الأحد , سبتمبر 19 2021

د. محسن عبد الخالق يكتب : صفحات من كتابي “مع الشوامخ ” ـ د. حسين فوزي ،الصديق العالم

استجابة لأصدقائى الذين منحونى ما لا أستطيع أن أفِى بحقّه ، وأمام فيض مشاعر هؤلاء الذين أجلّهم ، رأيت أن أعرض بعض صفحات من كتابى ” مع الشوامخ ” الذين عشت معهم وتوثقَّت بينى وبينهم عُرَى المحبة والإحترام .. وإعلاً وتكريمًا لقيمة هؤلاء الأصدقاء ولأنهم الأجدر من غيرهم على السير بصحبتى على الجسر أثناء تجسيد وإستعادة اللحظة ، والحدث ، والعصر ، بكل ما فى ذلك جميعًا من حِسّ إنسَانى ونَبض ! .
أنشر هذه الصفحات ، ذلك ان أى شخص يعطيه الناس مساحة من وقتهم مدين لهم بقيمتها وليس بمجرَّد حجمها ..
صفحات من كتابى ” مع الشَّوامخ ” تحت الطبع ..

الجزء الأول :
الدكتور حسين فوزى
الصديق العالم ..

ما أشقى أن أكتب عن أصحاب الفضل في حياتى الذين كانوا دليلى إلى فكرة التقدم ، إن كتابتى عنهم أشبه بمن يقوم بعملية بحث عن المركز الحقيقى للكون في مكان آخر ، لأن ميزة هذا الجيل من ” الشَّوامِخ ” مهما إختَلَفَتْ نَظرتنا إليهم فإن كل منهم كان يبنى نفسه بنفسه ويحكم على الآخرين وهو يقف فوق قمَّة ما بناه بغض النظر عن أي خلاف أو إتفاق يمكن أن تكون قد أنبتته العلاقة الشخصية ، وهذا ما يصدق على الدكتور ” حسين فوزى ” مثلما يصدق على هذا العُنقُود المضىء في تاريخ اللغة ، نجيب محفوظ ، وتوفيق الحكيم ، ويحى حقى ، وزكى نجيب محمود ، ولويس عوض ، ويوسف إدريس ، وبنت الشاطىء ، ونعمات أحمد فؤاد ، وصلاح طاهر ، وصلاح جاهين ، وغيرهم ، فلا مكان عندهم للحقد أو الغيرة أو الجحود ، وإنما كان يحركهم دائما ما يمكن أن نسميه الإحساس بالتمايز الذى يربطهم بالمستقبل . إن ما قدموه من كتابات إنما يمثل عملية توثيق حقيقى للتقويم الأبدى الذى سَجَلت عليه الطبيعَة تَحَرُّكاتِها ..
عَرفتُ هؤلاء ، وعِشت بين هؤلاء ، وسمعت هؤلاء ، وتعلمت من هؤلاء وبالتالي ليس من السَّهلِ أن أكتب عما يختلج في نفسى من مشاعر نحو من عِشت معهم وحديثى معهم كان يعطينى عُمرًا في البقاءِ . أكتب وكأنّى أقُودُ زَورَقًا من الضَّوءِ فى ظلام ليل ، وسط أمواج عاتية ، وأمام رياح وعواصف قاصفة ، يزيد من تلك المشقة إحساسى بأنه قد يَفلِت شِرَاع الكلمات من يدى ، ويتحول ” قارب الصور ” وقد تكسَّرت دَفَّته بضرب الموج ، فى إتجاهات غير إتجاهاتها ، وغالبًا فى إتجاهات تَرفُضهَا الريح ، فإذا القارب ينقلب عند البُوغَاز .

الكتابة عن الأفذاذ تختلف ، والسيرى إلى جوارهم ” حِمَاية ” للقيمة وإعلاءُ وتكريمًا للمعنَى ، والكلام معهم له صوت آخر ..
ولن أحَدّثُكَ خَجَلًا عن هذه الفترة التى كان فيها ” المناخ العام ” ملبَّد بغيوم وسُحب دَاكِنَة تَجَمَّدَت في الأفق فحجبت عنى ضوء الشمس ولا ينبىء بميلاد جديد ، ومع ذلك كان هناك ” لَحظَة خَلاقَة ” إِدَخَرَهَا الغيب في أكفأ خَزائِن الأبَد وظَلَّ يحتفظُ بها في رَحِمِ التَكوين حتى تَخَلَّيقَت ، ثم أخذت تنقر قشرة الوعى نقرًا مُلحًا مطالبة بحقها في الميلاد ، لحظة بَاهرة تلك التي أصَرَّت أن تخرج من ليل داخل الليل وتُعلن عن جدارتها ، وإقتدارها ، وأحقيتها في الوجود وفى الحياة !
في أفق هذا المعنى أشرُف بك صَدِيقًا مُصَاحبًا لى أثناء السَّير فوق سطح الضوء على جِسرِ طال لأطلعُك على هذه ” اللحظات المُحَرَّرَة ” من قيود الوقت ، تلك التى قضَيت بعضها ناسكًا فى بيت أستاذى وصديقى الدكتور ” حسين فوزى ” وبعضها الآخر قضيتها واقفًا معه على ضفَّة المَجهُول أتأمل حياة ” السِندِبَاد ” فى رحلة الحياة ، وكيف كان يعتمد على أوراقه وخرائطه الملاحية أثناء الإبحار فى المياة العميقة ..
كنا نقف معًا على شاطىء اللغة ، هو يُبحِر فى الأعماق ثم يعود مُحمَّلًا باللآلىء ، والدُّرر ، والأصداف ، وأنا أقف على حافة الشَّوق انتظر الحروف والمعانى الجديدة التى وقعت فى الشباك ، مأخوذًا بدهشة الإنبهار أمام مهارة بحار مُتَفَرّد َخابرَ الصَّيد والغوص فى أعماق البحور العميقة باحثًا ، ومستكشفًا ، وعالمًا بأسرار الأحياء المائية ، فى ذات الوقت كنت أتأمل كيف كان المَوج يمضى في همسه لرمال الشاطىء يروى قصته ونجواه اللتين لن تنتهيا إلا إذا إنتهى الزمان ..
لم يَطُل الإنتظار حتى عاد ” السّندِباد “من رحلة البحث عن المحار ، وعاد معه إلى ذَاكرتى صورة ” البَيت ” الذى إلتقيته فيه مرات كُثُر ” 37 شارع مراد بالجيزة الدور الرابع ” .

من ذلك اليوم البعيد وأنا أحمل فى ذاكرتى وأحفظ فى رُكنِ من قلبِى بحب عميق للدكتور ” حسين فوزى ” العالم ، والمفكر ، والأديب ، وكلما مرَّت سيارتى أمام بيته وتَطلَّعت إليه ، رَجَّعت بَصرى لأيام خَلت لأستحضره فى ذِهنِى بإبتسامته المنعشة التى كان يستقبلنى بها ، وعلى باب شقته كان يقف ليودعنى بها ، رُقِىّ ، وعُلُو ، وسُمُو ..
وبينما أكتب الآن ولسبب ما لَمَعَ برقًا فى خَواطرى حديث كان قد دار بيننا حول ماهيَّة ” الفلسفة ” فى ضوء ” مُسودَّات ” فصول من كتابى” نَقد النقد ” التى كنت قد تركتها لديه لأستضىء برأيه ورؤيته ، وبعد أن أثنى على عنوان الكتاب قال :
دَعَنِى أسألك هل إنتهى عصر الفلسفة ؟
كان هذا هو السؤال الذى فاجأنى به أستاذى الدكتور ” حسين فوزى ” أثناء حديث ممتدّ كان يتدفق سيالًا حول وحدة المعرفة ، وهو ذات السُؤال الذى سبق أن طرحته على تلاميذى في جامعة القاهرة في أول محاضرة ألقيتها عليهم ..
قُلت مجيبا عليه :
طالما ظَلَّ الإنسان يسأل :
” لماذا ” ؟
بهذا اللفظ الصغير ” تعيش الفلسفة ” .
ثم أضفت :
حتى الآن لم نعثر على إجابة صحيحة على كلمة ” لماذا ” ؟
وبغير ” لماذا ” لا تقوم الإنسانية .

وأمام ” صمته الإبداعى ” الذى استشعرته قلت لأستاذى :
السؤال عند ” العلم ” هو
كيف ؟
والسؤال عند ” الفلسفة ” هو
لماذا ؟
فمثلًا نحن نسأل العلم
كيف نعيش ؟
فى حين أننا نسأل ” الفلسفة ” سؤالًا آخر ليس من إختصاص ” العلم ” أن يجيب عنه وهو
لماذا نعيش ؟
وهذا السؤال ” لماذا ” هو من خصائص الإنسان وحده ، وبغير ” لماذا ” لا تقوم الإنسانية ..
وبينما كنت أمضى شارحًا اذا بى أتنبه إلى ضوء الشمس وهو يتخطى أبجدية الغروب ، وقد أخذ قُرص الشمس ينحّدِر نحو الغياب . فى هذه اللحظة كانت عقارب الضبط تشير إلى ساعة الإنصراف ، وكان عَلَىَّ أن أتركه يخلد إلى الوِحدَة يُرَتِّل أوجاعه ، وِحدَة المتواضِع الذى يَسكُن فوق الغيُوم ، ويعرف قيمة كل شيء ، وحدود كل شيء ..

وكان عَلَىَّ أن أستجيب لصوت الوقت وهو يدق مُعلنًا :
” لقد جرى الوقت ” ! .
وإنتهى حديث ولم تنتهى الأحاديث بيننا بعد ..
وإتفقنا على أن نلتقى غَدًا ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: