الأربعاء , نوفمبر 25 2020

نسيم قبها يكتب .. السودان وقطار التقسيم /تطبيع في السراب

السودان وقطار التقسيم
تطبيع في السراب

نسيم قبها

أعلنت الاذاعة الإسرائيلية يوم 22 تشرين أول/اكتوبر أن وفدًا إسرائيليًّا قام بزيارة رسمية إلى الخرطوم يوم الأربعاء 21 تشرين الأول/أكتوبر، وذلك لبحث اللمسات الأخيرة على اتفاق إعلان التطبيع في العلاقات الرسمية بين السودان وإسرائيل. 
ولم يمض يومان على الزيارة حتى أعلن البيت الأبيض أن “الرئيس دونالد ترامب وقّع مرسومًا برفع اسم السودان من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، وأن الخرطوم وتل أبيب اتفقتا -بوساطة أميركية- على تطبيع العلاقات بينهما”. وبدا من هذا التوقيت أنه يخدم كافة الأطراف الموقعة. 
فمن جهة ترمب، فلا شك أنه يبحث عن مزيد من الإنجازات التي يأمل أن ترفع رصيده المتدهور في الانتخابات الأميركية لصالح منافسه الديموقراطي بايدن. أما نتنياهو فيحتاج هو الآخر مزيدًا من الاختراقات للدول العربية لتحسين صورته التي تضررت بتهم الفساد في الداخل، كما يسعى إلى تعزيز موقف الإمارات والبحرين وتشجيع السعودية على التطبيع، فقد أبدى محمد بن سلمان خشية من الإقدام على هذه الخطوة بحسب ما نشر في الصحف الإسرائيلية. وأما الجيش السوداني ورئيس الحكومة عبدالله حمدوك، فهم كباقي الحكام العملاء، يجدون في التطبيع والتحالف مع “إسرائيل” وسيلة للتقرب من أميركا وتمديد بقائهم في الحكم. وقد ربطوا معالجة الوضع الاقتصادي المتفاقم بالاستجابة لمطالب الولايات المتحدة بشأن التعويضات المطلوبة لرفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وإبرام اتفاقية التطبيع؛ وذلك لتبرير خيانتهم أمام الشعب الذي استبد به الفقر بفعل قادته العملاء المتعاقبين على السلطة. 
ومن هنا كان توقيت زيارة الوفد الإسرائيلي إلى الخرطوم بتاريخ 21 تشرين أول/أكتوبر، والإعلان عن اتفاق التطبيع مع خروج المظاهرات الشعبية المطالبة بتوفير الحاجات المعيشية الأساسية مبرمجًا ومقصودًا، مع العلم أن الاتصالات الرسمية بين المسؤولين السودانيين ومنهم محمد عطا مدير المخابرات السابق مع مندوبين عن الخارجية الإسرائيلية قد بدأت منذ سنة 2017، بل وحتى الاتصالات بين “إسرائيل” وحزب الأمة السوداني الذي يتظاهر باعتراضه على التطبيع قد حصلت منذ خمسينيات القرن الماضي. 
وسواء بقي عبد الله حمدوك الشيوعي في رئاسة الحكومة أو تخلصت منه أميركا لاحقًا بعد استهلاكه، فإن حكومته قد أدت دورها الخياني المطلوب، وهو ربط وحدة السودان بعلمانية الدولة بزعم المحافظة على الخصوصية والتنوع الثقافي، بحسب ما نص عليه الاتفاق مع فصائل المعارضة المسلحة، والتأسيس للفدرالية التي تُعد تقسيمًا للسودان بحد ذاتها، حيث تجلى التأسيس لها من خلال لجنة ترسيم الحدود بين الولايات. بالإضافة إلى تعزيز مشروع الحل الإقليمي القائم على التطبيع والتحالف مع “إسرائيل” وفصله عن مسار المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية بحسب صفقة ترمب.
وقد بات واضحاً أن تسوية ملف الإرهاب مع السودان وتعويض ضحايا تفجير سفارتي أميركا في كينيا وتنزانيا التي اتهمت السودان بالوقوف وراءه دون أدلة، وتكفل السعودية أو الإمارات بسداد المبلغ المقدر ب335 مليون دولار، وتواطؤ الحكومة السودانية والجيش على تسويته على هذا النحو المذل، كان يهدف إلى رفع الحرج عن أميركا و”إسرائيل” وشطب السودان من لائحة الإرهاب تمهيدًا لإبرام اتفاق التطبيع، بالإضافة إلى إيهام أهل السودان أنهم يقفون على مفترق طرق تاريخي سيجلب لهم الرفاه، وإظهار رئيس الحكومة وقادة الجيش بالقيادة التاريخية المنقذة للبلاد وهو ما تم التنصيص عليه في بيان البيت الأبيض. 
وعليه، لم يكن تظاهر رئيس الوزراء عبدالله حمدوك بالتردد بشأن التطبيع بذريعة الرجوع إلى البرلمان إلا بالون اختبار لمزاج الشارع السوداني الذي يئن تحت وطأة العِوز وقمع الجيش، الذي لم يتصد لاتفاق التطبيع إلا من أجل حمايته بسلاحه، وإيصال رسالة تهديد لمن تسول له نفسه بالاعتراض عليه. ولا أدل على كذب حكام السودان وتظاهرهم بالتمنُّع مما جاء في بيان المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، مورغان أورتاغوس الذي نشر يوم الخميس 22 تشرين أول/أكتوبر على موقع الوزارة وجاء فيه “إن وزير الخارجية بومبيو يشيد بجهود رئيس الوزراء السوداني حمدوك، لتحسين علاقة بلاده مع إسرائيل وإعرابه عن أمله بأن تستمر”. بالإضافة إلى إعلان وزير الخارجية الأميركي قبل ذلك بيوم واحد عن بدء الولايات المتحدة عملية رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وإن ذلك الأمر “سيتم قريبًا”. 
كما كشف الوزير عن رغبة واشنطن في أن تعترف الخرطوم بـ”إسرائيل” سريعًا، مما يدل على حاجة ترمب الملحة واستعجاله لإعلان تطبيع السودان مع “إسرائيل” قبل الانتخابات. وقد ذكر البيان المشترك أن ترمب والبرهان وحمدوك ونتنياهو تحدثوا اليوم وناقشوا “تقدم السودان التاريخي تجاه الديمقراطية ودفع السلام في المنطقة”. وأكد البيان على: “اتفاق زعماء إسرائيل وأميركا والسودان على بدء علاقات اقتصادية وتجارية مع التركيز مبدئيا على الزراعة”. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: