السبت , يناير 23 2021

أحمد العش يكتب :رحيل دويلة الأرجنتين فى دولة ماردونا

فى أبجديات المنطق، تُعرف الرموز البشرية فى شتى فروع الحياة، بحتمية ذكر الدول التى يُنسبون إليها محضا، بدءاً من وجهاء السلطة والقناصل والهيئات الدبلوماسية، مروراً بالأدباء والشعراء والعلماء، نهاية بالرياضيين والممثلين، ولئن بزغ نجمٌ رياضيٌ أو سينمائيٌ، فإن شهرته مهما عظمت تبقى على خط تماس مع رجال الدولة الاعتباريين بمقدارٍ متساو، أما أن تنسب دولة لرجل، وتختزل مساحتها الشاسعة كثامن أكبر دولة فى العالم فى رجل، ويدمج علماؤها وأدبائها وشعرائها وسائر أعلامها فى رجل، فلعمري إن هذا هو الاستثناء ولا شىء سواه، أتحدث عن دولة الأرجنتين التى عرفت بماردونا، والتى أثقلها ماردونا بريق الشهرة فى العالم، وكأنه هو المتحدث الرسمي لها فى كل تاريخها المسبوق والملحوق ،…
لقد مات ماردونا أمس بعد إتمامه الستين من عمره، وصاحبت ميتته ضجة إعلامية وشعبية طافت العالم، فاقت فقد الزعماء السياسيين والثوريين بمراحل متفاوتة، ولم تكن هذه اللمحة وليدة الصدفة، بل إن ماردونا عندما كان لاعباً، محقت شهرته وجود الرئيس الأرجنتيني السوري الأصل كارلوس منعم، الذى تحول من الإسلام للنصرانية ثمناً لرئاسة دولة الأرجنتين عشر سنوات كاملة من ١٩٨٩م حتى ١٩٩٩م، ليُنسب كارلوس منعم لدولة ماردونا التى استوعبت الأرجنتين كذلك، وليس كارلوس منعم وحده من نسب إلى دولة ماردونا، بل نسب كذلك أشهر رؤساء الأرجنتين، كخوان بيرون الذى حكم الأرجنتين دورتين بمساعدة زوجته الأولى الممثلة إيفا بيرون من ١٩٤٦م إلى ١٩٥٥م، ثم من عام ١٩٧٣ حتى ١٩٧٤م، بعون زوجته الثانية ايزابيلا بيرون، والتى أعقبته فى الحكم من ١٩٧٤ حتى ١٩٧٦م، كأول امرأة فى تاريخ أمريكا الجنوبية تصل لسدة الحكم فى دولة ماردونا، أو حتى أشهر دبكتاتور فى التاريخ الأرجنتيني خورخه فيديلا، الذى قتل وشرد عشرات الآلاف من الأرجنتينيين، والذى أرهب الحكام والخصوم لتنال بلاده ذهبية كأس العالم ١٩٧٨م، لم يكن هو الآخر على هامش شهرة ماردونا، كذلك طغت شهرة ماردونا على عالم الأرجنتين برناردو ألبرتو هوساي أول لاتينى يفوز بنوبل فى أى مجال علمى، بعد اكتشافه لهرمونات الغدة النخامية فى تنظيم السكر فى الدم، فنال عنها نوبل للفيزياء عام ١٩٤٧م…
استوعب دييجو أرماندو ماردونا كل تاريخ الإبداع الأرجنتينى فى شخصه وحده، ويكأنه بداية الأرجنتين ونهايتها، فكان وأمسى وأصبح وبات رمزها الخالد من بوابة كرة القدم، أفيونة أكثر الشعوب ماضياً وحاضراً ومستقبلاً،،؛
ولا غرو فى أن الأرجنتين ألبسته ثوب الرفعة والقدوة ، حتى عندما ثبت تعاطيه للمخدرات فى مونديال أمريكا ١٩٩٤م، فهو بالنسبة لها كيان الدولة الأوحد والوحيد، وإليه تنسب ومنه تستمد القوة والحظوة بين دول العالم،؛
استحق ماردونا أن يكون نسيجاً وحده فى كرة القدم، كأفضل من ركل الكرة وغازل سحرها وسيطر على حركة دورانها داخل المستطيل الأخضر، لكن هل يستحق أن يوزن بدولة الأرجنتين؟ أو بالأحرى أن تُنسب إليه لا ينسب هو لها؟ لقد كان أيقونة كرة القدم فى الأرض جميعاً فى حقبة الثمانينيات بلا ريب ولا مناص، وبوصلة الأنظار لدى الكبار والصغار، وجعل الأرجنتين على قمة دول العالم بحصد مونديال المكسيك ١٩٨٦م، ودفعت فيه إدارة برشلونة خمسة ملايين إسترليني عام ١٩٨٢م كأغلى لاعبى العالم آنذاك، وانتقل لنابولى الإيطالي ووضعه على سلم المجد فى محافل محلية وأوروبية ودولية، وأحرز هدفين أسطوريين فى مرمي إنجلترا فى دور الثمانية بكأس العالم ١٩٨٦م، كلاً منهما يدرس إلى الآن، أحدهما بيده والثانى بمراوغة نصف الفريق الإنجليزى، وحرم إتحاد بلاده على أى لاعب أرجنتيني من بعده إرتداء فانلته رقم ١٠ لولا رفض الفيفا ذلك، وتبنته الجماهير مثلاً وأسوة على اختلاف اللون والمشرب، وتودد إليه اللاعبين لمخادنته، واحترمه المنافسون مدربين وحكاماً، فهل يشفع له ذلك فى التفرد على دولة فى الشهرة والمكانة؟
رحل ماردونا ولا ينبغى أن نترحم عليه وإن طبقت شهرته الآفاق، فقد حذرنا من ذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله لعائشة رضى الله عنها وعن أبيها لما قالت له إن ابن جدعان كان يقري الضيف ويصل الرحم ويطعم المسكين فهل ينفعه ذلك بشىء؟ قال لا لأنه لم يقل يوماً رب اغفر لى خطيئتى يوم الدين !!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: