الأحد , نوفمبر 29 2020

فراج إسماعيل يكتب :ورقية عريقة توشك على الإنصراف

يتداول العاملون في صحيفة “المدينة ” اليومية السعودية، أعرق الصحف السعودية، أنها على وشك توقف طبعتها الورقية خلال فترة وجيزة قد لا تتجاوز نهاية العام الحالي 2020، وهو عام الكوارث بلا جدال.
معلوماتي أن “المدينة” لن تغرد وحدها خارج السرب وتتحول كليا إلى صحيفة إلكترونية، بل هناك صحف سعودية أخرى في الطريق بينها ذائعة الصيت “الشرق الأوسط” التي تقترن بصفة الدولية لكونها تصدر في لندن.
“المدينة” في حالة المضي قدما في وقف النسخة الورقية، لن تكون قد ذهبت إلى ذلك راضية مرضية، بل قاتلت طوال عامين أو أكثر حتى لا تضطر إلى هذه الخطوة، فقد تعثرت عن سداد رواتب موظفيها، لدرجة أنه كانت تمر عدة شهور على الصحفي بلا راتب، وعجزت عن سداد مديوناتها، وساعدتها أزمة كورونا في أوائل 2020 أن تتحلل من ذنب أكثر من نصف صحفييها بإبقائهم في بيوتهم مدة شهرين في ظروف الإغلاق والإجراءات الإحترازية.
ولكن ما باليد حيلة. فقد تحمل صحفيوها وأسرهم ببطولة كل ذلك حفاظا على بقاء صحيفتهم ورقية، وحاولوا بكل ما يملكون من مهنية وخبرات الإبقاء عليها مصدرا للخبر الموثوق وإلى حد ما الحصري.
كانوا يطمعون في أن القراء لن يتخلوا عنهم وسيشترون صحيفتهم، ولكن كيف ذلك، وقد أصبح هذا الجهاز الصغير “الموبايل” هو كل شيء في أيدي معظم الشرائح العمرية، حتى من تجاوز السبعين. الحصول على الخبر والرأي بواسطته سهل، والانتقال السريع بنظرة عين واحدة أسهل من السهل.
لا يمكن لأحد الوقوف أمام تكنولوجيا الصحافة الجديدة أو الصحافة السحابية. التغيير يفرض نفسه شئنا أم أبينا.
جريدة الحياة أوقفت ورقيتها منذة مدة، والشرق الأوسط التي لم تعد توزع سوى عشرات النسخ دوليا، بينها كما أخبرني صديق صحفي كبير قريب الصلة في لندن، نسخة واحدة في القاهرة، ولا أعلم من هو صاحب تلك النسخة الذهبية المباعة، ولو الأمر بيدي لمنحته الصحيفة جائزة ثمينة باسم مؤسسيها خالدي الذكر هشام ومحمد علي حافظ، وبالمناسبة والدهما وعمهما هما مؤسسا جريدة المدينة العريقة، وكان لأستاذينا علي ومصطفى أمين فضل عظيم في ذلك.
ليس هناك لبن مسكوب حتى نبكي عليه. إنها سنة التطور الخارق، وما علينا إلا أن نخضع لها ونستفيد منها، فالصحافة الرقمية أو السحابية فن راق واسع التأثير، عمل شاق وليس سهلا. رزقه كثير من الإعلانات ولا يعتمد على الكلمة المكتوبة والصورة الثابتة فقط، بل يقدم صحافة الفيديو والحوارات الناطقة وقنوات الانترنت .
في خضم ذلك يجب إعادة تعريف الصحفي ووضع مناهج جديدة لكليات الإعلام والصحافة، وأن يتم التحول سريعا إلى الاقتصار على تعيين هؤلاء الخريجين المؤهلين، لأن التكنولوجيا حولت الصحافة إلى صناعة فائقة المهارة، وليس إلى موهبة الكتابة واللغة، فهؤلاء سيجدون ما يحقق لهم ذاتهم على شبكة الانترنت التي لا تمنع أحدا من الكتابة والنشر.
أنا أتكلم عن ما يجب أن يكون عليه تعريف الصحفي في زمن الصحافة الجديد، وليس عن الصحفيين الحاليين الذين نشأوا وترعرعوا وأبدعوا في ظل الورقية وأصبحوا صحفيين كبارا. لكن لكل زمن رجاله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: