الثلاثاء , ديسمبر 1 2020

عبد السلام مرابط يكتب :العولمة الجديدة

أصبح للعولمة توجه جديد في يومنا هذا إذ أصبحت نظاما عالميا يقوم على ثورة المعلومات والتقدم التقني والتكنولوجي وهي بمثابة آلية لكسب الرهان السياسي والفكري والعمل بنظام الشمولية وهذا تعريف من بين العديد منها, نظرا لكون تقديم تعريف مانع وشامل للعولمة يعد أمرا شبه مستحيل إذا لا يمكن الاتفاق على تعريف واحد من طرف السياسي من زاويته السياسية والاقتصادي من زاويته الاقتصادية وكل حسب مقاربته الشخصية, الشيء الذي يؤكد أنها تغزو جميع المستويات دون استثناء, لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف استطاعت الدول العظمى أن تحذوا حذوها في غزو العقول البشرية والسيطرة عليها؟
الأمر واضح بالعودة إلى التعريف الذي ذكرته قبل قليل والذي اتضح لنا منه أن العولمة تقوم على ثورة المعلومات, ومن منا اليوم لا تقتحم وسائل التواصل حياته ومنزله, وهذا ما يمكن تسميته بالعولمة الجديدة أو العولمة الرقمية والتي تعتبر الأخطر والأكثر تهديدا للهويات الثقافية بل والتي تسببت في تغيير عدد كبير من المفاهيم, هذا النوع من العولمة هو العدو الذي يفترسنا بما قدمت أيدينا طبعا, ولا عزاء لمن قتلته يداه.
هنا لم نعد نقف على نقطة اقتصادية تتمثل في غزو المنتجات الأوروبية للسوق المحلية لكن هناك غزو الثقافة الغربية للثقافة العربية والأمازيغية بسبب وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت منا عبيدا للمحتوى الغربي, وجعلت منا مستهلكين له بشكل مفرط لدرجة تقبلنا لأي مهزلة جديدة تأتينا منهم تحت عنوان كبير “الحداثة”, نظرا لكون العولمة قد أعطت للحداثة اتجاها آخر عكس الذي كان راسخا في ثقافتنا, رغم أننا لا ننفي الدور الجبار والإيجابي لهذه الوسائل ومساهمتها في تسهيل حياة الإنسان إلا أن مخطط استعباد العقل البشري مستمر منذ عقود, منذ أن أصبحت أغلب الإعلانات التي نشاهدها يوميا تروج لتغيير عاداتنا اليومية المفيدة واستبدالها بعادات جديدة يقوم بها القطيع لكي نعيش تحت تأثير طابع الشمولية, فقد تمكنت القوى الاستعمارية من مد جسور السيطرة الفكرية على الإنسان خاصة فئة الشباب الذين بدلت أفكارهم بأفكار غربية, بالأمس فقط كانت مرحلة الشباب رمزا للمسؤولية والنضج لكنها اليوم أصبحت ترمز لفترة الخضوع للغريزة الحيوانية التي خلق بها الإنسان قبل اكتسابه لمفاهيم الثقافة ببساطة هذه هي العولمة الجديدة التي تقوم على أساس قوي والتي زرعت ألغامها في كل منزل وكل مدينة وكل دولة, التي غرست وسائل التواصل والأجهزة المعلوماتية في دمائنا حتى أصبح بإمكاننا تعويض إنسان بآلة دون أدنى مشكلة وأصبحنا نعيش بعقل موحد ‘العقل الغربي الاستعماري’ الذي تمكن من توحيد الأفكار والتوجهات السياسية,الاقتصادية, التعليمية وكذا الثقافية, انطلاقا من أطروحة الكاتب المغربي “محمد عابد الجابري” الذي يرى أن الثقافة هي بمثابة ثقافات متعددة ولا يمكن الحصول على ثقافة عالمية موحدة والتي يمكن اعتبارها نقيضا لما أحاول التعبير عنه.
فمن منظور شخصي أجد أنه محق لكن لا اتفق معه في أمر واحد, وهو حينما قال انه “لا يمكن أن توجد يوما ما ثقافة عالمية موحدة” لأن الحسم في احتمالية وجودها يوما أمر غير ممكن ما بما أن الثقافة أصبحت مهددة بالغزو الخارجي ويوما بعد يوم نجد تغيرا ملموسا في احد جوانب من جوانب ثقافتا التي من المفروض علينا الحفاظ عليها وتدريسها وترسيخها طبقا لمبدأ الاختلاف وبناء الموقف الخاص, أقولها وأكررها العولمة الرقمية الحديثة هي العدو الأول والأخير للهوية الثقافية, والدين الإسلامي واللغة الوطنية وتهديد كذلك للفكر الاستقلالي, بعد سنوات لن نعثر على إنسان مستقل فكريا بل سنجد إنسانا يعمل بدوافع موحدة تجعل منه آلة خاضعة للأوامر, لكن من صاحب هذه الأوامر؟ من له القوة الكافية لفعل ذلك؟ وما نوع هذه القوة, هل ستكون في يوم ما القوة السياسية هي المتحكمة في العالم,أم ستكون القوى الاقتصادية هي التي قد تتحكم, أم أنها القوى الفكرية التي تعتمد على القراءة والكتابة والآداب والعلوم النافعة؟ ويا ليتها كانت القوة الأخيرة هي المتحكمة كي تنتج لنا أجيالا مفكرة, منتجة ومتمكنة من دراسة العالم والواقع المعاش دون قوى خارجية تشكل دوافع سلبية على الفرد والمجتمع والدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: