الثلاثاء , ديسمبر 1 2020

الأمير الذي علمنا الفهلوة/ مقال بقلم الكاتب محمود محمد زيتون

… الأمير الذي علمنا الفهلوة…
مقال
عندما أراد المفكر والفيلسوف الإيطالي «ميكافيلي» (١٤٦٩- ١٥٢٧) أن يتقرب للحاكم الجديد «لورينزو» ويقدم له نصائح في حكم البلاد ، وكيفية التعامل مع شعبه ، كتب له كتاب «الأمير».
ومن سخريات القدر أن هذا الكتاب لم يصدر إلا بعد وفاة مؤلفه بخمس سنوات في عام (١٥٣٢) من القرن السادس عشر إبان عصر النهضة الأوربي. !
كتاب صغير أصبح منذ ظهوره مثار جدل كبير بين علماء الاجتماع والأخلاق و ببن الساسة والحكام ، ومادة ضرورية لدراسة علم السياسة في عصر النهضة. وقد اعتبره علماء الأخلاق في أوروبا وخاصة فرنسا وبريطانيا، من أسوأ وأقبح كتب التاريخ وانتقده الكثيرون واعتبروه تحريضٱ على قهر الشعوب.!
ويقال أن «موسوليني» كان لا ينام حتى يقرأ كتاب «الأمير» وأن هتلر ونابليون كانا يعتبرانه مرجعٱ لسياستهما.!
فالكتاب يقدم نظرات في الحكم والإمارة ، ويجيب عن أسئلة لطالما شغلت بال الحكام عن السلطة وأنواعها ، وكيف يملك الحاكم شعبه.!
ويقال أيضٱ أن ميكافيلى تأثر بكتاب «كليلة ودمنة» لابن المقفع ، وكتاب مقدمة ابن خلدون خلال تأليفه لكتاب الأمير.!
ومنذ ذلك الوقت أصبحت الميكافيلية تعبيرٱ عن مذهب فكري وفلسفي وسياسي يمكن تلخيصه في عبارة :
« الغاية تبرر الوسيلة».!
وصارت «الفهلوة» في حياتنا المعاصرة مرادفٱ عصريٱ للميكافيلية. وصرنا نصف الشخص الذي يوسم بذلك المذهب بالفهلوي.!
وصارت الفهلوة نوعٱ من الثقافة العصرية.!
ومن مظاهرها الإدعاء بالعلم والمعرفة، واستغلال الحيلة والدهاء للحصول على مكاسب مادية ، أو امتيازات وظيفية دون وجه حق.
وهي تعني أيضٱ ادعاء قدرات وإمكانات غير حقيقية، لتحقيق أهداف غير مشروعة.. فالفهلوي هو الشخص واسع الحيلة الذي يفتقد إلي القدرات العلمية والكفاءة المهنية. ويقال أن أصل الكلمة جاءت من كلمة «بهلوي» الفارسية أو من كلمة «بهلوان» وهو الاسم الذي يطلق على مهرج السيرك.!
لقد أصبحت الفهلوة سلوكٱ ومذهبٱ مجتمعيٱ يعني في أبسط صوره أن أعمل أقل مما يجب ؛ لأحصل على أكثر مما أستحق.!
وصارت الفهلوة ثقافة راسخة في عقولنا ووجداننا. فكلنا عالم في الطب، يشخص ويصف الدواء.. وخبير في التربية.. وفقيه يصدر الفتوى.. ومناظر في السياسة.. وحجة في الاقتصاد.. وأديب يناطح العميد.!
ومن جميل ما يرويه الأدب العربي ، أن ملكٱ أراد أن يسخر من جحا ، فقال له :
هل تستطيع أن تعلم حماري القراءة والكتابة.؟
فأجاب جحا: نعم أستطيع على أن تمهلني عشرين عامٱ.
فوافق الملك على التحدي، وقرر أن يصرف له راتبٱ في هذه المدة.
فلما خرج جحا ، اقترب منه أحد الأصدقاء ، وقال له :
يا أحمق، كيف توافق على هذه المهمة؟
فقال جحا:
في هذه السنوات..
إما أن أموت..
أو يموت الملك..
أو يموت الحمار.!
فمن منا الأحمق يا ذكي.؟!
بقلمي
الكاتب: محمود محمد زيتون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: