الأربعاء , مايو 12 2021

بائع الورد….قصيده للشاعرممدوح تايب درويش

بائع الورد وانا على المقهى
مر أمامي
ثقبني بنظرة شك
أعجبني عقد الفل ، فطبقت الجنيه بيدي
لم يبع لي ، وباع للسائح عقدي
سألت وجه السحابة المقطب الحاجبين
وأنا أدفع عن ذراعي ثقل الحقيبة :
– ماذا فعلت كي أنسى أيتها السحابة ؟
تقول سحابتي المفضلة من بين السحاب :
– هؤلاء اللذين يكدون على رغيف ،
و ثوب ردئ بلا رقعه ،
يعرفون اللذين يبعثرون الحكايات العبثية ،
والقصص المحبوكة ،
والأحلام الرخيصة المزخرفه –
أشعلت سيجارة فانتزعها ظلي
نفث دخاناً بوجهي
ركض – خوفاً من أبي – نحو الجدار واختفى .
العود ،
تقاسيم حزينة عبر المذياع
مبروزة على الجدار القديم
صورة لشهيد العدوان الثلاثي
بالجدار شرخ يمتد من الوتر الشجي
لجبهة الجندي
عزف منفرد وموت منفرد للعجوز ” جدتي ”
كانت معه تشتري الفل من باب الحديد
تشتري الصبر لا تجد غير البكاء
صاحبته سحابة وقمر وأغنية للطمي
وسعف نخلة من الوادي
وحين مات برصاصة على الضفة
صاحبت أبي السحابة الأرمله
سافرت معه
تعفرت بغبار القافله
عرقت تحت شمس المسير المضني .
العام الأول للصقيع قاسٍ
العام الثاني أقل حدةً وغرابة
في العام الثالث تمردت السحابة
من اغتراب النجم الوردي .
تغني ” ورده ”
شريط الكاسيت على الرف هدية عيد
” طوبى للغرباء ،
طوبى للقميص المعفر ،
وصورة طفلي على طرف الطاولة ”
حين تمر على موظف الجمرك ببسمته المزركشة
لا تفرد أكمامك المكرمشة
دعه يفتش الحقيبة ، يبعثر الأشياء
لعله يجد في الجلباب وزجاجة العطر النسوي
ولعبة الفيلم الكرتوني
فرحة سرقتها أو سحابة صاحبتها
تمردت ، فخبئتها في جيب معطفك الجلدي
وحين تدخل البيت ،
سيقصون عليك أحاديث سخيفة
عن درجات الإمتحان ومصروف الشهر
وعقوبات العبث الطفولي
فتظاهر باندهاشة لطيفة
واحتضن طفلك
اغرق بين عينيه ببريقهما البني .
بائع الورد الذي يسير نحو الرصيف
لم يبع لي عقد الفل
فرميت في الصندوق عقد الأسئلة .
تحاصرني في المترو عيون فتاة ” قاهرية ”
والجريدة بين يدي تخبئ الشك ،
والزر المنفلت من قميصي ،
تقول الأخبار
” تشتعل الحرب في الجنوب ،
تشتعل الحرب في الشمال ”
أهرب من العيون العسلية ،
أختبئ قليلاً في ثكنات المشاه ،
أضيق من دخان الحرب ، أتفكك
أتناثر أجزاءاً ، كلها غريب عني
تجمعني الجريدة مجدداً كالفل ، حبات
يسير بي بائع الورد في الطريق
وحين يمر على المقهى ، أريد أن أشتريني
فيرميني بنظرة شك ،
ويبيعني للسائح الأجنبي بخمسة جنيهات
ليعلقني بجوار تمثال الإسكندر الخشبي
يقبض حراسه علي
سجنت ، عوقبت بالصلب
أتهمت بأني جاسوس فارسي
وحينما ثقبوا عيوني ونبشوا القلب
لم يجدوا فيه غير حزني
وبكاءاً من العقاب المدرسي
وحين أهرب في غفلة من جنود الإغريق
أجدني على الإسفلت ، أركض
وطائرات الحلف تضرب القناة
جدي هناك ، وبائع الورد ، والفتاة
وسحابتي المفضلة عقد فل تطارده الطائرات
أصابت جدي رصاصة في القلب
إرتعش أبي ، فسال دمي
ضحك جدي لبائع الورد ، ومات
وحين أسأل سحابتي ، لما تجاهلني
بائع الورد ، وانصرف
تقول والإسكندر يبلغ عني الأمن الوطني :
” أهذا بائع الورد ،
ام السجين الذي بين عينيك
بعدما عذبوه اعترف ”
أقول وفتاتي القاهرية تبكي على الضفة :
بائع الورد مر امامي
لم يبع لي ، وباع عقدي للسائح الأجنبي ……

بائع الورد
ممدوح تايب درويش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: