الثلاثاء , ديسمبر 1 2020

د. نيفين عبد الجواد تكتب :مولده لم يكن معجزة

لم يكن مولده صلى الله عليه وسلم معجزة، بل كان إيذانًا بتجدد الحياة التي قوامها الحرية والحق والعدل والإخاء والرحمة. وكأن العالم منذ ما يزيد على ربعمائة عام وألف ومع مطلع فجر يوم الثاني عشر من ربيع الأول في عام الفيل أو بعده بقليل (على غالب القول)، لم يعد في حاجة إلى معجزة ميلاد تشخص أمامها الأبصار بقدر ما كان في حاجة ماسَّة إلى بعث حقيقي للروح الإنسانية التي بها سيعود العقل إلى الفهم والتدبر بعد تأمل، فتعود القلوب إلى إبصار الحقيقة كي تفقه ما تم كتمانه وحجبه وتحويره وتزييفه وتغييره وتبديله وإلباسه ثوب الحق وهو باطل، ومن ثم تتمكن من اتباع الطريق الذي فيه الرشاد والفلاح.

ولأنه قد آن الأوان كي تتدبر العقول وتفقه القلوب دون تأثير أية معجزات حسية، فقد كانت الرسالة الخاتمة معجزتها هي الكتاب الذي سيبقى ويدوم وليس الرسول الذي سيعيش كي يُبلِّغ الرسالة ثم يموت. ولأن شأنها شأن كل الرسالات السابقة لها والتي تحوي نفس المضمون الذي هو دعوة الناس جميعًا إلى الإيمان بالله وعدم الشرك به، وإلى الإيمان باليوم الآخر الذي سيقوم فيه الأشهاد كي يسود الحق وينمحي كل باطل من الوجود، فقد كان لابد من أجل حسن استقبال تلك الرسالة من إعمال العقول وإيقاظ الضمائر وتنقية القلوب. وها هي بعثة النبي الخاتم تجيء لإتمام بناء النبوة الذي اتسم كل من ساهم في بنائه بالصدق والأمانة وحسن الخلق، فهل بعد التمام من الممكن أن يكون هناك أية نقصان؟!

وبعد الميلاد وبعد النضج والاستواء كان الحدث الأهم من كل ميلادٍ مُعجز، ألا وهو استقبال الوحي بالكلام المُنزَّل من خالق الموت وخالق الحياة ومنشئ السحاب الثقال ومُنزِّل الغيث بالرحمات بعد القنوط من عودة الحياة. فتكون بذلك معجزة نزول القرآن هي الخلاص الحقيقي من كل وهم وضلال، وتكون آياته المُحكَمات هي النجاة الحقيقية لكل من يريد الحياة. ومن ثم يعود الاهتمام بالكلمة وإعجازها وبتجسيد الإيمان في عمل صالح، فيتوقف الجدل حول بشرية أو ألوهية الرسول مسيحًا كان أم عزيرًا، وبالتالي يعود الاتباع للرسول طلبًا للهداية فيحل محل التقديس والتأليه الذي نتج عنه كل ضلال.

ولذلك فإن المعجزة الحقيقية إلى قيام الساعة هي قدرة الإنسان على استعادة الحياة من جديد، وذلك إذا تمكن من استرداد حريته، فيتجدد بذلك الميلاد الحقيقي للبشرية ببعث الروح في العقول التي تسعى إلى الحرية فتأبى السجود إلا لخالق واحد لا شريك ولا شبيه له بقلوب خاشعة استطاعت أن تتحرر من ذل الهوى وظلمة الشهوات، وبضمائر استيقظت من غفلتها كي تُبصر الحق وتدعو إلى  العدل.

فيا من كان مولده رحمة وهداية للعالمين، ويا من كانت رسالته هي الرحمة، وكانت بعثته من أجل الرحمة، وكانت حياته مثالًا للرحمة، ها قد غاب العقل والعدل عن أمة الرحمة، فهل ستبعث ذكرى مولدك معنى الرحمة في النفوس وبين الناس من جديد؟ وهل مع كل احتفاء بذكراها ستتجدد معاني العدل والحرية والكرامة والعزَّة والحياة في أمة الإسلام؟ أم ما زلنا نحتاج إلى معجزة تتحقق معها الرحمة وتمنحنا الخلاص بعدما فقدنا كل إرادة لنا وكل قوة فينا تدفعنا إلى استرداد معنى الحياة التي يجب علينا أن نقتنصها كاملة بلا تردد؟

هل سنظل مستسلمين وفي انتظار معجزات أخرى تمنحنا الخلاص كي نتأكد من وجود من بيده الملكوت وكي نوقن من نصرته لنا؟ أم سننتبه إلى أنه أرسل إلينا نبي الرحمة بعدما انتهى زمن المعجزات كي لا نتعلق بالمنقذ ومعجزاته الخارقة بل بالمعنى الذي بإمكاننا جميعًا الوصول إليه وتجسيده؟ هل لم ندرك بعد أنه لم يعد أمام الإنسان إلا أن يكون هو نفسه المعجزة الحقيقية في الحياة قبل أن يموت؟ أما آن الأوان كي نستعيد روح الرسالة وروح الحياة وروح الرحمة فيكون لنا ميلاد جديد نبرهن به أهليتنا للاحتفاء بذكرى مولد نبي الرحمة؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: