الثلاثاء , ديسمبر 1 2020

علي الجنابي يكتب : هارونُ الرّشيد في خطابِ مُتَلفَز

أيُّها النّاسُ, إنَّ سيّدَ بغدادَ وسيد الأرضِ:هارونُ الرّشيدِ يتحدّثُ الآن اليكمُ, فألقوا السمعَ ؛
——————————-
بسمِ الله, والحمدُ لله, والصلاةُ والسلامُ على سيّدي رسولِ اللهِ , وبعد:
إخوةَ الإيمانِ:
أنا الهاشميُّ هارونُ الرشيد, وقد تَرَاءَى لمَسمعي أنَّ قَبصَةً من حملةِ الأقلامِ منكمُ مِمّن رَتعوا ويرتعونَ في أدغالِ أرضِ الرومِ, قد قَذفوني بعدَ ألفٍ ونصفٍ من مثلها منَ السنين, بِجنَايةِ نعتي لملكِ الرّومِ ب(كلبِ الرّومِ)! وإنّي إذ أعلنُ براءةَ ذمتي من ذاكَ التجني, ولستُ ملزَماً لإعلانها, لكني ودَدّتُ هاهنا كشفَ سرِّ هذا الوصفِ لكم أجمعين , بعدما نَأت ذواتُكم عمّا هو أصيلٌ, ونَهَت أنفسُكم عما هو نبيلٌ, وإرتأت ضمائرُكم لكلِّ ما هو دخيل.
تعلمون أيُّها النّاسُ – وإنّي لأراكم نسيتموهُ- أنَّهُ في دستورِنا بندٌ ينصُّ أنّهُ ( كيفما تكن يُوَلّ عليك), وإذاً ..
لمّا كانَ مَلِكُ الرّومِ زعيماً لأممٍ نَبَذَت لسانَ بيانٍ لكتابٍ من السّماءِ عزيزٍ ومهيمنٍ وأستَحَبَّت رقصَ إلسنةِ الكلابِ أللاهثة, إذاً , فأولئكُم همُ أممُ الكلابِ اللاهثةِ, ولابد لهُمُ من زعيمٍ من جنسِهُمُ: كلبٌ باسِطٌ ذراعيهِ على دفتي العرشِ يلهثُ, فلا تلوموني – يابني آخر نُطفةٍ للمكانِ وخَطفةٍ للزمانِ – ولاترموني بنبالِ الغطرسة, وسهامِ العجرفة, وأنّي لسيّدكم ذو الهيبةِ والملكوت, وسأرمي عليكم تفصيلَ موجِباتِ الوصفِ, فهاكمُوها مبينَّةً مبَيِّنةً وجَليّةً ومِن عُرفِ مِن سورةِ (الأعراف) في الذكرِ الحكيمِ, فتأدَّبوا وإلزموا غرزَكم, فلا قولَ بعدَ قيلِ الأعراف, تحت عباءة [تعانقِ حوارِ الحضاراتِ], وماكانت الحضاراتُ طرفةَ عينٍ و عبر التاريخ كُلّه متعانقةً متوادعةً, بل متخانقةً متخادعة :
إسمعوا – يا بئسَ سَلَفٍ ويا عاشقين ماء “السين” وباء “برلين” وعوا ..
إنّما مثلُ آياتِ الله وفؤادِ أبنِ آدم, كمثلِ نجمةٍ في سماءٍ وكواكبَ خُنَّسٍ, فترى الفؤادَ إن غَشيَهُ سنا الآياتِ شعَّ نوراً وأضاء صدرَهُ كلَّ آنٍ قَبَسٌ, وإن تَفَلّتَ من أفلاكِها عشا وعشعشَت فيه (نوباتُ لهاثٍ) بلعابٍ بئيسٍ فخنَسَ, فَتراهُ يلَهَثُ لهاثَ الكلبِ !
بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيم:
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث..}.
أفَعَلِمتمُ الآن سِرَّ الوصفِ ل(كلبِ الرومِ) ؟
ألا وإنَّ الأبصارَ لم ولن تُبصِرَ – أبد التاريخ – لوحةً أذلّ من لوحةِ كلبٍ يَلهثُ, ألا وإنّ اللهاثَ هو لُغَةُ الرّجالِ السُذَّجٍ الخُدَّجٍ, بتَذَلّلٍ وتسوّلٍ، ببلاهةٍ وبلادةٍ، نبَصَبٍ وتعَبٍ، بتيهٍ وضياعٍ, لغةٌ حروفُها هي اللهثُ حينَ التأوَّهِ من جوعٍ, وصروفُها هي اللهثُ حينَ التأففِ من شبعٍ، وتراثُها قَذَرَةٌ من لعابِ دناءةٍ, وشهوةٍ مابَرِحَ عن اليمينِ وعنِ الشمالِ سَيّالاً.
ألا وإنَّ لوحةَ الذُلِّ هذهِ قد أُحكِمَت على أمَمٍ مِمّن معكمُ في الأرضِ, ثمَّ فُصِلَتْ عليهمُ تفصيلاً.
أممٌ أوتُوا الآياتِ فانسلخوا مِنها, وأنكَروا دينَ محمدٍ وإستَهجنُوهُ, فَخُتِمَ على جِباهِهم وجنُوبِهم وظهورِهمِ بوسمِ الّلهثِ…
كلُّ فيهمُ يَلهثُ فرداً كانَ أم كان أمّةً , وهلِ الشّعوبُ والقبائلُ إلّا مَجمَعُ أفئدةٍ تعارفتَ فجمّعَتها تجارةٌ عندَ مجمَعَ بحرينِ وزراعةٌ عندَ ضفَتي نَهر.
تلكُم أممٌ خَبَثٌ وهكذا هي نظرةُ أهلِ السّماءِ إليهمُ فلا يُقيمُونَ وزناً لزُخرُف حُدَيداتِ (إيفلَ) وزينةِ حِبالِ (الكولدن كَيْت), وإنَّ أهلَ السّماءِ لَناقِمون عجباً مِمّن ظَنِّ من مهندسيهِم أنَّهم باتوا قادرينَ على الأرض وعن بارئِها مستغنينَ.
أولئكَ همُ الأممُ العَبَث , أممُ كلابٍ لاهثةٍ, وقد جُعِلوا مثلاً لمن كذّبَ اللهَ وكذَّبَ بآياتهِ و{ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }. فَتَفَكَّرُوا يا من وَدَدّتُم غيرَ ذاتِ الشوكةِ أنّها لكم .
إنّهم أممٌ شعثٌ، تراها لاهثةً حينَ تُمسي وفي صُبحها تلهثُ! إن كانت غنيةً ممتلئةَ حواياها تلهثُ، أم مُعدمةً خاويَةَ المعيَّ تلهثُ. أبصارُها تلهثُ إذ هي شاخصةٌ صوبَ شاشةِ بورصةٍ, وإذ هي فاحصةٌ شاشةِ حركةِ طيرانٍ تلهثُ!
أممٌ خَنَثٌ، إن مَلكَت قوةً وخيلاً تراها -رغمَ جبروتها- بلعابِها تلهثُ، وإن دَلكَت في الهوانِ بلعابِ الخنوعِ تلهثُ.
أممٌ رَفَثٌ, في عَرقِها وأرقِها الرّاجفِ وحين تسرقُ تلهثُ، وفي ألقِها وعبقِها الزائفِ وحينَ تبرقُ تلهثُ.
أممٌ كَذّابةٌ بحَنَث , منافقةٌ بِلَوَث, أفّاكة عَبَث, أنكروا الإله وشتموه بالثُلث! ألا بُعداً لهم من أممٍ عَبَث.
ألا وأسفاً لخَلَفٍ من بعدي حدَث, ممن خَشَعَ ساجداً لصامولاتِ (إيفلَ) ولوالبِ (الكولدن كيت) لوهنٍ في ذاتِهِ وضَغث, فجَنَحَ لتقليدِ لهاثِهم فانسلخَ من الآياتِ ومن دستورِ محمد وما إجتهد وما بَحَث , فظلمَ نفسَهُ ولميثاقِ الإلهِ نكثَ, و{سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ}.
أسفي..وقد أنقطعَ التيارُ الكهربائي في دارنا وصمتَ تلفزيوننا عمّا كانَ يبثُّ!
لا ضير فقد قال الرشيد كلمته …
(أيُشْعِلُ نيرانَ التَّطاحُنِ غاشمُ ويَغفل عن نشرِ الحقيقة عالمُ؟
هلمَّ يراعي! ولتكنْ أنتَ شعلة تُضيء سبيلَ الرُّشدِ فالرشدُ ناقمُ
لقد كثر العُمْيُ الذين تهافتوا على أن يشقُّوا النَّهجَ والنَّهجُ قاتم
ولو أنهم أُعطوا الضياءَ تعثروا فما تنفع الأضواءُ واللحظُ نائمُ
وما حظُّهم من ثروة حين حالُهم كحالِ فقيرٍ في يديْه الدراهمُ؟
ولو أنَّهم هبُّوا إلى الخير مرةً مع الحِلْمِ لم تعبث بمصر المظالمُ)- لقائله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: