الثلاثاء , ديسمبر 1 2020

القراءة الانطباعية لقصيدة ” يا صورتي المذكّرة ” للشاعرة وفاء الشوفي ……..بقلم // أحمد اسماعيل /سوريا

عين ثالثة على نون النسوة في نص الشاعرة أ. وفاء الشوفي
نص الشاعرة

يا صورتي المذكّرة :
أنا المرئية حيناً.
أتمظهرُ ك فتنةٍ
عندما
أصبحُ بثرةً
على وجه الأرض
تنزُّ مني الكلمات .. كالصديد.
و عندما أتطهرُ من حزني
أجفُّ كالزبيب.

يا فكرتي المذكّرة .. العاشقة
التي انشقت
عن فكرتي المذكرة .. النابية
يا وجهكَ الذي
لا أستطع لمسه .. كلما اشتقتُ.
يا صوتي المخنوق
يا من ستأتي
هارباً من لطخ الواجبات
دونَ حصانكَ.

أنا اللا مرئية حيناً
نجوتُ
من رماح الأرض
و لم أنجُ من مراياها.
كلّ أثوابي
خاطتها السُترة و البرد
و مزّقتها
تهويمات الذكور.

يا حلمي الهارب
و يا
حبةَ رملٍٍ .. لا تقتِلُ
لكنها تقفُ في مجرى الهواء.

تعرفُ أن تشتهي
و لا تعرفُ كيف تحب.
تكتبُ الكثيرَ
و لا تقول سوى القليل.
أين ساكفكفُ ذاكرتي
و في أيةِ سلةٍ .. سأهملها ؟

أنتَ الحصاةُ التي
أسندت الجرة.
أنا الجرة التي
كسرتها الحصاة.

يا صورتي المؤنثة
في العوراتِ
و في سكين الخلاص.
يا شوراعَ أنكرت حليبها
و يا سقفاً
أقصرَ من شهوة العنق.
سُفحَ دمي .. و لم أمت.
تهاوت قامتي
و ظلّ قلبي واجفاً
أنجو
منَ الطعنات
و لا أجد مسيحيَ
أستقيمُ ..
فتسقطني الجهاتُ
أميلُ
فتجرحني واو الجماعة.

القراءة الانطباعية للنص بقلمي أحمد اسماعيل /سوريا

أن تكون شاعرا/ة هذا يعني أن تملك عدسة مكبرة تلاحظ بها جزيئات الفرح و الحزن و الألم…… بشكل مغاير عن البشر.
و لأنه يمتلك إحساسا مضاعفا يتأثر بالواقع الذي يعتبر مادة دسمة للأدب و الشعر
و الأنثى هي أحد تفصيلات واقعنا العربي
و الشاعرة المبدعة أ. وفاء الشوفي من صلب هذا الواقع لذلك تصدت للنظرة السائدة للأنثى في مجتمعاتنا بطرح الفكرة كشهقة ترفض الاستسلام من خلال الكوميديا السوداء بالاحتجاج على السائد و البديهيات والأفكار التقليدية في المجتمع، وهذه تعتبر نقطة قوة في طرحها لأنها تردم الهوة بينها و بين المتلقي باللعب على وتر الانزياحات الخلاقة التي يحلق معها الخيال و التأمل في فلسفة الشاعرة التي تترجم هذه التناقضات بعطر مدادها و معجمها اللغوي الكبير
الشاعرة بدأت نثريتها بالنداء
و النداء كان لذاتها من خلال صورتها و هنا الحرفية في نسج الصورة من خلال المفارقة و الدهشة….
فهي تقصد صورتها في نظرة نصفها الثاني أو لنقل من يبادلها الحب و الحياة
و هي لا تقصد به حبيبها بل تطرح الفكرة بطريقة جمعية مشيرة إلى ذات كل رجل شرقي
فهنا رصدت الشاعرة الأنثى كما يتقلب بها تطلعات ذلك الفكر الذكوري
لاحظوا البراعة في نسج سحر المشهد
أنا المرئية حينا
أتمظهر ك فتنة
عندما أصبح بثرة
على وجه الأرض
تنز في الكلمات… كالصديد
و عندما أتطهر من حزني
أجف كالزبيب

هنا نلاحظ المعاناة في حياة الأنثى في المقطع من خلال التراكيب
المرئية حينا… أتمظهرك فتنة… أصبح بثرة… كالصديد… أجف كالزبيب
والأفعال المضارعة الحركية كان لها أثرها في رصد الوجع خاصة أنها بضمير الأنا

في المقطع الثاني تصعد الشاعرة سخريتها من واقع الرجل الشرقي من خلال وصفه بالفارس الذي سلبوه حصانه
و الشاعرة هنا تناقش من خلال الومض المكثف الفكرة الخاطئة لمعنى الرجولة و التي هي أبعد بكثير عن فكرة الشارب و الخنجر و السيف المزين لحزام الخصر
الرجل الذي لا تستطيع أن تلمسه كلما هزتها نسائم العشق.
في هذا المقطع تكرر النداء بأشياء تعبر عن الأشياء المفقودة بذات الأنثى الشرقية.، فهي تؤكد أنها تبحث عن ذاتها المفقودة من خلال نداءها
فكرة وجودها… شبح وجهه الذي تلمسه في الحلم… و صوتها الذي يختنق في صمتها الذي تتنفسه الجدران… و حضوره الذي يشبه عدمه و هو ينغمس في حجج الواجبات

في المقطع الثالث ترفع الشاعرة سقف معاناة الأنثى و تسلط الضوء على المجتمع الشرقي الذي ينظر لها بأنها لا تصلح إلا زوجة..
تلك النظرة الناقصة تحرمها من حق ممارسة ذاتها في الدولة و المجتمع جنبا إلى جنب مع الرجل…
والذي لا يوفر بدوره وسيلة ليسجنها بين الجدران و كأنها عائق تقف في مجرى الهواء و بمعنى مجازي عميق يرسمها كأنها العائق في تقدم الحياة…
و حين تكون الأنثى بحجم ذلك الوجع هل تسعفها الذاكرة؟
لاحظوا عمق المشهد حين ترسم الشاعرة الحيرة في ذات الأنثى بقولها
أين سأكفكف ذاكرتي….
وفي أي سلة سأهملها؟

في المقطع الرابع و الأخير
تبدأ الشاعرة بتناص تستخلصه من المثل الشعبي ( الحصاة تسند الجرة )
لكن بحرفيتها وزعت دور الحصاة على الرجل و الجرة عليها بمشهد ساحر هزلي مدهش يقلب معايير المثل بقولها
أنا الجرة التي كسرتها الحصاة
لا تلك الحصاة لا تنظر للجرة إلا كعورة.. و دائما سكين الخلاص حاضر لغسل العار…
و هنا في هذا المقطع تشعل الشاعرة المبدعة إيقاع النص من خلال المقابلات و جعل التضاد مسرحا للدهشة
مثال
سفح دمي… و لم أمت
تهاوت قامتي… و ظل قلبي واجفا
أستقيم… فتسقطني الجهات
و القفلة كانت امتدادا لمسرح التضاد و إيقاعه العالي
فكلما هبت ريح العادات و التقاليد تميل كالسنابل التي تجابه هذا التفكير فيما حولها
وكلما خرجت إلى حجرتها إلى المجتمع تصطدم بسهامه فتجرح حتى تبقى منكسرة و تقمع كل فكرة تصل بها إلى نافذة الحياة

نص يرسم ثورة على واقع المجتمع الذكوري و مدى الجهل الذي يتقوقع به
وروح الأنثى التي ترفض الاستسلام وتسعى بكل ما تملك لتغير هذه النظرة السائدة
نثرية مشاكسة تعانق فضاءات الجمال
من خلال الصورة الحرة الوامضة بإيقاعها و تكثيفها

دامت لك نعمة العطر أ. وفاء الشوفي

بقلم أحمد اسماعيل / سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: