتي في زمن الحرب الذي قطع الطريقَ على الأحلام والحب!

وفي قصة (علاء الدين وامرأة تحلم) نجد شخصيةَ سيدةٍ طريفةٍ للغاية مغرمةٍ بحكايات ألف ليلة، تتابع حتى بعضَ شخصياتها التي أخذتْ تظهر في عالم: ديزني، والأطرفُ منها شخصيةُ علاء الدين الذي يخرج لها في صورة قزم بعد أن طردته حبيبته ياسمين من حياتها، ورمى به جنيٌّ داخلَ قرنِ فليفلة!

إلى جانب ما سبق شخصياتٌ عديدة أخرى القاسمُ المشترك بينها الطرافة، والجمالُ الحزين، مع حمولةٍ من دلالاتِ واقعنا المتعثر:

* شخصيةُ بواب المدرسة الذي يبعث رسالةً لجهةٍ مجهولة لتأمين مخدِّر لأعصابه المحترقة بعذابات الحرب!

* شخصيةُ المرأة التي تتواصل مع الموتى من خلال فيسبوك ميتافيزيقي عجيب!

* شخصيةُ طفل وليد ملَّ من الأحاديث المكرَّرة من حوله، ومن روائح الحرب المنتشرة، وبات يتمنى- رغم عمره الصغير- أن يحيا بعيداً عن هذا البلد!

* شخصية المرأة التي تغطِّي رأسَها بدلو تخلصاً من مرارات الحياة مصغيةً إلى نصيحةِ الكاتب البرتغالي: (فرناندو بيسوا).

مقاربة الأسلوب:

عند الحديث عن المضمون أشرتُ بصورة عفوية إلى بعض خصائص البناء القصصي الأسلوبي عند هذه الأديبة، فالقلبُ عندها هو الراوي، والقصُّ يأتي من الداخل، وأزعمُ أنَّ هذا هو ما نحتاجه حقاً في القصة وفي أدبنا عامةً، فقلوبنا المنفردة بأحزانها متعطشةٌ إلى من يلتفتُ لها، ويروي همومَها بلغةٍ هامسة أو أقربَ إلى الهمس أو فيروزية أو مُعَنْدِلة دونَ ضجيج، كما وجدنا في هذه القصص.

وأستطيع أن أقول: إنَّ البلغاء إذا كانت لهم لغةٌ جهورية سمراءُ البشرة، ذاتُ ملامح صحراوية أو قاسية، فإنَّ اللغة في هذه القصص شقراءُ ناعمةٌ لطيفة تخرج من قاموس المشاعر قبل أن تخرج من (لسان العرب) أو (تاج العروس)، وغيرهما.

من جملها الدافئة على لسان امرأةٍ تقوم بجدلِ الضفائر: (إن لم تجربي نشوةَ أن يجدلَ شَعركِ المبتلَّ رجلٌ تحبينه، فأنتِ لم تعرفي الحبَّ بعد)(1)

جمل أخرى تنقل من خلالها حديثَ امرأة تستعمل الفيسبوك مع الموتى، تقول مخاطبةً أحدَهم: (مساء الخير أو صباح الخير، لا أعرف بالضبط فرقَ التوقيت بيننا، المهم أنني أتمنى أن تكونَ بخير. قد يبدو مضحكاً أن أقول هذا لضحية انفجار، لكنني أعتقد أنه يمكنُ لروح المرء أن تظلَّ بخير حتى لو صار جسده أشلاء. أعرف أنك ستقرأ الرسالة، أفترض- بما يشبه اليقين- أنكم الموتى تتصفحون الفيسبوك أيضاً، لكنكم محرومون من وضع الإعجاب)(2)

أحبُّ أن أشير- فضلاً عمَّا ما تقدَّمَ- إلى أمرين:

الأول: أنَّ صاحبةَ القصص ظهرتْ لديها عنايةٌ بالتفاصيل كاشفةً بذلك عن طبيعةِ الأنثى وعينِها البصيرة، من الشواهد على هذا الجانب إشارتُها إلى الجذور السوداء لشَعر الصبيَّة الأشقر التي اختارها الرجل بديلاً عن حبيبته القديمة في قصة (هُوَهُوَ)، ومن هذا أيضاً وصفُها الدقيق لتقميط الوليد بلفافةٍ تُثبِّتُ ذراعيه إلى الجانبين، وتحرمه من متعة الحركة! في قصة (بعيداً عن هذا البلد).

الأمر الثاني: أنَّ اللغة السردية للقصص امتزج بها أحياناً رافدٌ من لغة الحكايات الطفولية: (كانت وحيدتي شقراء الشَّعر، ورديَّة البشرة تحلمُ بأن تكونَ حوريةَ بحر)(3)

ملاحظات:

1- كان التوصيل ممتازاً في معظم القصص باستثناءِ نصوصٍ قليلة في قسم (أخضر) بدتْ مُربِكةً بعضَ الشيء تحتاج إلى تركيز دقيق للحصول على ثمرتها.

2- لم يكن التعليل كافياً لانعطافِ مجرى الأحداث أو تبدلِّها في بعض القصص، مثلما نجد في قصة (تنين أخضر)، فالتنينُ الرائع تخسره المرأة، وترى نفسَها عند زوجٍ آخر مختلف لسبب لا نفهمه جيداً، تقول: (ولأنَّ الله لا يستجيب أحياناً لدعاء الزوجات يبدو هذا كلُّه بعيداً)!

3- ظهرَ إسهابٌ محدود في بعض النصوص، كان من الممكن الاستغناءُ عنه، نموذجُ ذلك القصة المعنونة بـ(بعيداً عن هذا البلد).

4- بعضُ الرموز لم يكن موفقاً- كما أرى- فالتنينُ مخلوقٌ خرافيٌّ مرعب استعملتَهُ الكاتبة رمزاً للعاشقِ الرائع أو حُلمِ الذات البالغِ الخصوبة!

كلمة أخيرة:

رغم الملاحظات السابقة تبدو هذه المجموعةُ قادمةً نحونا بقصٍّ ذي طعم مختلف، بعطرٍ له هويةٌ خاصة، إنها جزءٌ من طائفة أصواتٍ جديدة أو شابة في دنيا القصة السورية والعربية، أصواتٍ قليلةِ العدد، لكنها تفتح طريقاً لمقاربة جراحنا العميقة كالوديان! العاويةِ كالذئاب! داخلَ صدورنا في هذه المنطقة المنكوبةِ من العالم.. منطقتنا العربية.

والقاصةُ- بالرغم من وصولها إلى مخاضة جراحنا النازفة- تنثر جمالاً ودوداً من فنها، فإذا بنا نشاهد أنفسَنا من جديد فوقَ شاشةٍ شفافة، فنصبح نحن مناديلَ لدموعنا، ويداً حنوناً تطبطبُ على أكتافنا.

*****

  • زوجة تنين أخضر، وحكاياتٌ ملوَّنة أخرى-

150 صفحة- مجموعة قصصية

صادرة عن (الآن ناشرون وموزعون)- الأردن 2019

الإشارات:

  • زوجة تنين أخضر- قصة: جدائل.
  • المصدر نفسه- قصة: فيسبوك للموتى.
  • المصدر نفسه- قصة: ملح وماء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: