الثلاثاء , ديسمبر 1 2020

أشرف الريس يكتُب عن: ذكرى رحيل محمود أمين العالِم

هو  ‘‘ الكاتب الجريئ ‘‘ و ‘‘ الصحفى المُناضل ‘‘ و ‘‘ رائد الواقعية الإشتراكية فى الأدب ‘‘ الصحفى و الناقد و المُفكر و الفيلسوف اليسارى الكبير  ” محمود أمين العالِم ” و الذى يُعد واحداً من أهم مؤسسى التيار اليسارى المصرى و هو الأب الروحى للشيوعيين العرب و أحد مُهندسى حل الحزب الشيوعى المصرى و انضمام الشيوعيين للإتحاد الإشتراكى الذى أسسه الزعيم جمال عبد الناصر و تولى مع رفاقه الستالينيين قيادة أمانة الفكر و الدعوة بالإتحاد التى بشرت بالتحول الإشتراكى عبر البيروقراطية العسكرية لا عبر كفاح الطبقة العاملة ! .. ولد العالِم فى 18 / 2 / 1922م فى حى الدرب الأحمر بمُحافظة القاهرة و بدأ دراسته الاولى فى كتّاب الشيخ السعدنى في مدخل حارة السُكرية ثم فى مدرسة الرضوانية الاولية في حي القرية ثم في مدرسة النحاسين الإبتدائية بحى الجمالية ثم فى مدرسة الإسماعيلية الثانوية الأهلية بحى السيدة زينب ثم مدرسة الحلمية الثانوية بالقرب من حى القلعة و التحق بعد شهادة الثانوية ( البكالوريا ) بكلية الآداب قسم الفلسفة بجامعة فؤاد الأول ( القاهرة ) و بعد حُصوله على شهادة الليسانس بتفوق تم ترقيته إلى وظيفة مُترجم و مُنظم مُحاضرات فى الكُلية فأمين مكتبة قسم الجغرافيا ثُم عُيِّنَ مُدرساً مُساعداً للمنطق و مناهج العلوم بعد حُصوله على شهادة الماجستير والتى كان عنوان رسالتها « فلسفة المُصادفة الموضوعية فى الفيزياء الحديثة و دلالتها الفلسفية » ! و فى عام 1954م فُصِلَ العالِم من السلك الجامعى قبل حُصوله على شهادة الدكتوراه بسبب انتمائه السياسى و بعد فصله عمل في إعطاء دروس خاصة فى الفلسفة و المنطق و اللغتين الإنجليزية و الفرنسية حتى التحق بمجلة ” روز اليوسف ” مسؤولاً عن افتتاحيتها السياسية التى كان يغلب عليها الطابع النقدى للأوضاع غير الديموقراطية كما أخذ يكتب فيها مقالات فى النقد الأدبى التى كان قد بدأها قبل فصله من الجامعة فى جريدة الوفد المصرى بمقال مشترك مع صديقه ” د.عبد العظيم أنيس ” رداً على مقال الدكتور طه حسين فى جريدة الجُمهورية حول مفهوم الأدب و بهذا المقال بدأت معركة نظرية فى مجال الأدب التى كان لها تأثيراً على المُستوى العربى عامة و فى تنمية الاتجاه الواقعى الجدلى فى النقد الأدبى و فى عام 1955م استدعته مؤسسة التحرير التى كانت تمثل فى الخمسينات المؤسسة الاعلامية للدولة و كان يرأسها الرئيس ” أنور السادات ” للانتقال إليها لاصدار مجلة أسبوعية عربية مع الاستاذ ” أحمد حمروش ” و يبدو أن الأمر كان بهدف إبعاده عن كتاباته النقدية فى مجلة روز اليوسف إذ لم تصدر المجلة التى أعدها الاستاذ أحمد حمروش و محمود العالم برغم إصدار عددين تجريبيين منها ! و فى إثناء ذلك وقع العدوان الثلاثى على مصر عام 1956م فحاول الاستاذ حمروش و العالِم إصدار جريدة يومية باسم المعركة من دار مؤسسة التحرير نفسها و لكنها صودرت فى المطبعة عند الانتهاء من طبعهاً ! و فى عام 1957م تم نقل العالِم إلى مجلة الرسالة الجديدة مُديراً لتحريرها تحت رئاسة الاستاذ ” يوسف السباعى ” و فى هذه المجلة بدأ سلسلة من الكتابات النقدية للحركة الشيوعية و فى 1958م قامت الوحدة المصرية السورية التى كان العالِم مُتحمساً لها و كتب مقالاً عنها فى مجلة الرسالة الجديدة بعنوان ” ميلاد المواطن العربى ” و لكنه كان يختلف مع منهج تحقيقها و نشر بياناً سرياً بتوقيع كل من ” سيد ” ( و هو الاسم السرى للدكتور عبد العظيم أنيس) و فريد (وهو الإسم السرى له ) و فى أواخر نوفمبر عام 1958م حل أنور السادات الحزب الشيوعى المصرى و أدراج أفراده كمحظورين و رفض طلب باقتراح تواجدهم داخل التنظيم الرسمى للدولة و فى نهاية نوفمبر بدأت حملة إعتقالات واسعة للشيوعيين المصريين و فى فجر يوم أول يناير 1959 تم اعتقال العالِم فى منزله و بدأت رحلة طويلة من سجن الواحات الخارجية إلى العودة إلى سجن قراميدان بالقاهرة إلى سجن الحضرة بالاسكندرية حيث انعقدت مُحاكمة عسكرية قام فيها مع رفاقه بالدفاع عن الأهداف التقدُمية و القومية لثورة 23 يوليه مع انتقاد أسلوبها غير الديموقراطى سواء داخلياً أو عربياً ! .. فى عام 1964م كان قد تم اتفاق على اندماج الشيوعيين سواء فى الاتحاد أو التنظيم بعد مُناقشاتٍ طويلة بين النظام الناصرى والشيوعيين أثناء التواجد فى السجن ثم بعد الافراج عنهم و كان من نصيب العالِم أن تم تعيينه مُحرراً فى مجلة المصور و اختياره عُضواً فى التنظيم الطليعى ثم عضواً بعد ذلك فى أمانته المركزية و قد عمل العالِم فى هذه الفترة مُحرراً أدبياً فى “مجلة المصور ” الأسبوعية ثم ما لبث أن عُيِّن بعد ذلك رئيساً لمجلس ادارة هيئة الكتاب ثم شركة الكاتب العربى ثم رئيساً لمجلس ادارة مؤسسة المسرح ثم رئيساً لمجلس ادارة أخبار اليوم ثم حدثت بعض الصراعات السياسية التى أفضت إلى فصله من أخبار اليوم ثم تعيينه بعد فترة مسؤولاً عن مؤسسة المسرح بل إتاحة الفرصة له لحديث سياسى بعد نشرة أخبار الساعة التاسعة مساء كل يوم خميس و طوال هذه الفترة كان يُمارس مسؤوليته في أمانة التنظيم الطليعي مسؤولاً عن نشرتها الداخلية وعن خطتها التثقيفية .. و بعد وفاة ناصر و اختيار السادات خلفاً له يبدأ صدام جديد داخل السُلطة الجديدة حول سياستها و يقف العالِم موقفاً مُعارضاً صريحاً فى اجتماع اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى و يتم اعتقاله مع من أسماهم السادات بمراكز القوى داخل النظام و يُقدم إلى التحقيق و يُتّهم بالخيانة العظمى مع بقية الزملاء الآخرين و يطلبونه للشهادة أثناء المحاكمة و يتسائل المحامون عن ملف قضيتة ؟ و يتبين أن ملفه قد أُستبعد تماماً بسبب ما جاء فى التحقيق من كشف الأسرار فى سلوك السادات السياسى و تجنّب الزملاء الآخرون ذكرها ؟! و بالتالى تم الإفراج عنه ليُفاجأ العالِم بإحالته للمعاش باقتراح من الوزير ” يوسف السباعى ” و بموافقة السادات فيُسافر إلى إنجلترا بعد منعه من السفر لمدة عام و يقوم هُناك بالمشاركة فى بعض السمينارات حول الفكر العربى المُعاصر ليُفاجأ و هو فى إحدى السمينارات باتصال من صديقه ” الأستاذ جاك بيرك ” لِيَقترح عليه المجيئ إلى باريس ليُعيّن فى جامعة باريس مُدرّساً للفكر العربى و و يُسافر العالِم و يظل بها منذ 1973م حتى عام 1984م لتبدأ مرحلة جديدة يتصور فيها العالِم بأنها ستكون مجالاً لنشاط سياسى و ديمقراطى أرحب فى مصر فيستقيل من الجامعة الفرنسية و يُقرر العودة لبلاده ليُفاجأ بعدم أهليته المدنية ! لاصدار مجلة أو جريدة لعدم رفع عنه الحظر المدنى و القانونى إلا بعد إلغاء قانون العيب الذى سجنه السادات به ! إلا فى نهاية 1986م ! فيتفرّغ بعدها لإصدار كتاب غير دورى تحت مُسمى ” قضايا فكرية ” ليتم اختياره مُقرراً للجنة الفلسفة فى المجلس الأعلى للثقافة فضلاً عن عضويته فى نقابة الصحفيين و فى اتحاد الكُتّاب علاوة عن كونه نائباً لرئيس رابطة المُثقفين المصريين التى كان يرأسها سعد الدين وهبة كما أصدر عدداً من الكُتب في مجالات النقد الادبى و الفلسفة والفكر عامة كما صدر له ديوانان شعريان و حصل على جائزة الدولة التقديرية عام 1998م كما الف العالِم عدة مؤلفات كان أبرزها « الإنسان موقف » و « معارك فكرية » و « فلسفة المُصادفة » و « هربرث ماركيوز أو فلسفة الطريق المسدود » و « الوعى والوعى الزائف فى الفكر العربى » و « مفاهيم وقضايا إشكالية » و « الفكر العربى بين الخُصوصية و الكونية » و « مواقف نقدية من التراث » و « الإبداع أو الدلالة » و « من نقد الحاضر إلى إبداع المُستقبل » و « الثقافة و الثورة » و « تأملات فى عالم نجيب محفوظ » و « الوجه و القناع فى المسرح العربى المُعاصر » و « البحث عن أوروبا » و « توفيق الحكيم مُفكراً و فناناً » و « أربعون عاماً من النقد التطبيقى » و « ثُلاثية الرفض و الهزيمة » و ظل العالِم يُبدعنا بمؤلفاته و ندواته الفكرية و الفلسفية حتى حانت لحظة النهاية بإسدال الستار عن حياة هذا المُفكر و الفيلسوف الشامخ فى فجر يوم السبت 10 / 1 / 2009م اثر أزمة قلبية عن عُمرٍ يُناهز الـ 87 عاماً بعد أن أثرى بعمق فى الثقافة المصرية و شارك فى تشيع جنازته ظهرا مثقفون من مُختلف الإتجاهات إلى جانب أقطاب من حركة اليسار المصرى بينهم الكاتب و المفكر ” سيد عشماوى ” و” الناقدة فريدة النقاش ” و رئيس المركز القومي للترجمة ” جابر عصفور ” .. رحم الله محمود أمين العالِم و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: