السبت , يناير 23 2021

عبدالحميد خليفة يكتب :شهواتنا والعروة الوثقى !!

قول تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الِدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِى أوحينا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} [الشورى: 13].

لقد جاء الإسلام لا ليهدم الشرائع السماوية السابقة بل ليتممها ويكملها ، ولا غرو فجميع الرسل والأنبياء جاءوا بالحنيفية السمحة فشهدوا لله بالوحدانية ودعوا أقوامهم إلى الإسلام وبشروا ببعثة النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – فمنهم من آمن وكثير ضلوا بأهوائهم . فكفروا برسالة محمد، فخرجوا بهذا الكفران عن تعاليم الله !

قال تعالى:- { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير.} التغابن/2

لذا حرم الإسلام تزويج بناته من اليهود والنصارى تأكيدا لهذه الدورة العقدية المحكمة فكيف أسلمك ابنتي مؤمنة بكل الأنبياء وأنت تكفر بالأسس التي قامت عليها عقيدتها، وهي تحترم جميع الرسل والديانات، وأنت تجحد الله ورسوله وتفاخر بالمجون والفسوق. فالمجتمع الإسلامي وإن كان مجتمعا إنسانيا شاملا، إلا أنه مع ذلك يحتفظ بشخصيته واستقلاله. وليس هذا أمرا عنصريا، ولا مبدأ للتفريق، وإنما هو أمر أراد الله به أن يقي أتباعه من الانحدار، وأن يصون القيم الإسلامية من الانحطاط عن طريق خضوع المسلمة لغير المسلم. وكذلك تأكيدا لحكم الله بولاية المؤمنين قال تعالى ـ: (إنما وَلِيُّكُمُ اللهُ ورسولُهُ وَالذينَ آمَنُوا الذينَ يُقِيمُونَ الصلاةَ وَيُؤتُونَ الزكاةَ وهُمْ رَاكِعُونَ). وقال ـ سبحانه ـ: (والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُهم أولياءُ بعضٍ). فمُنِعت من زواجه حِفاظًا على دينها، وحفاظًا على الذرية التي يُخشَى من تَبَلْبُل أفكارها، فلا ولاية لكافر على مسلمة بحال، بإجماع أهل العلم.

فزواج المسلمة من غير المسلم من الفواحش العظمى التي نهى الله عنها، وباطلٌ بالكتاب والسنة والإجماع، ومحض زنا، ومَنْ فعلتْهُ – مستحِلَّةً له – أرتدَّت عن الإسلام – ومن فعلته بغير استحلال، وقعت في كبيرة من أكبر الكبائر.

والعجيب أن من ينكر على المسلمين المنع اليوم لا يلتفتون إلى أن اليهود والنصارى أنفسهم حرموا التزاوج من غير مللهم ، ففي سفر التكوين الإصحاح 24 العدد” 3 ، 4″ قال إبراهيم _عليه السلام_ لكبير بيته :- ” لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن بينهم. بل إلى أرضي و إلى عشيرتي تذهب و تأخذ زوجة لابني إسحق ” ثم تكلم الرب بعد ذلك على فم موس موصياَ شعبه قديماَ في ( سفر تثنية الإصحاح 7 العدد 3 ) ” لا تصاهرهم بنتك لا تعط لابنه و  بنته لا تأخذ لابنك” ، وعند النصارى أن اختلاف الدين مانع من الزواج ، فلا يجوز زواج يهودي بمسيحية ، ولا زواج مع اختلاف المذهب في الدين الواحد ، كزواج أرثوذكسي من كاثوليكية .

ولكن لماذا الكيل بمكيالين تبيحون زواج المسلم من الكتابية وتحرمونه على المسلمة ؟

إن زواج المسلم من المشركة حرام قطعا لأنها لا تعترف بأي دين سماوي. قال – تَعَالَى – (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)، ومن الكتابية رخصة بشروطه زواجا شرعيا من محصنة ذات عفة، خالية مما يؤدي إلى إضعاف الأسرة المسلمة أو إفسادها.

فبزواجه من كتابية مسيحية أو يهودية فإنه مأمور باحترام عقيدتها، ولا يجوز له أن يمنعها من ممارسة شعائر دينها والذهاب إلى الكنيسة أو المعبد. وكذلك الاحترام من جانب الزوج لعقيدة زوجته وعبادتها. وفى ذلك ضمان وحماية للأسرة من الانهيار.

 فالمسألة ترجع إلى ما يعرف في فقه الزواج: بالكفاءة؛ لذلك وجب أن يكون الرجل مساويا للمرأة في العفة، والاستقامة، فإن كان مفضوحا بالزنا فلا يعتبر كفئا للعفيفة، حتى وإن تاب وحسنت توبته.

روى البخاري: تزوج حذيفة يهودية بالمدائن، فكتب إليه عمر: أن خل سبيلها، فكتب إليه حذيفة: أحرام هي؟ فكتب إليه عمر: «لا ولكن أخاف أن تواقعوا المومسات منهن». فنرى أن عمر – رضي الله عنه – إنما ذهب إلى ما في الآية وهو قوله : {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} فبقوله: إن الله إنما اشترط العفائف منهن وهذه لا يؤمن أن تكون غير عفيفة  “متفق عليه / صحيح البخاري باب الأكفاء في الدين.”

ويقول الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ” رب البيت المسلم يستحيل أن يمر بخاطره أن يهين موسى وعيسى، إنه يحترمهما كما يحترم نبيه محمدا، ويصفهما بالوجاهة والرسالة وقوة العزم وصدق البلاغ!     وهذا معنى يلقي السكينة في نفوس أتباعهما.

أما اليهود والنصارى فإن ضغائنهم على محمد أعيت الأولين والآخرين، وقد استباحوا قذفه بكل نقيصة. أنهم يمنحون أعظم جائزة أدبية لكل نكرة، كل بضاعته شتم محمد والولوغ في عرضه والتهجم عل حرمه! فكيف تعيش مسلمة في بيت تلك بعض معالمه؟ “

القضية أننا أفرغنا الزواج من مراد الله فيه واعتبرناه قضاء شهوة فبنينا فيه أحكاما غريزية ضللنا بها عن سبيل الرشاد، ولكنه في الأصل أمر تعبدي وميثاق غليظ لوثناه بشهواتنا، رغم كونه سلم لرضى الله وبناء بيت مسلم ومدرسة لتربية نشيء يوحد الله

قال -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع يعظ الناس: “اتَّقوا الله في النساء، فإنَّكم أخذتموهنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله، فاستوصوا فيهنَّ خيرًا”. فكيف يراعي غير المسلم هذه المعاني فيمن ينكر دينها؟

إن الزواج من أشرف المواثيق بكلمة الله ورسوله فيه فلا هو عقد بيع ولا إيجار ولا استرقاق كما كانت حال النساء قبل الإسلام، لكنه ميثاقا غليظا ولهذا التعبير قيمته في الإيحاء بمعاني الحفظ والرحمة والمودة، فالزواج في نظر القرآن عهد شريف وميثاق غليظ ترتبط به القلوب وتختلط به المصالح، ويندمج به كل من الطرفين في صاحبه فيتحد شعورهما، وتلتقي رغباتهما، وآمالهما (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن). علاوة على أنه ميثاق لربط العوائل والأسر بروابط يستحيل قطعها وتقوية للعصبات ونظام يضمن نظافة المجتمع وطهر أعضاءه

فكيف يحقق مراد الله مع غير أولياءه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: