الإثنين , يناير 18 2021

هَمسُ البَنَفَسـجِ ……… بقلم // افتخار هديب

#هَمسُ_البَنَفَسـجِ

كانَ الوقتُ يتمطَّى في كسلٍ مثيرٍ للأعصاب، والدَّقائقُ مثل قطارٍ صدئٍ قديمٍ، تمرُّ فوق قلبي المسكين، الذي باتَ مثل سكَّة الحديد، يئنُّ منذ الأزل، تحت صرير عجلاته.

وقفتُ أمام المرآة، وأمعنتُ النَّظر، فأصابتني الدَّهشة.
مَن هذهِ ..!؟
هذا الوجهُ لاأعرفه
هو يُنكرُني .. وأنا أنكره
لِمَ كلُّ هذه الألوان ..!؟

اتَّجهتُ إلى الحمَّام، غسلتُه جيداً، وأزلتُ عنه كلَّ مساحيقِ التَّجميل التي مافكرتُ سابقاً باقتنائها واستعمالها، لكنَّ هذا اليوم مختلفٌ ومميزٌ، أحببتُ أن أبدو فيه جميلةً ولو قليلاً، لكنني مع الأسف، وقعتُ بالفخ ذاته الذي تقع به جميع الفتيات، حين ظننتُ لوهلةٍ، أنَّ سرَّ جمال الأنثى، يكمنُ في مساحيقِ التَّجميل هذه.

وقفتُ أمام المرآة من جديدٍ
بشرة سمراء وعينان سوداوان واسعتان ورثتهما عن أمِّي رحمها الله.
أمسكتُ بمرود مكحلتها ، ووضعتُ الكحل العربيَّ داخل عينيّ.
وبسرعةٍ طفت على سطح ذاكرتي ابتسامتُها الدَّافئة، حين جرَّبَتْ أن تضعَهُ لي وأنا في العاشرة من عمري ثمَّ همستْ لي بحبٍّ: عندما تكبرين ياأميرتي لاتستخدمي إلَّا هذا الكحل، فالله قد وضع سرَّ جمال الانسان في عينيه.
بريقٌ نقيٌّ كبريق عينيك، وروحٌ طاهرةٌ كروحك، ستكون عيناك مرآتهما العذبة الصَّافية، المؤطَّرة بكحل الأثمد.

تجوَّلَتْ عيناي بملامحي المهمَّشةِ بتروٍ
فمٌ صغيرٌ جداً، أنفٌ دقيقٌ، وشعرٌ كستنائيٌّ متماوجٌ
#فتاةٌ_عاديَّةٌ_جدَّاً
#الجميع_يمرُّون_بجانبي_ولايرونني!!
..
..

جلستُ على الكرسيِّ القريب، وأسندتُ رأسي على كفِّي.
همستُ لنفسي في حيرةٍ:هل حقاً أريد أن ألتقيَ به؟

مرَّت حياتي أمام عينيَّ كشريطٍ سينمائيٍّ حزين.
فقدتُ أمِّي وأنا في الثَّانية عشرة من عمري، انتقلت إلى بارئها، وتركت وراءها لأبي ميراثاً جميلاً وثقيلاً:
أنا وأخواي محمد وعبدالله وأختي الصغرى لينا.

كان أبي نبيلاً جدَّاً، رفض أن يتزوَّج من امرأةٍ أخرى بعد رحيل أمّي، ونذر نفسه من أجل تربيتنا على أجمل وأفضل مايكون.
اتَّخذَ دور الأمِّ والأب معاً، وتفانى جداً في خدمتنا ومحبَّتنا وطيب معاملتنا، وتقديم كلِّ مايلزمنا.
ولكنَّ ذلك كلَّه كان على حساب صحَّته.
فحين نال التَّعبُ من الجواد الأصيل، بعد ذلك الجريِّ الطَّويل، في مضمار السَّبق المليء بالشَّوك، والذي ليس له نهاية، انهار من الاعياء، وكانت قد مرَّت على وفاة أمِّي حينذاك ثلاثُ سنواتٍ.
رقدَ أبي في المنزل مريضاً مجهداً، واستمرَّ مرضه فترةً طويلةً هدَّدت سكينة منزلنا وطمأنينته، لذلك كان لابدَّ من تدارك الوضع بسرعةٍ.
ولأنَّني كنتُ الأخت الكبرى، كان هذا الأمرُ مسؤوليتي، وصار لزاماً عليَّ أن أضحِّي لإنقاذ عائلتي، ومساعدة أبي في حمل هذه الرِّسالة السَّاميَّة، كالمبشرات المنذورات لله
#فالتَّضحية_في_سبيل_العائلة_كالنُّبوَّة
عليك أن تحرص على أن تبلِّغها بكلِّ أمانةٍ وصبرٍ و رضا، حتَّى النِّهاية.
وهكذا تخلَّيتُ عن دراستي رغم اعتراض أبي الشَّديد، وأصبحتُ أمَّاً لأبي وأخوتي، وأنا في الخامسة عشر من عمري فقط.

مرَّت السَّنواتُ بطيئةً ومرهقةً، كنتُ خلالها أراقبُ أخوتي يكبرون أمام عينيّ، وأسعى بحبٍّ وحنانٍ جنباً إلى جنبٍ مع والدي، لتأمين الرَّاحة والسَّعادة لهم.
وعندما كان يحين وقت النَّوم، كانت عينا أمّي ترتسمان في عتمة سديم أيامي، تبتسمان لي بوداعةٍ، وصوتها الهادئ الحنون يهمس لي بالدُّعاء، ويخبرني أنَّها راضية عنِّي، وتبشِّرني بأنَّ الله لن يضيع عنده ثواب هذا العطاء.
فأجيبها بحزنٍ: إنَّما هو شوقي إليك فقط ياأمَّاه، أمَّا أبي وأخوتي فهم فرحتي وأماناتك عندي، ولن أفرِّط بهم أبداً.
..
..

كنَّا نجلس في صالة منزلنا ذلك المساء، وتجلس معنا جارتنا أمُّ بهاء، التي كانت قد اتَّصلت وألحَّت في طلب الزِّيارة.
وبدون مقدِّمات قالت موجِّهةً حديثها لأبي: إنَّني قدمتُ إليكم اليوم، لأتشرَّف بطلب يد ابنتكم الدّكتورة لينا لابني المهندس بهاء.

#لينـا !!؟؟
و أصبتُ بالذِّهولِ!!

في تلك اللحظة فقط، أدركتُ أنَّ سنوات العمر قد مضت، وأنَّ تلك العصافير التي كنتُ أضمُّها تحت جناحَيَّ، قد أصبح زغبها ريشاً، وعمَّا قريبٍ ستحلِّقُ بعيداً عنِّي، لتنشِئ لنفسها أعشاشها الخاصَّة.

أصابني رعبٌ شديدٌ، فماذا سيحلُّ بي عندما يغادرون!؟
هل تُراني فقدتُ ريشي كلَّه وأنا أقتلعهُ بالتَّدريج وأنثره فوقهم، ليكون معطفَ قرِّ شتاء أيامِهم، وظلَّ قيضِّ السَّنوات !؟
..
..

تفرَّستْ صديقتي رنا في وجهي بإمعانٍ وقالت: إنَّكِ في حالةٍ يُرثى لها، مارأيكِ أن أحمِّلَ لكِ تطبيق الفيسبوك على هاتفك النَّقال، علَّهُ يخرجكِ من ظلمة وحدتك هذه، قبلَ أن تبتلعَكِ؟
نظرتُ إلى وجهها بهدوءٍ واستسلامٍ، وناولتها الهاتف.
ماعدتُ أملك طاقةَ الرَّفض والجدال، وباتت جميع الأشياء عندي متشابهةً
أحتاج للحرف التَّاسع والعشرين
والحرف الثلاثين .. ومابعدهما
من حروف الهجاء
لأصف مشاعري التي توقَّفت فيها
معـالم الحيـاة.

سألتني صديقتي بفرحٍ وانفعالٍ: ماذا تحبِّين أن يكون اسم صفحتكِ الشَّخصية؟يجب أن تختاري اسماً يعبَّر عنك وتحبِّينه، هذا إذا لم تكوني راغبةً بوضع اسمك الحقيقيِّ.
بدأ الأمر يثير فضولي، فقلتُ دون تردُّدٍ:
#همسُ_البنفسجِ
و وسط ركام الحزن والتعَّب الذي كان يلمُّ بي و يخنقني، بادرتُ بالنَّشر فوراً:
خارجُ القوقعةِ
على حافَّة محاولةٍ
وأعلمُ أنَّني سأتشظَّى بالضَّوءِ
كَمَن يفتحُ البابَ لنورِ الشَّمسِ
وهوَ الذي أمضى حياتَه
في ظلالِ المحاريبِ.

أحدهم تفاعل مع المنشور بأحببته،
ثم كتب تعليقاً:
“افتحي عينيكِ ببطءٍ، حتَّى تعتادا النُّور، فالعالمُ في الخارجِ جميلٌ، رغمَ قسوتِه!

نظرتُ للاسم وهمستُ لنفسي: من يكونُ خالدٌ هذا؟

في الخامس عشر من ذلك الشهر ( أكتوبر )تمَّت خطوبة أختي لينا على جارنا الشاب المهندس بهاء،
وكانت المصادفة الغريبة جداً، أنَّه كان يتوافق مع يوم ميلادي الثَّاني والثَّلاثين:
“هل صحيحٌ أنَّ كل َّهذا الوقت مضى!؟”

في المساء نشرتُ على صفحتي الفيسبوكية:
#مباركة_خطوبتك_ياملاكي
#صغيرتي_كبرتْ_دونَ_أن_أشعرَ_بذلك!!
ووضعتُ مع الكلمات صورة كرتونيَّة تشبه روحي، لطفلة بنفسجيَّة بجناحَيِّ ملاكٍ.

ولأنَّ اهتمامه بالصَّفحة كان واضحاً، وصلني تعليقه مباشرةً:
مباركٌ لها سيِّدتي، وطوبى للأمَّهات أمثالك.

#أضاءَ_نورٌ_بين_جوارحي
فكتبتُ ردَّاً على تعليقه:
نعم .. هي كابنتي، فأنا التي ساعدتُ والدي بتربيتها وتربية أخويها بعدَ وفاة أمّنا، لكنها أختي الصُّغرى، فشكراً لقلبكَ النَّبيل.
..
..

عدتُ الآن إلى الواقع، نظرتُ إلى السَّاعة بِـوَجَلٍ، إنَّها تقترب من السَّادسة مساءً، و قد حان موعد ذهابي للمقهى القريب، الذي اتَّفقنا على اللقاء به، لنتعارفً وجهاً لوجهٍ لأوَّل مرَّةٍ، بعدَ كلِّ تلك الشُّهور الملحميَّة التي أمضيناها مابين كَرٍّ و فَرٍّ، وقبل أن تُبنى جسورُ الثِّقة، والمشاعرُ التي تسيرُ على استحياءٍ بيننا.
ابتسمتُ وأنا أراجعُ في رأسي كلماتَه الحازمة:
ّيغضبُني الجبناءُ والمتردِّدون، إذا لم تحضري هذه المرَّة، فسيكون ذلك آخر عهدنا.

حملتُ كتاب (الأجنحة المتكسِّرة) لجبران خليل جبران، ومعه زهرة البنفسج التي اتَّفقنا أن تكون الوسيلة لمعرفةِ أحدنا للآخر، وخرجتُ من البيت، متجهة إلى المقهى.

كم كان استغرابه كبيراً حين علم أنَّني لم أحصل إلَّا على الشَّهادة المتوسِّطة.
-أنت مثقفةٌ وذكيةٌ جداً يارنيم، من الواضحِ أنَّ اهتمامكِ بتعليمِ أخوتك قد أورثك علماً غزيراً، عليكِ أن تجتهدي وتنالي شهادتك الثَّانويَّة، فالجامعيَّة، اثنانٌ وثلاثون عاماً فقط، لازلتِ في مقتبلِ العمر، ولم يفت الوقتُ بعد كما تتوهَّمين.

#وهكذا_كانت_البداية
أمضى معي عدَّة شهورٍ على المسنجر، نعدُّ مفاجأةً لعائلتي، فيشرح لي كتابةً كلَّ مايستعصي عليَّ فهمه، كل ذلك وهو لايعرف من أنا بالحقيقة.
لقد رويتُ له تفاصيلَ حياتي كاملةً، ولكن بدون أن أذكر له اسماً واحداً يشير إلى عائلتي.
#وكان_نجاحي_باهراً_جداً
#و_فرحةً_كُبرى_للجميع
..
..

كانت الشَّوارعُ خاليةً، والمساءُ هادئاً .. نديَّاً يثيرُ الشَّجن، ويحرِّك خصلةَ تتدلى بخفر على جبين قلبي، فيزدادُ اضطرابُهُ.

يتردَّد الآن في مسامعي، صوتُه الهادئُ الرَّزينُ:
أنت ملاكٌ يارنيم، لقد أدَّيتِ رسالةَ أمّكِ بأمانةٍ وتفانٍ، ورغم أَنَّ مجاديفُ القاربِ الكبير أجهدتْ ذراعيكِ النحيلتين، وأنتِ تقاومين الأمواج، وتجدِّفين مع والدك بصبرٍ وإصرارٍ، لتصلا بإخوتك سالمين إلى برِّ الأمان، إلا أنَّهما وهبتاكِ قوَّةً وإرادةً وصدقَ عزيمةٍ.

-خالدٌ ..اسمٌ جميلٌ .. فمن هو خالد؟
-أنا ياصغيرة رجلٌ في الأربعين من العمر، والدي رحمه الله كان رجلاً بسيطاً، يعمل ساعي بريد، وعندما ماتَ، أصبحتُ أنا رجلَ البيت، وسندَ أمِّي وأخوتي بعد الله، وهكذا تَرَينَ أنَّنا متشابهان، مع فارقٍ بسيطٍ، وهو أنَّني لستُ مستسلماً مثلك، فبعد أن بلَّغتُ الرِّسالة، اجتهدتُ وحصلتُ على شهادتي الجامعيَّةِ في الأدب العربيِّ،
وأنا الآن مدرِّسٌ للُّغةِ العربيَّة في إحدى ثانويات المدينةِ.

-تأخَّر الوقت، والسَّهر يضرُّ بعينيك النَّجلاوينِ، ماذا تفعلين؟
-أقرأ كتاباً لجبران خليل جبران،
(الأجنحةُ المتكسِّرةُ)، ثمَّ من أين توهَّمتَ أنَّ عينيَّ نجلاوان!؟
-ياصغيرة ..! لم تتكسَّر أجنحتُك، فأنت كالصُّقور، هي فقط تنزعُ ريشَها عندما تشعرُ بالوهنِ لتتجدَّدَ، وتعود أقوى ممَّا كانت، وأعلم أنَّ عينيك نجلاوان بالفراسةِ، لنقل إنَّني أتبعُ إحساسي.
..
..

اتَّخذتُ ركناً قصيَّاً هادئاً في المقهى، بعيداً عن الأنوار والصَّخب والازدحامِ، وطلبتُ من النَّادلِ فنجان قهوةٍ، ثم جلستُ أرتشفه بهدوءٍ.
#القهوة_صديقتنا_الوفيَّة_في_كلِّ_الأوقات

وضعتُ كتاب جبران على الطَّاولة؛ وأمسكتُ بزهرة البنفسج أتمعَّنُ فيها، وأتساءلُ بمحبَّةٍ عن السِّرِّ الإلهيِّ بلونها الشَّجيِّ.

_لماذا تحبين البنفسج يارنيم؟
_إنَّه رمزُ الوفاء، رفيقُ الأموات إلى مثواهم الأخير .. في لونِه سحرٌ عجيبٌ يتغلغل لأعمقِ أعماق الرُّوح، أمَّا رائحته فزكيَّةٌ جدَّاً بكلِّ أنواعه، تحلِّقُ بك عالياً، وتأخذكَ إلى عوالمَ ساميَّة سرمديَّة، لاتعرفُ إلَّا الطُّهر والنَّقاء.

تسمَّرت عينايَ على السَّاعة، إنَّها السادسة تماماً.
تقلَّصتْ أصابعي التي تمسكُ بالزَّهرة بقوَّةٍ، وأخذتْ يدي ترتجفُ من الاِنفعال، بينما داخل صدري مضطربٌ كموجٍ عاتٍ، وسط عاصفةٍ قويَّةٍ.
برزَ بباب المقهى شابٌ أنيقٌ، طويلٌ ..شديدُ الوسامةِ.
أخذَ يجولُ ببصرهِ في وجوهِ روَّاد المقهى بهدوءٍ.
شعرتُ باضطرابٍ شديدٍ، فأشحتُ بوجهي عنه.
نظرتُ إليه بطرفٍ خفيٍّ، ثم تنفَّستُ الصُّعداء، فهو لايحملُ بيده زهرةَ بنفسج.

عاودني الاضطرابُ من جديدٍ، حين اختار طاولةً قريبةً منِّي.
“يبدو أنَّه مثلي يكره الأضواءَ والضَّوضاء”

طلب فنجان قهوة، وجلس يرتشفه بهدوءٍ، وعيناهُ تتابعان شيئاً ما على هاتفه،
بينما عينيَّ أنا معلقتانِ بالباب.
كانت الدقائق تمضي وتمضي، والوقت يمرُّ، دون أن يظهر أحدٌ.

فجأةً..! شعرتُ بالدِّماء كلّها تندفعُ إلى وجهي بقوَّةٍ
“إنَّه يُحدِّقُ بي”

حاولتُ أن أخفيَ ارتباكي، فتشاغلتُ عنه بزهرة البنفسج التي كانت ترقدُ بسلامٍ في حضني، وحين شعرتُ أنَّني بتُّ بمأمنٍ من سهامِ عينيهِ، رفعت رأسي بحذرٍ، وعندها أحسست أنَّ الدَّمَ قد تجمَّد في عروقي، فأمام عيني المذهولتين، وضع هاتفه جانباً، و مدَّ يده داخلَ جيبه، ليُخرِجَ منهُ زهرةَ بنفسجٍ نَضِرَةٍ تكادُ تنطقُ لشدَّةِ جمالِها، ويضعُها في كأسِ الماءِ الموجودةِ بجانب فنجان قهوته الموضوع فوقَ طاولته.
“لقد أشفق عليها من الذبول،
ولم يشفق على قلبي
من شدة وسامته،
التي كان فيها مقتلي”

أصبحتُ كالمُصابةِ بالحُمَّى من شدَّة الأسى والانفعالِ، أرتجفُ بقوَّةٍ من قمَّة رأسي إلى أخمص قدميّ، وأقاومُ دموعي بضراوةٍ، حتَّى لاتنساب على صفحة وجهي وتفضحني.
“اللهم قوة ..
حتَّى أتمكَّنَ من النُّهوض والمغادرة”

أمسكتُ بكتابِ جبران،
وضعتُه في حجري،
أخفيتُ زهرةَ البنفسجِ داخله،
وأطبقتُ عليها بقوَّة،

استندتُ إلى الطَّاولة وحاولتُ النُّهوض، فخانتني قدمايَ، وكادتْ الطَّاولة أن تسقطَ على الأرض.

اندفعَ من مكانه بسرعةٍ كفارسٍ نبيلٍ، وكعهدي بهِ، ثمَّ أمسكَ بها في آخر لحظةٍ، قبل أن نقع معاً.
-آنستي ..! هل أنتِ بخير؟

هززتُ رأسي بشدَّةٍ لأؤكِّدَ له أنِّي بخير، وأمسكتُ بحقيبتي ، ثمَّ نهضتُ بماتبقَّى من عزمٍ لدي، وأنا أشيح بنظري عنه.

خرجتُ من المقهى بسرعةٍ، وعند الباب شهقتُ الهواءَ ملءَ رئتي، فأصابني الدِّوار.
أسرعتُ إلى الحديقةِ القريبةِ
جلست متهالكة على أوَّل مقعدٍ فيها، وانخرطتُ في بُكاءٍ مريرٍ، وأنا أُجهضُ آخرَ أمنياتِ قلبِي.

أخرجتُ هاتفي من الحقيبة وأنا أهمسُ لنفسي بألمٍ: لقد انتهى كلُّ شيءٍ الآن، سأحذف الفيسبوك، وأختفي من حياته للأبد.

عانقتْ عيناي رسائلهُ على المسنجر،
إذا فقد كان يراسلني حين كان يمسكُ بهاتفه وهو يرتشف قهوته بالمقهى.

-أيَّتها الجبانة .. أين أنت؟ أنا الآن في المقهى بانتظارك.
همستُ لنفسي بألمٍ: ستنتظر كثيراً بعد اليوم ياصديقي؛ ثمَّ مثل جميع البشر .. ستنسى.

-تجلسُ قريباً منِّي فتاةٌ تفيض بالوداعة، لكنَّها شديدة الارتباك.
لقد غادرت الفتاة الآن.
“أين أنت!؟”

-أتعلمين!؟
لهذه الفتاة سحرٌ عجيبٌ، لقد كانت جميلةً جداً، بوجهها الخمريِّ الذي يشبهُ رغيفَ خبز أمِّي، و يفيضُ حياءً وعذوبةً، وعيناها سوداوان واسعتان كعينيِّ المها، لكنَّ جمالهما الحقيقي أنَّهما كانتا تبدوان كمرآتين صافيتين، تعكسان صورة روحٍ عذبةٍ بريئةٍ .. كروحكِ.
للوهلةِ الأولى ظننتُها أنت، وهمستُ لنفسي فرحاً: هذه فتاتي، لكنَّها للأسف غادرتْ بسرعةٍ وهي مُلتاعةٌ.
“أين أنت ياصغيرة!؟”

-لو تعلمينَ كم أثَّرتْ بي تلك الفتاة، تمنيتُ أن تكون لديَّ صفةٌ تمكِّنُني من مواساتها، وكفكفة دمع عينيها قبل أن ينهمر، فقد كان يترقرق فيهما كسحابةٍ تتهيَّأ للهطول.
“أين أنت”
-أيَّتها الجبانة، إذا لم تحضري الآن، سألحق بتلك الفتاة، وقد أعذر من أنذر.

أخفيتُ وجهي بين كفَّي، وأطلقتُ العنان لدموعي من جديد.
ماذا عليَّ أن أفعل الآن!؟
لايمكنني العودة، فماذا سيقول عنِّي حين يرى أنَّني الفتاة ذاتها التي غادرت وهي في قمَّة الضَّعف والانهيار؟
ياالله .. ساعدني .. فهذا الألم فوق طاقة احتمالي.
تجلَّدتُ بآخر قطرةٍ من زيت مصباح صدري، قبل أن ينطفئَ ويعمَّ الظَّلام.

أمسكتُ بهاتفي بتصميمٍ، وحذفتُ الفيسبوك، وأنا أهمس لنفسي:
#لقد_انتهى_كلُّ_شيءٍ
وأُسدِلَتْ السِّتارة على آخر فصلٍ من فصول الرواية الحزينة.
..
..
..
..
..
..

انثنيتُ على نفسي بقوةٍ من شدَّة الألم
وبكيتُ بحرقةٍ كما لم أبكِ من قبل.

فجأةً ..!
شعرتُ بحركةٍ بجانبي
يبدو أنَّ أحدهم شاركني المقعد الطَّويل الذي أجلسُ عليه.
-آنستي .. لقد أوقعتِ كتابَكِ.
“ياإلهي ..! هذا الصَّوت”
رفعتُ كفيَّ عن وجهي، ونظرتُ إليه بذهولٍ.
-الأجنحة المتكسرة، لقد وقع منكِ في المقهى حين غادرتِ مسرعةً، ووقعتْ منه زهرة البنفسج، أليس حراماً أن تقع!؟

كان ينظر لوجهي الغارق بالدُّموع بابتسامةٍ حنونةٍ هادئة.
-قلبي أنبأني أنَّها أنت مُذ وقعَتْ عيناي عليك في المقهى، فلروحك العذبة المنعكسة في عينيك بصمةٌ لاتشبه غيرك، ولايمكن أن يخطئها قلبي أبداً.

الجميع مرُّوا من أمامي ومن خلفي وعن يميني وشمالي، ولم أرهم،
#إلَّا_أنت!
” أنت وحدك من مرَّت خلالي واستوطنتني
وكانت سكني وساكنتي وسكينتي”
“هل تقبلينَ الزَّواجَ بي؟”
..
..

تسمية هذا الفضاء الأزرق بالافتراضي لاتعني أبداً أنَّه عالمٌ خياليٌّ، بل هو تَلاعُبٍ لفظيٍّ مقصودٌ للكلمةِ.

“هذا الأزرق عالمُ الأرواح بحقيقتها الكاملة”
عيونٌ مرهقةٌ، تطلُّ من خلف شاشاتٍ، وأرواحٌ حليمةٌ حائرةٌ نالت منها دنيا التَّعب.

إنَّه أنا وأنت .. هو وهي .. أمّي وأمّك .. أختي وأختك .. ابنتي وابنتك.

“فلنكن أمناءَ فيه .. ليكون الله أمانَنا”
..
..

افتخار هديب
..
..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: