الخميس , يناير 28 2021
أخبار عاجلة

قراءة نقدية.لنص مطرقة خرساءللكاتب سالم الحمداني / بقلم : ا. هيثم رفعت

أمتعنا الأديب الفذ الأستاذ هيثم رفعت من مصر النيل والجمال بمقالة نقدية رائعة لنصي ( مطرقة خرساء ) ..

جزيل شكري وامتناني لهذا الجهد السخي .

—————————————–

{ على بعد خطواتٍ من خشبة المسرح }

بصيص ضوء لنص ( مطرقة خرساء ) لشاعرنا العراقي العزيز سالم الحمداني

 

أولاً / النص :

( مطرقة خرساء )

في حضرة الصمت خلعت كل نواميسي

تتقافز الأفكار من مخيلتي

في ظل تزاحم الأحداق وعلامات الإستفهام

وصمت الكراسي ،

أجوبة سبقت أسئلتها

وقضبان مصفدة تنتظر على الأبواب

ونهايات محتومة مكتوبة ..

كلها علامات وإشارات

تصرخ بها الجدران

وزمن قادم وضع قداسه على سطور بوح

في كتاب مكنون ،

قبل أن تدق مطرقة العرض

نادى الحاجب

– أصلبوه وحرقوه

– فقد اغتال الشمس خلسة

في قعر الليل ،

مع أن الليل كان مسافرا

في حقيبة وثيرة خرساء

بصحبة حسناء

والشمس كانت تزف

للذئب

بقميص

قَد قُدَّ من لسانه .

————————————————-

ثانياً / بصيص الضوء :

 

حقيقة تحفة أدبية فيها كثير من الاشتغال الشعري الذي يرشحها للقصيدة الومضة المكتملة البناء من حيث شخوص النص : ( قضبان ، أبواب ، جدران ، مطرقة ، الحاجب )

وتلك الرمزية التي فتحت باب التأويل فيتسع النص لحدث خاص قصده الشاعر عن مظلوم أو برئ ما ، بل ويتجاوز ذلك بفضل تلك الرمزية لحال المثقفين والمبدعين المرمزين في النص : أصحاب( قداسة الحرف ووضعه في كتاب مكنون )

وهنا شخصياً شعرت أن النص يتحدث عن الأسطورة ” لوركا ”

وكأن النص قد وشوش لي بذلك .

ونلاحظ في الأسلوبية الشعرية أيضاً ، لهذا النص البديع اللمسة القصصية والتي رسمها شاعرنا بألوان المجاز الشعري وما صاحب ذلك من تدرج نصي

و تصاعد للحدث الشعري شيئا فشيئاً و مروره بمرحلة الطرح :

ومنذ عتبة النص ( مطرقة خرساء ) وهي رمزا للعدالة ولكنها عدالة لاتنطق بالحق

ثم محطة اقلاع المتن :

في حضرة الصمت خلعت كل نواميسي

تتقافز الأفكار من مخيلتي

في ظل تزاحم الأحداق وعلامات الإستفهام

وصمت الكراسي ،

أجوبة سبقت أسئلتها

وقضبان مصفدة تنتظر على الأبواب

ونهايات محتومة مكتوبة ..

كلها علامات وإشارات

 

والجميل هنا أن الشاعر تقمص دور السارد ، بل وشارك في قلب الحدث بالمشاهدة والحضور ( خلعت / تتقافز الأفكار من مخيليتي )

وهذا الحضور أيضاً أعطى هذا النص بعدا فلسفياً آخر؛ فهذا التواجد أو المعية الذهنية هي شكل من أشكال التضامن الوجداني لقصة ما

قرأها أو تأثر بها الشاعر وهي من أشعلت فتيل هذا الفكرة و العاطفة ،

ونلاحظ كم الرهافة الرمزية في هذا النص ( الكراسي ) رمز للشعب أو الجمهور المقهور ، وجاءت رمزية القضبان المصفدة التي تنتظر على الأبواب لتستهدف من المظلومين أيضاً وهم في حالة انتظار لرد مظالهم.

 

ثم تلى ذلك مرحلة تأزم النص ومحطة الصراع الذاتي له – المحطة الكتابية الثانية-

:

كلها علامات وإشارات

تصرخ بها الجدران

وزمن قادم وضع قداسه على سطور بوح

في كتاب مكنون ،

قبل أن تدق مطرقة العرض

نادى الحاجب

– أصلبوه وحرقوه

– فقد اغتال الشمس خلسة

في قعر الليل

 

وهنا يظهر بطل النص والذي أشعل فتيل المحبرة في هذا العرض الشعري السخي

وماحدث له في ساحة العدالة

ونلاحظ هنا أن شاعرنا قام بتطوير السرد إذ جعله في سياق حواري ليتخلص من السرد المعتاد وللحفاظ على عناصر التشويق والاثارة

الأمر الثاني الرمزية الايحائية في قوله :

نادى الحاجب ، الحاجب عادة لاينطق بالأحكام وتنحصر وظيفته في النداء على أسماء المتهمين ، أو أصحاب الدور في العرض على المحكمة

بما نفهم منه ضمنياً أن القاضي هنا هو في معزل عن منصة النطق بالأحكام

لأمرين لا ثالث لهما إما أنه معزول بعقله وضميره عن قصد

أو أنه ينفذ أمر السلطة الحاكمة التي تبطش بالناس دون رحمة

وهذا ما نصادفه كثيراً وبكل أسف في ساحات القضاء العربية حيث هتكت هذه الانطمة المستمدة بمبدأ استقلال القضاء والحديث هنا عن المأساة بحاجة إلى مجلدات …الخ

وختاماً جاءت مرحلة ختام النص أو حل عقدته؛ بشنق راهب الحرف أو الشمس ، و قتله بناء على المؤامرة التي حٍيكت له :

والشمس كانت تنزف بقميص قد قُد من لسانه )

وهذا الاستدعاء النصي احدى الفنون الكتابية لهذا العرض الشعري المبهر

حيث استهدف الاستدعاء قصة يوسف عليه السلام

وهنا كان شاعرنا أيضاً يوسف الحرف والمعنى

 

ومن كل هذا نجد أن الرمزية الرشيدة الواعية في هذا النص؛ هي حقيقية أكثر ما يميزه كونها رمزية مستساغة قابلة للفهم وبعيدا عن الطلسمة أو التلغيز وهذه هي تحديداً ورطة النص الرمزي والتي يقع فيها الكثير من الأقلام والتي تضع نصوصهم في خانة النخبوية أي لن يركب أمواج فهمها إلا النخبة وبالتالي هي في حالة انعزال عن القارئ البسيط

وبذلك تفقد أهم غايات الكتابة ، فالكتابة في الاصل ماهي إلا رسائل تنويرية و تثقيفية استهدفت الوصول لأكبرشريحة مجتمعية ، و بالتالي عدم وصولها سلامة لتلك العقول يفقدها الغاية من وجودها .

وهذا ما فطن له شاعرنا حيث قدم نصاً رمزياً بمحبرة السهل الممتنع ،

وفي خضم هذا العرض التأويلي ، لابد أن نشيد بالمزايا الفنية لهذا النص من لغة شعرية مشحونة بالعاطفة والرمزية العاقلة والتدرج النصي وأكثر ميزة فنية في هذا النص وهي قيمة مضافة للأسلوبية الشعرية ألا وهي المشاهد الحركية والأجواء المسرحية التي نجحت وبكل جدارة في هذا العرض السينمائي الساحر

فحين نقرأ هذا النص نشعر

وكأننا في الصف الأول

وعلى بعد خطوات من خشبة المسرح

 

كل التحية والشكر لشاعرنا الفذ سالم الحمداني

لهذه التحفة الأدبية الفريدة .

—————————-

———–

بقلم / الأديب هيثم رفعت / مصر

————————————————–

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: