الأربعاء , نوفمبر 25 2020

أشرف الريس يكتُب عن: ذكرى رحيل محمد عُثمان

هو ” أبو الموسيقى المصرية ” و رائداً عِملاقاً من روادها البارزين ” المُلحن و المُطرب الكبير ” مُحمد عُثمان حسن ” الشهير بمحمد عُثمان ذلك الفنان الرائع الذى تميز بصوته الجميل علاوة على ألحانه العذبة و من حٌسن جمال صوته كانت أدواره التى يُلحنها يغنيها بنفسه و كان مُنافساً قوياً للمُطرب القدير عبده الحامولى ! و قد تميز عُثمان علاوة على عُذوبة صوته بقوة نَبرته ذات الأوكتاف العالى و جودة آدئه إلا أن المرض الذى أصيب به فيما بعد بحنجرته أثر فى أحباله الصوتية و أفقده حلاوة صوته فاتجه بعد ذلك إلى التلحين فقط و تفرغ له فقدم ألحاناً تُعد من بدائع الألحان الغنائية كما يُعدُ عُثمان من أوائل الذين حاولوا تطوير الأغانى العربية باستخدام الأسلوب العلمى و نجحت محاولاتهم لدرجة أنه أصبح من الصعب أن يُضاف إلى ما حققوه شيئ جديد أو جوهرى ! و قد استطاع عُثمان أن يتوصل إلى تراكيب فنية فى أدواره التى لحنها دون أن يصل أحد على الإطلاق إلى مثيلاتها حتى كتابة هذه السُطور ! .. ولد عُثمان فى 14 / 8 / 1854م و كان والده الشيخ عُثمان حسن مدرِّساً فى جامع السُلطان أبى العلاء لتحفيظ القرآن الكريم و قد شغف عُثمان الإبن بالموسيقى مُنذ نُعومة أظافره إذ راح يقلد المُغنين و منشدي الأذكار و ما إن اكتشف والده هذه الموهبة حتى ضمّه إلى تخت ” قصطندى منسى ” فدرس على يده العود و الغناء و بعد وفاة والده انضم إلى تخت ” على الرشيدى الكبير ” إلى أن تعمّق فى فن الغناء و أضحى له لونٌ خاص فى التلحين فكوّن تختاً خاصاً به بلغ من الشهرة ما قارب شهرة عبده الحمولى و يعتبر عثمان من تلاميذ الشيخ ” الشلشلمونى ” و ” محمود الخضراوى ” كما تعلم من الحاج الرافعى و من حسن الجاهلى ( عازف الكمان الشهير ) .. سافر عثمان بعد ذلك إلى الأستانة حيث تعرف على بعض جوانب صناعة الموسيقى فى تركيا و استفاد كثيراً ثُم عاد إلى مصر و بدأ يُلحن إبداعاته و أدخل إلى مصر مقاماً جديداً هو مقام ” الشوق أفزا “و بمُجرد علم عثمان أن اختراعاً حقيقياً ظهر فى أوربا و أمريكا اسمه ” الفونوغراف ” و أن هذا الإختراع قادراً أن يلتقط صوت المُطرب و يٌعيد استماعه مره أخرى ففكر على الفور فى كيفية تسجيل أدواره العظيمة لينقلها إلي المُستمعين على وجهها الفنى الصحيح و يحفظها من الضياع لذلك استدعى تلميذه المطرب الكبير ” عبد الحى حلمى ” و قال له : أوصيك يا عبد الحى إذا جاء اختراع الفونغراف إلى مصر أن تسجل دورين على الأقل من أدوارى و هما ” قدك أميرالأغصان ” و ” قد ما احبك زعلان منك و اختاره القدر ” و جاءت شركات الأسطوانات إلى مصر بعد موت عُثمان بأربعة سنوات فى عام 1904م فنهض عبد الحى للوفاء بالوعد الذى قطعهُ لأستاذه و بادر بالإتصال بشركات الإسطوانات و سَجَّلَ اغلب ادوار الفنان الراحل و ساعده فى هذه المُهمه عازف الكمان ” سامى الشوا ” و الذى كثيراً ما كان يقول ان صوته أعجوبة اما عن ادوار عُثمان الغنائيه فكان دور ” قدك أمير الأغصان ” كان كلامه أقرب إلى الفُصحى لان مؤلفه شاعر فصيح هو إسماعيل صبرى باشا المُلقب فى عصره بشيخ الشعراء و كان أمير الشعراء شوقى يعرض عليه شعره عندما كان فى بداية نشأته الأدبية و قد اختار عثمان لهذا الدور مقام ” البياتى ” و استخدم مُعظم تراكيبه و خلاياه النغمية من جنس ” نهاوند النوى ” و ” كُرد الحسينى ” و مزج بينهما مزجاً رائعاً فى إطار مقام البياتى و كان يعتز بهذا الدور بشكلٍ خاص غير أنه كان يطمح إلى الجديد و الإبتكار فبدأ بتنقيح التُراث و تثبيت أشكاله و إضافة ما يُمكن إليه من إبداعاته و ساعده فى ذلك إمكانياته الصوتية الهائلة و كان الخديوى اسماعيل من المُعجبين بصوته فاصطحبه للغناء فى الآستانة عاصمة الدولة العثمانية فانتهز الفرصة أكثر من السفرية الأولى له للتعرف على الموسيقى التركية و مقاماتها و أشكالها كما سافر إلى البلاد العربية فتعلم نغمات استخدمها فى أدواره الجديدة فأضاف لها مذاقا جديداً و على غير ما توقع فإن النغمات المصرية التى مزجها بها جعلت أدواره ذات مذاق جديد على الأتراك أيضاً فراجت فى تُركيا كما فى مصر علاوة كما نوهنا سلفاً لصوته شديد الجاذبية عظيم التأثير و تعاون معه الشاعر الشيخ محمد الدرويش و قدم الأخير الكثير من اعماله لصديقه عثمان و من اهم ادواره ” ياللى معاك روح الامل ” من مقام البياتى و ” على روحى انا الجانى ” من مقام جهار كاه و ” طول ياليل ” من مقام بياتى و ” حظ الحياه ” و ” بدع الحبيب ” من مقام جهار كاه و قدم له الشاعر اسماعيل صبرى العديد من قصائده و منهم ” لسان الدمع ” من مقام عراق و ” الحب اصله فين ” من مقام بياتى و ” حبيت جميل ” من مقام شورى و ” اعشق الخالص لحبك ” و ” لسان الدمع افصح ” من مقام بيانى و ” حظ الحياه ” و ” كادنى الهوى ” من مقام النهاوند و ” يا ما انت واحشنى ” من مقام حجاز كار و ” اصل الغرام نظرة ” من مقام الراست و ” جددى يا نفس حظك ” و ” فى البعد يا ما ” و ” غنت لطلعته البلابل ” و ” انا أعشق فى زمانى ” و ” عشنا و شفنا سنين ” من مقام دالانشين و التى غناها بمناسبة الثوره العُرابيه و ” قد ما احبك زعلان منك ” و من الموشحات ” اتانى زمانى ” و ” كللى يا سحب ” و ” هات يا ايها الساقى ” و الحق يُقال أن عُثمان قد عاش فى تبارى مع الفنان ” عبده الحامولى ” فى حلبة سباق الإبداع و الإبتكار حتى بلغ هذا التسابُق الفنى ان احدهما لا يرى منقصه بمكانته حين يغنى دور زميله و كان على الساحه أيضاً من المُلحنين آنذاك ” ابراهيم القبانى ” و ” يوسف المنيلاوى ” و ” محمد سالم العجوز ” و غيرهم و قد غنى اعمال عثمان الكثير من الاصوات الغنائية و منهم ” مارى جبران ” و ” سيد درويش ” و ” محمد السبع ” و ” الشيخ احمد ادريس ” و ” اسماعيل شبانه ” و ” ابراهيم حموده ” و ” داود حسنى ” و ” فتحيه احمد ” و ” أجفان الامير ” و ” صباح فخرى ” و ” و سيد مكاوى ” و ” محمد الحلو ” و ” محمد عبد الستار ” و كذا فرق الموسيقى العربية فى دار الاوبرا و أيضا الفرق الخاصه .. تزوج عُثمان من السيدة ” سعدية فرحات ” و أنجبت له نجلين الأول هو ” ابراهيم ” و الذى حافظ على تراث والده بترديده و غنائه أمام ميكرفون الإذاعه و الحفلات اما نجله الثانى فهو الفنان خفيف الظل ” عبد العزيز ” و الذى اشتهر فى الساحة الفنية باسم ” عزيز عثمان صاحب الأغنية الشهيرة ( بطلودة و اسمعودة ) التى تغنى بها فى فيلم ” لعبة الست ” و فى 19 / 12 / 1900م و عن عُمر يناهز الـ 46 عام فقط يُغادر عالمنا الموسيقار العظيم مُحمد عُثمان بعدما ترك لنا تُراثاً زاخراً من الموسيقى و الألحان و الموشحات و الطقاطيق الجميلة التى ستظل خالدة حتى يوم يُبعثون .. رحم الله مُحمد عُثمان رحمة واسعه و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: