السبت , يناير 16 2021

د. نيفين عبد الجواد تكتب :اليأس الذي لا نحتاجه

                                                                                          

في المجتمعات التي لا ترى للمرأة أي دور سوى أن تكون هي التربة التي تحوي النطفة المخصبة داخل رحمها كي تتغذى وتنمو ثم يُكتب لها الخروج إلى نفس المجتمع الذي إما أن تصبح فيه امرأة ليس لها أي دور آخر غير الإنجاب أو رجلًا لا يتزوج إلا ليصبح أبًا له ذرية لا يشعر بأنها هي عزوته وامتداده الذي لا ينقطع إلا إذا حوت البنين دون البنات، في تلك المجتمعات لن يكون غريبًا أن تخشى المرأة مما يُطلَق عليه سن اليأس، والذي ينقطع معه الدور الوحيد الذي تم حصارها فيه بكل قسوة وكأنها تملك وحدها القدرة على الإنجاب، وكأنها وحدها دون الرجل هي التي تضعف لديها تلك القدرة إلى أن تفقدها.

إن المرأة على مر العصور وفي مجتمعات بعينها كانت تتمتع بأدوار أخرى بجانب دورها كزوجة وأم، فكانت وما زالت هي المرأة العاملة في الريف وفي المدن، وكذلك الشاعرة والفنانة والحكيمة والمعلمة والممرضة، وأصبحت الآن يُعتَمد عليها كعالمة وطبيبة ومهندسة وكاتبة وقاضية ووزيرة وضابطة وسائقة ولاعبة رياضية بل وحَكَم رياضي أيضًا، حتى إنها لم تترك مهنة إلا ونافست فيها الرجال رغم عدم تخليها في كثير من الأحيان عن دورها كزوجة وأم. وامرأة كهذه لا يمكن أن تخشى من الوصول إلى سن اليأس لأنها قطعًا لن تعرف لليأس طريقًا ما دامت ستجد لها دورًا في الحياة.

فهل المرأة التي سبق لها وأن وصلت إلى كرسي الحكم قديمًا وحديثًا، والتي انصاع لأوامرها الرجال مهما كانت مناصبهم من الممكن أن يُمثل بلوغ سن انقطاع الطمث أزمة نفسية لها تعوقها عن استكمال حياتها بنفس حيويتها وحماسها السابقيْن؟

إن المجتمعات التي تُقدر كينونة المرأة ككائن بشري له كافة الحقوق الممنوحة للرجال هي مجتمعات تُقر بأن المرأة كائن له وجود واستقلالية، ومن ثم من حقها الحياة بحرية واقتحام كافة مجالات العمل ليس فقط لكسب الرزق بل أيضًا لإثبات الذات وللاستمتاع بخروج ما تتمتع من موهبة إلى النور وجني ثمرة ذلك. وفي تلك المجتمعات لن يكون هناك تمييز عنصري على أساس الجنس أو النوع، بل سيكون المعيار هو الكفاءة وما تم بذله من مجهود. وبالتالي ستتنوع أدوار المرأة في الحياة وستتعدد اهتماماتها فإن لم تستطع أن تُكوِّن أسرة تكون فيها زوجة وأم، أو إن تزوجت ولم تنجب على الإطلاق، أو إن سبق لها الإنجاب ثم توقفت عنه لسبب أو لآخر فسيكون لها من الأدوار الأخرى في الحياة ما يحول بينها وبين أي نوع من أنواع اليأس أو القنوط.

بينما المجتمعات التي تربط كينونة المرأة بما لها من قدرة على الإنجاب وفقط فإنها لا تتمثل خسارتها في الحد من قدرات النساء ومن ثم فقدان كل فائدة قد تجنيها من خروج تلك الطاقات البشرية إلى النور، بل إنها وبكل أسف تُحطِّم معنويات نصف المجتمع حتى وإن مارسن فيه أدوارهن كزوجات وأمهات، ولن ينتج عن ذلك سوى إحساس المرأة بالضعف وبالدونية مما سيعطي الفرصة للمتسلطين من الرجال أن يمارسوا ساديتهم عليهن دون اكتراث بالحط من قدرهن أو بظلمهن أو أكل حقوقهن.

ولذلك فإن خروج المرأة لميدان العمل الذي تنافس فيه الرجال ليس بالضرورة أن يمنحها حريتها التي تنشدها، بل إن احترام المجتمع لكينونتها ولحقوقها هو الذي سيمنحها القدرة على الإنتاج والإبداع سواء داخل منزلها أو خارجه. أما أن تجد المرأة نفسها مُستضعَفة ومُهانة ومُستباحة ممن حولها فهذا لن يُعوضه أن يكون لها دخل خاص بها، أو وظيفة تترقى فيها، أو درجة علمية تنالها.

ولن تنال المرأة الاحترام اللازم لها كإنسانة إلا إذا شعرت بمكانتها البشرية في المجتمع الذي يحترم حريتها وأنوثتها فلا يمتهن كرامتها وكبرياءها بأن يجعل من جسدها سلعة مُستباحة لجذب الأنظار وربما الأيدي فيتم انتهاك حُرمة جسدها سواء بإرادتها تحت ستار المدنية والحرية والحداثة والتقدم، أو رغمًا عنها ما دامت ذلك الكائن الضعيف والمنكسر لأنها ليست في حماية أي رجل وليس هناك من تستظل تحت جناحه.

ومن المؤسف أن نرى في نفس المجتمعات التي ما زالت تستضعف المرأة لأنها بدون رجل، نساءً قد تحولن إلى رجال بتحملهن كل ما هو من المفروض أن يكون على عاتق الرجال وذلك بعدما تحول الرجال إلى عالة على نسائهن ومع ذلك لم يحرموهن من الإهانة والإذلال. فمتى تستعيد تلك المجتمعات رجولة الذكور وتقدير الإناث؟!

إن أي مجتمع يُقدِّر كل دور للمرأة بخلاف دورها كزوجة وأم، لن تخشى النساء فيه يومًا من بلوغ ما يُطلَق عليه سن اليأس؛ وذلك لأن كل امرأة ستوقن هي وكل من حولها بأن ما وصلت إليه هو سن النضج والاكتمال العقلي والنفسي الذي به تكون أكثر حكمة وأكثر رشدًا فيزداد توقيرها وتقدير إنسانيتها واحترام مشاعرها النفسية التي قد تصاب ببعض التقلبات المزاجية بسبب ما تمر به من تغيرات هرمونية.

وبالتالي فإن اليأس الذي تحتاجه الكثير من المجتمعات هو اليأس من أن المرأة مجرد جسد يتمتع به الرجل وليست بشرًا مثله لها عقل هو أهم من جسدها الجميل، واليأس من أنها لم تُخلَق إلا لكي تكون فقط متاعًا للرجال أو وعاءً حاويًا لنسلهم، واليأس من الاستهانة بها ما دامت بلا رجل، واليأس من عدم قدرتها على مواجهة الحياة بمفردها دون رجل لو اضطرتها الظروف إلى ذلك الأمر، واليأس من عدم تمكنها من استكمال حياتها بكفاءة وحيوية بسبب بلوغها سن اليأس، واليأس من أن المرأة قد نالت كامل حريتها ما دامت قد أصبحت امرأة عاملة وليست ربة منزل وفقط خاصة إذا كان عملها هذا روتينيًا وخاليًا من الإنتاج والإبداع وغير ملائم لقدراتها ومن ثم فإنه لم يمنحها أية حرية حقيقية بل أصبح عبئًا في حياتها يُثقل كاهلها مما يؤدي إلى عدم إتقانها له بالإضافة إلى تقصيرها في واجباتها تجاه نفسها وتجاه أسرتها.

فهل حقًا ستتمكن الكثير من المجتمعات من تحرير المرأة تحريرًا حقيقيًا فلا يكون هناك اعتماد عليها في تحمل أهم مسئولية للرجل إذا تزوجها وهي مسئولية تحمل كافة نفقاتها ونفقات الأسرة في حدود استطاعته؟

وهل حقًا تلك المجتمعات التي سعت إلى المساواة بين الرجال والنساء لم يتطور حال رجالها ونسائها إلى الأسوأ بعدما قامت المرأة بدور الرجل في كثير من الأحيان فتحولت النساء إلى رجال بلا شوارب وتحول الرجال إلى خيال مآتة؟

إن المجتمع الذي يحترم عقل المرأة أكثر من إمعان النظر في جمال جسدها لن يُحولها إلى دمية مثيرة للفتن والغرائز، والمجتمع الذي يُقدِّر أنوثة المرأة ويفهم طبيعتها كأنثى لن يُحولها إلى نسخة ممسوخة من الرجال بلا روح أو حياة، وهذا هو المجتمع الذي ستنال فيه المرأة كامل حريتها وعندئذٍ لن تكون هناك أية فرصة لليأس على مدار عُمْر المرأة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: