الثلاثاء , يناير 19 2021

الشعر والشعراء والوطن في قصيدة “وحدي هنا “للشاعر العربي زهير السيلاوي ……. بقلم // يبات علي فايد

 

الشعر والشعراء والوطن في قصيدة

وحدي هنا

للشاعر العربي، زهير السيلاوي

بقلم/ يبات علي فايد

شاء هذا الإيحاء أن يُقَسَّم إلى خمسة أجزاء:
الجزء الأول تناول مسألة أرق الشاعر، وتحدث في الجزء الثاني إلى أزمان كتابة الشعر وفق رؤيته وحالته الآنية ربما. وفي الجزء الثالث تحدث عن ماهية الشعر، وأيضا وفق موقفه الآني برأيي. وفي الجزء الرابع تحدث عن الشاعر الفحل، والشاعر الشاعر الحق. ثم ينداح في مقطع القصيدة ليعدد آلام أمته، ويعول على الشعر كثيرا أملا على شفاء تلكم الآلام، فإلى النص.

أحتاجُ ليلينِ حتى أعبر الأرقا
أرى الكواكبَ لكن لا أرى نفقا

الفكرةُ الآن وحدي هائمٌ قلِقٌ
وساعةُ الصفرِ عتمٌ عانقَ القلقا

سينجلي الليلُ لكن من يرافقني؟
من يضمنُ الفجرَ أن لا يقطعَ الطرقا ؟؟

وحدي هنا الآن لا أنثى تسامِرني
كي أكسرَ الصمتَ .. والمعنى إذا انغلقا ..

أحتاجكِ الآنَ صوتي غارقٌ بفمي
وكيف يُبحرُ من لا يحسنُ الغرقا ؟

الليلُ خيرُ رفيقٍ رغمَ وحشتهِ
والقلبُ أطيبُ خلقِ اللهِ .. لو عشقا ..

لا نكتبُ الشعر إلا حينَ تحضرنا
كل المجازاتِ أو حلمٌ لنا شُنِقا

لا نكتبُ الشعرَ إلا حينَ نرسله
كالحقِّ إمّا رآه الباطلُ انمحقا

أو يخسفُ الأرضَ داءٌ لا دواءَ له
فيه العذابُ على ذنبٍ لنا سبقا

سأكتبُ الشعرَ لكن من سيضمنُ لي ؟؟
لو أشعلَ الحرفَ .. أن لا يحرقَ الورقا

الشعرُ نارٌ إذا أشعلتَه حرقا
والحرفُ سهمٌ إذا صوّبته خرقا

الشعر كالعشقِ لا يأتي بلا حممٍ
والقلبُ شعلتُه نارٌ إذا خفقا

الشاعرُ الفحلُ من يرمي بقنبلة
وينزعُ النونَ …… كي يرمي بها عُنُقا

والشاعرُ الحقُّ من فاضت مشاعرُه
ما ضلَّ صاحبُه يومًا بما نطقا

عما قليلٍ ستصحو بعضُ نخوتنا
لنكتبَ الحق عن حلمٍ لنا سُرقا

ستفصحُ الشامُ عن جرحٍ ألمّ بها
ويصرخُ النيلُ من سدٍ له خنقا

ونهرُ دجلةَ يجري دون معرفةٍ
أن العراقَ على جنبيهِ قد سُحقا

وحينَ يطلبنا قدسٌ لنجدتهِ
قد يدركُ الصخرُ كم عارٍ بنا لحقا

أقول للصحبِ .. هل في الشعر من أملٍ ؟؟
فردّدَ البيتُ في شطريهِ لو صدقا

إن لم تُداوِ جراحي كلَّ قافية
فالشعرُ حينئذٍ ….. قد زادنا رهقَا

المطلع:
أحتاجُ ليلينِ حتى أعبر الأرقا
أرى الكواكبَ لكن لا أرى نفقا

الفكرةُ الآن وحدي هائمٌ قلِقٌ
وساعةُ الصفرِ عتمٌ عانقَ القلقا

سينجلي الليلُ لكن من يرافقني؟
من يضمنُ الفجرَ أن لا يقطعَ الطرقا ؟؟

وحدي هنا الآن لا أنثى تسامِرني
كي أكسرَ الصمتَ .. والمعنى إذا انغلقا ..

أحتاجكِ الآنَ صوتي غارقٌ بفمي
وكيف يُبحرُ من لا يحسنُ الغرقا ؟

الليلُ خيرُ رفيقٍ رغمَ وحشتهِ
والقلبُ أطيبُ خلقِ اللهِ .. لو عشقا ..

يعيش الشاعر حالة من أرق كبيرة، والشاعر يصف الأرق مجسدا، فهو يراه امتدادا ينبغي أن يقطعه، وأنه محتاج في مسيرته هذه إلى قطع فيافي الليل مسيرة ليلين، وليلين تعني وجود نهارٍ بينهما، إذ لا يأتي الليل الثاني إلى بعد بزوغ نهار، إذن الشاعر يحتاج إلى ما يقارب 36 ساعة من جهد ليصل إلى النوم. لكن التساؤل، هل حقا الشاعر يحتاج إلى نوم حقيقي، أم أنه عني بلوغ مأرب له؟ برأيي أنه إنما عنى بلوغ مأرب، ودليلي على ذلك قوله: أرى الكواكب لكن لا أرى نفقا. فهو في مهمة وعملية قتالية، يبحث فيها في الصحراء عن نفق يبلغه هدفه ولا يستطيع تيها في الصحراء والظلمة التي تتيح له رؤية الكواكب. وليس أدل على ما أقول اختياره مفردات من مثل: ساعة الصفر، قلقُ، يقطع الطرقا. كلها توجسات رجل مقبل على عملية فدائية يقلقه فشلها.

نعم، الشاعر وحده، وهائم بحثا عن نفق يفضي به إلى هدفه، وها هي ساعة الصفر معتمة، تعانق قلقه.

ثم ها هو يقول بانجلاء الليل، ويقيني أنه عني الاستبداد والاستعمار، ثم يتساءل عمن يرافقه ليه هذا، وهو في ذات الوقت خائف أن يقطع طريق مهمته قاطع .

ثم ها هو يحتاج إلى أنثى تسامره لحظة القلق هذي، وهذه حقيقة، فإنا نحتاج في ساعات القلق إلى متكأٍ مريح، وليس ثَمَّ مثل الأنثى من رفيق، يهب النفس طمأنينة، وسكينة. وأحسن الشاعر كثيرا إذ رأى أن كسر الصمت، بل وتفتق الذهن يكون إذا تشبع الرجل من أنثاه، ويمكن عكس الفهم ههنا للأنثى اتفاقا.

ها هو يُصرِّح بحاجته إليها، وما أجمل الصورة وهو يقول:
أحتاجكِ الآنَ صوتي غارقٌ بفمي وكيف يُبحرُ من لا يحسنُ الغرقا ؟

نعم هي لحظات الخوف، والترقب، لحظة ما قبل لحظة الصفر، أصعب لحظات الترقب، عندها تبلغ بالفعل القلوب الحناجر، وما بعدها يهون وإن كان لحظة القتال والاشتباك.

“صوتي غارقٌ بفمي”، تعبير صادق للحظة حاسمة، لحظة يتراجع فيها الصوت ويختنق، ثم يكتمل الجمال حين يقول: ” وكيف يُبحرُ من لا يحسنُ الغرقا ؟” فالشاعر ههنا لا يقول من لا يحسن السباحة، وإنما من لا يحسن الغرقا، بمعنى من لا يحسن اختيار الموت على فدى لمعتقداته، وإيمانه بها كل إيمان، إيمان لا يداخله دخن.

ثم يعود الشاعر إلى واقعه، إذا لا خليلة في هذه اللحظة، ويقنع منها بالليل رغم وحشته رفيقا وصاحبا.
الليلُ خيرُ رفيقٍ رغمَ وحشتهِ و
القلبُ أطيبُ خلقِ اللهِ .. لو عشقا ..

وههنا يضع حقيقة آمن بها، وهي أن القلب أطيب ما خلق الله من خلق، شريطة أن يكون عاشقا.
فهل عنى العشق على إطلاقه؟ ربما، لكنِّي إلى حب الأوطان أميلُ.

في الجزء الثاني يقول الشاعر:
لا نكتبُ الشعر إلا حينَ تحضرنا
كل المجازاتِ أو حلمٌ لنا شُنِقا

لا نكتبُ الشعرَ إلا حينَ نرسله
كالحقِّ إمّا رآه الباطلُ انمحقا

أو يخسفُ الأرضَ داءٌ لا دواءَ له
فيه العذابُ على ذنبٍ لنا سبقا

سأكتبُ الشعرَ لكن من سيضمنُ لي ؟؟
لو أشعلَ الحرفَ .. أن لا يحرقَ الورقا

يضع الشاعر محددات لكتابة الشعر، ومحفزات إن شئنا فما هي هذه المحفزات الكتابية؟

– حضور المجازات.
ولعله بحضور المجازات يعني ورود الإلهام، وانثيال الشعر وتدفقه في ساعة تنزُّل.

– حلم للشعراء مشنوق.
ويعني أن يقع على الشاعر ظلمٌ، فتشنق أحلامه، وتوأد أمانيه، وتدفن أمانيه.

– أن يكون الشعر حقا يزهق باطلا.
ويعني الغضب لأجل الحق، قبالة الباطل، وللحق قوة وأية قوةَ.

– أن يعاقب الشاعر بخسف على ذنوب له سلفت.
ولعله عني لحظات كتابة الشعر ندما على ذنوب سلفت، وأخطاء ارتكِبت، فعاد فيها الشاعر إلى ربه مستغفرا.

هكذا يبين لنا الشاعر أسباب قول الشعر برأيه، أو هكذا يلخصها إجمالا.
ثم إن الشاعر في آخر بين من هذا الجزء يأتي بصورة جميلة، وذلك أنه قرر أن يكتب الشعر، لكن من يضمن ألا تحترق أوراقه من حر حروفه التي سينزلها بالورقة؟

ثم يحدثنا عن الشعر والشاعر في بيتين لكل:
الشعرُ نارٌ إذا أشعلتَه حرقا
والحرفُ سهمٌ إذا صوّبته خرقا

الشعر كالعشقِ لا يأتي بلا حممٍ
والقلبُ شعلتُه نارٌ إذا خفقا

الشاعرُ الفحلُ من يرمي بقنبلة
وينزعُ النونَ كي يرمي بها عُنُقا

والشاعرُ الحقُّ من فاضت مشاعرُه
ما ضلَّ صاحبُه يومًا بما نطقا

يؤكد الشاعر حقيقة في رأيه، وهي أن الشعر نارٌ إن أشعلْتَه، وعليه فإن الشاعر يضع للشعر صفة لحالة من حالات الشعر، وهي إشعاله، فالشاعر إن أشعل الشعر أحرق، وكذلك الحرف إنما هو سهم، إن صوبته مستخدما إياه أداة للقتال، خرق من اتجه إليه.

ثم يؤكد الشاعر حقيقة أخرى وهي أن الشعر كالعشق، لا يأتي بغير حمم. ثم يقرر ويؤكد حقيقة ثالثة، وهي أن شعلة القلب إنما هي نار إن خفق. خفق بم؟ ربما بالإيمان بالمبادئ.

ثم يتحدث في بيتين عن الشاعر الفحل، والشاعر الحق:
ويقول: إن الشاعر المجيد هو الشاعر الذي يرمي بقنبلة، وينزع النون كي يرمي بها عنقا.

فهو ههنا ينسحب من المعركة القتالية إلى معركة أخرى، فالقنبلةُ بنزعِ فتيلها النون، تُضحي قبلة، ويرمي بها عنقا، ليس عنق عدو، وإنما عنق حبيب، أي يطبع قبلة على عنقها.

ويعرِّف الشَّاعرَ الحقَّ بأنه من تحركت وفارت، وفاضت مشاعره، وهو الشاعر الذي لا يضل ولا يشقى صاحبه بما يقول، بل يعتد به ويعتز بقوله، لأنه لا يقول إلا الحق مناصر إياه، وزاهقا بقوله الباطل.

وفي مقطع القصيدة، يؤمل الشاعر بأن تستيقظ نخوة العرب، لإعادة الحقوق التي سرقت منهم، ثم يعدِّد مواضع الألم، بالشام، والنيل، والعراق، والقدس. ثم يقول أن ثمَّة عار، وعار كبير، لحق بالأمة لتضحي على الحال الذي وصلت إليه بعد عزة وإباء.

عما قليلٍ ستصحو بعضُ نخوتنا
لنكتبَ الحق عن حلمٍ لنا سُرقا

ستفصحُ الشامُ عن جرحٍ ألمّ بها
ويصرخُ النيلُ من سدٍ له خنقا

ونهرُ دجلةَ يجري دون معرفةٍ
أن العراقَ على جنبيهِ قد سُحقا

وحينَ يطلبنا قدسٌ لنجدتهِ
قد يدركُ الصخرُ كم عارٍ بنا لحقا

أقول للصحبِ .. هل في الشعر من أملٍ ؟؟
فردّدَ البيتُ في شطريهِ لو صدقا

إن لم تُداوِ جراحي كلَّ قافية
فالشعرُ حينئذٍ قد زادنا رهقَا

شكرا الشاعر الجميل السيلاوي على منحنا هذه المتعة في نص رفيع، سبح بنا في سموات الإبداع الشعري، ناقش فيها عديد الشؤون في نص جميلٍ جميل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: