أشرف الريس يكتُب عن: ذكرى ميلاد نعيمة الصغير

هى ” وحش الشاشة النسائى ” و ” صاحبة أتخن صوت فى السينما المصرية ” و ” الشريرة الطيبة ” و ” القوادة المُنفرة ” الفنانة الكبيرة و القديرة ” نعيمة عبد المجيد عبد الجواد ” الشهيرة بنعيمة الصغير تلك الرائعة المُبدعة التى حصرها المُنتجون بأدوار الشر و الأم القاسية و العجوز المتصابية فى جميع أدوارها التى وصلت لـ 185 عملاً بالسينما على مدار مشوارها الفنى و  أتقنت أدوار الشر حتى إن بعض الأدوار التى حملت الطابع الكوميدي لم تخل من مسحة الشر بها علاوة أنها كانت نجمة إعلانات شهيرة  و تخصصت فى الإعلانات التى تجذب الأطفال مثل إعلان عن بسكويت ” الشمعدان ” و آخر عن مرقة دجاج و غنت و رقصت فيهما برغم زيادة وزنها  ولكنها كانت تعتمد على خفة ظلها و شعبيتها و جماهيرتها خاصة عندما كانت تتمايل ممسكة بأحد المُنتجات ومن المُفارقة الغربية أن الشهرة الواسعة التى حققتها نعيمة الصغير فى تجسيد أدوار الشر كانت نتيجة لمؤامرة تعرضت لها فى بدايتها الفنية كمطربة حيث دفعت غيرة إحدى زميلاتها لوضع السم لها فى الشاى و قررت أن تُنهى حياتها و بالفعل تناولت نعيمة الصغير المشروب و لكن بسبب بنيتها القوية نجت من الموت و لكن أثرت المادة السامة على أحبالها الصوتية و أصبح صوتها أجش ليفقد الفن نعيمة المطربة و لكن يكسبها كمُمثلة و الحقُ يُقال أن على امتداد أكثر من أربعة عُقود توالى ظهور نعيمة فيها لا نبالغ إذا قلنا إنها تركت في كثير منها علامات هامة يصعب إنكارها حتى فى أدوارها المُركبة التى لم تُفَسَح لها فيها مساحات مناسبة فيها لكن « نعيمة الصغير » من خلال مشاهد معدودة كانت تستطيع ببراعة و بموهبة فريدة أن تصل بالمُشاهد إلى عُمق الشخصية فهى تستطيع خلال تلك الدقائق أن تستحضر تاريخا كاملا تزدحم فيها الخبرات و المواقف لتُطلعنا عليه ببساطة و قدرة و حرفية نادرة و ذلك على الرغم أنها لم تدرس التمثيل مُطلقاً ولم تحصل سوى على الشهادة الابتدائية لكنها استطاعت أن تترك لدى المُتلقى انطباعاً ما أو أثراً لا يُمكن نسيانه و يستمر التساؤل المُمض ماذا لو أتيحت لـ « نعيمة » مساحات أكبر لتعبر من خلالها عن تلك القدرات الفريدة ؟.. ولدت نعيمة فى 25 / 12 / 1931م بمدينة الأسكندرية و بدأت حياتها كمنولوجست مع زوجها محمد الصغير ( و التى حملت لقبه فيما بعد ) ثم عملاً معاً في فرقة ” إبراهيم حمودة ” كما عملاً أيضا مع ” إسماعيل يس ” و رآها المُخرج ” حسن الإمام ” و عرض عليها دور مُطربة في فيلم ” اليتيمتان ” بطولة الفنانة فاتن حمامة و قدمت فيه أغنية ” طب و أنا مالى ” ثُم اختارها « صلاح أبو سيف » في دور « امتثال » والدة « إحسان » في فيلم « القاهرة  30» عام 1966م  و قد تعاملت نعيمة مع دورها في هذا الفيلم باحترافية عالية فجاء أداؤها مُقنعاً مُنضبطاً دون مُبالغة برغم أن سِمات الشخصية تغرى بذلك و استطاعت تقمُص الشخصية بسلاسة و إظهارها فى حالة تصالُح قصوى مع النفس رغم فداحة الجُرم و بشاعة التفاصيل ثُم اختارها أبوسيف مرة أخرى فى فيلم « الزوجة الثانية » لتُمارس حُضوراً مُتناغماً إلى جانب « حفيظة » التى قامت بدورها البارعة « سناء جميل » إنها الخالة « نظيمة » الداية الطيبة التى تُبدى تعاطُفاً كبيراً مع مأساة زوجة العُمدة المحرومة من الإنجاب لكنها لا تمتنع عن المُبادرة بتقديم خدماتها لكل أهل القرية .. كما اشتهرت نعيمة أيضاً بأداء دور « القوادة » فى « سونيا و المجنون » عن رائعة « دوستويفسكى » « الجريمة و العقاب » فقدمت نعيمة دور « عدلات » فى إضافة جديدة لها فكانت شديدة القسوة المقرونة بلامُبالاة مُتقنة كأن ما تفعله من ذبح لتلك الزهرة البريئة بسيف السُقوط و الضياع هو من طبائع الأمور ! لدرجة إنها ثمِّنت « سونيا » من النظرة الاولى كبضاعة جيدة ستجلب لها الكثير من المال و لا تيأس من تكرار الرفض لطلبها فهى واثقة من أن الفقر المُدقع قد قتل هؤلاء الناس جميعاً شر قتلة و أنها بصدد شراء جُثة لا أكثر و لا أقل ! و فى العام التالى 1978م قدمت نعيمة نفس الدور فى « شفيقة و متولى » مع المُخرج على بدرخان و استطاعت من خلال تفاصيل جديدة أن تُثرى شخصية « فُلَّة » الدلالة التى يستخدمها « أحمد الطرابيشى » مُقاول الأنفار فى تلك المهام الدنيئة لكنها فى « المشبوه » عام 1981م خرجت نعيمة قليلاً من عباءة الشر الخالص لتُقدم لنا شخصية « سيدة » تلك المرأة التى تأوى اللصوص و تشترى منهم ما يسرقونه لكن لها قلب أم حانٍ  فهى تقرضهم المال إذ عزَّ الشُغل و تسعى للِقاء العاشق الولهان بمحبوبته و تسعد كل السعادة عندما يتم اللقاء و هى المرأة الخبيرة بأساليب الشرطة فعندما يتم القبض عليها لا تُفلح مُحاولاتهم أثناء التحقيق فى دفعها لكشف أسرار عملها إن نعيمة تستطيع بعبقرية أن تستولد أعمق المشاعر الإنسانية و أصدقها من رحمِ دورٍ لا يرى فيه الكثيرون سوى الأداء النمطى و الشخصية السطحية و يكفى أن نُشير إلى سطوتها و حُضورها القوى فى غرفتها التى تزدحم بالمسروقات فتشعر أنها هنا عاشت حياتها كلها و لم تُغادر هذا المكان إلا للضرورة و كأن نعيمة قد ارتبطت بطريقة ما بالعاشقين البائسين في « المشبوه » لتُعاود الظهور معهما فى « حُب فى الزنزانة » عام 1983م فى دور جديد عليها و هو دور السجَّانة و تُبدع كعادتها و هى تمزج القسوة البالغة التى يجب أن تكون عليها السَّجانة مع عاطفة ملؤها الإشفاق تجاه بعض السجينات البائسات و منهن فايزة ( سعاد حسنى ) العاشقة التى ظلمها المُجتمع و أقرب الناس إليها لتتهاوى فى طريق الضياع و يكون مصيرها السجن ,, و مع النجم « أحمد زكى » و فى واحدة من أهم بداياته  تقدم نعيمة دور « أم إمام » فى « الليلة الموعودة » عام 1984م و هو دورٌ يعتبر من أهم و أجمل أدوارها و فى هذا الدور مزجت نعيمة بين الأداء الجاد القائم على المكر و الخداع للإيقاع بالفريسة و بين خفة الظل القائمة على التحايُل على جميع الأطراف لإحراز المكسب المادى و النجاة من العقاب و يذكر أنها نالت فى هذا الفيلم « علقة » حقيقية على يد الممثل أحمد بدير الذى قام بدور زوج ابنة بهية « إبراهيم القرقشندى » و فى العام التالى تقدم لنا نعيمة أجمل أدوارها فى « الشقة من حق الزوجة » و الذى مازالت مشاهده عالقة فى الأذهان تلك المَشاهد التى جمعت بينها و بين النجم « محمود عبد العزيز » فى دور الحماه المُتسلطة التى تُسيطر على ابنتها و تدفعها لتكدير صفو حياتها بغية السيطرة على الزوج كما فعلت هى مع زوجها و فى نفس العام قدمت نعيمة دوراً من أهم أدوارها و هو دور « نبوية » فى فيلم « الزمار » من إخراج المُبدع « عاطف الطيب » تلك العانس الموتورة التى تكره زوجة أخيها التى تصغره بسنوات كثيرة و تكيد لها و تُحرضه عليها طوال الوقت و للأسف لم ينل هذا الفيلم الرائع حظه من التقدير فلم يُعرض في دور العرض بل عُرض فى الفضائيات بعد سنوات من إنتاجه ! ,, و في « كراكون في الشارع » تقدم لنا نعيمة دور الأم الحنون المغلوبة على أمرها التى لا تستطيع تقديم شيئ لابنها المُشَرد هو و أسرته بعد سُقوط البيت الذي يؤويهم و تصل إلى قمة الأداء في مشهد تطلب فيه من ابنها أن يتركها فى المقابر إلى جوار قبر أبيه حتى يحين الأجل ,, و توالت الأعمال التى شاركت فيها نعيمة و تركت فى كل منها علامة و منها فيلم « العفاريت » عام1990م من إخراج حسام الدين مصطفى و قامت فيه بدور المعلمة « الكتعة » التى تُدير عصابة لخطف الاطفال و إجبارهم على مُمارسة النشل و التسَول و هو الدور الذى جعل أطفال مصر يطلقون عليها ” أمنها الغولة ” بعد أن أدته باقتدارٍ شديد و قد أضافت نعيمة كثيراً إلى هذا الدور الذى قدمته قبلها عديد من النِجمات أشهرهن « نجمة إبراهيم » فى فيلم “ جعلونى مُجرماً ” .. من وجهة نظرى أن نعيمة قد قامت بدورٍ واحدٍ أدت فيه شخصيتها الحقيقية و كان فى فيلم ” إسكندرية ليه ” مع يوسف شاهين تلك المرأة التى لم تمنحها الأقدار الجمال الظاهرى لكنها فى مُقابل ذلك منحتها الكثير من عوامِل القوة و هذا النموذج نراه كثيراً فى حياتنا و لا ننتبه له كثيراً لكن عبقرية نعيمة الصغير جعلتنا نقف مبهورين أمام روعة التشخيص لنماذج بشرية نظنها عادية و لا تنطوى على كثير من التفاصيل الإنسانية الشيقة و مازلنا لم ننتبه و سنظل مبهورين حتى بعد أن أسدل الستار على حياتها برحيلها و انتهاء مشوارها الفنى الذي استمر أكثر من 40 عاماً بعدما قدمت عدداً كبيراً من أعمالها السينمائية و الدرامية و توفيت فى 20 / 10 / 1991م عن عُمر يُناهز الـ 60 عاماً حيثُ رحلت الكوميديانة نعيمة الصغير و لم يشعر برحيلها أحد من زملائها ! و لم يُشيعها إلى مثواها الأخير سوى الفنان عادل إمام ! الذى قال عنها ( فقدنا فنانة كبيرة فناً و جدعنة و التزاماً و من الصعب تعويضها لأن لا مثيل لها حتى الأن فى كُل المُتواجدين على الساحة الفنية بدون إستثناء ) .. رحم الله نعيمة الصغير و تجاوز عن سيئاتها و أسكنها فسيح جناته .

تعليق واحد

  1. تحية من العقل قبل القلب لكاتب هذا لمقال المؤرخ أشرف الريس لآنه انصف شخصية فنية وتاريخها الذى نحبه وجمهورها الذى يعشقها ، نعيمة الصغير الكوميديانة خفيفة الظل ومدرسة استيفان روستى ، الشرير الظريف ، تقريبا نفس المدرسة ونفس القبول لدى الجمهور ، شكرا لك أيها الجميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: