الأحد , يناير 24 2021

قبلَ أن يَنْفِضَ الفجرُ …….. بقلم // خالدية أبو جبل // طرعان // الجليل الفلسطيني

قبلَ أن يَنْفِضَ الفجرُ أحلامَ الليلِ ، وقبل أن تنالَ الخميرةُ والدفء من عجينها ، فيفيضُ من لَجَنها … تَنفُضُ أمي عنها لحافَها ، لِتُكّوِرَ العجين وتُرّدِدُهُ وتخبزُهُ في طابونها الذي أعدَتْهُ منذ المساء .
جمعت لَهُ يديْها ما لَفَظَتْهُ حباتُ الزيتون في المعصرةِ ، وما تنازل عنه البيدرُ من قشٍ ، وما خلّفَهُ البقرُ من روثٍ في السهول والطرقات الترابية ، ليبقى طابونها وقّادًا مُلبيًا إستغاثة عجينها وعجين جاراتها ليلاً كان أم مساء .
لنقتسم رغيفًا باسمًا فيه الصحة والهناء .
…..
تُجَمّعُ أمي مطر السماء ،
وتوقدُ تحت حِلّتِها ( إناء يُسخن به الماء للغسيل ) من جذوع الزيتون وأعواد التين والسنديان ، تَنْشُرُ غسيلها لألاءً على حبلٍ احتضنته ظلال شجرة الكينا،وتمسّكَ
به مِسمارٌ في جدار البيت بعناء .
…….
تلوذُ بنا تحت ظلال داليةٍ داعب النسيم أطرافها ، والْتَفَتْ أوراقُ عريشها ،
– : أي بُني ، ما أرّقَ ورق العنب وأضعفَه ،
وعلى حين عناق واحتضان ، هزم شمسًا تُنيرُ كَونًا ، وملِكَةٌ هي في السماء !

تُرتب أمي خيوط المساء ستارًا
وتُشعلُ قلبها دفئًا
توقَدُ بريق عينيها سراجًا
يُضيء دفاتر الحساب والإملاء
تَحفَظُ حروف الأبجدية
تخُطُها أقلام أطفالها كلمات ،
كلماتٌ ما قرأتْها يوما
ولا خطتها في دفتر أو أوراق
……
تُرَدِدُ أمي كل صباح ومساء
إن مع العسر يسرا
إن مع العسر يسرا
فتنفرجُ أسارير الصبحِ
ويغفو على طمأنينةٍ المساء
……
تُراوغ أمي الفقر
وتحتالُ على دور الأزياء
بفستانها المقّصبِ ، فيُشّعُ بريقُهُ مُتجددًا ،
في كل عرسٍ تماهت به نجوم السماء مع الزغاريد والرقصات .
…..
تقود أمي مسيرة يومها
فجرًا ، إمرأة واثقة الخطى ،
تناول زوجها زوادته
– الله يسهل عليك ويرزقك الرزق الحلال
وتفيضُ أنثى مساء ،
بابتسامة وصَحْ بَدَنُه ( يعطيك العافية )
تُزين البيت ومائدة العشاء .
….
تُخَضّلُ أكف أبنائها وبناتها بالحناء
توصيهم : أي بني ، هي خطواتي فاتبعوها بصبرٍ ومحبةٍ ، وزيّنوها ما استطعتم من وحي وجمال أنفسكم ، تكن لكم زاهرةً الحياة .
…..
تتلو أمي في صلواتها ، سورة التحرير
اللهم إحفظ فلسطين
صغارها وكبارها
نصارى ومسلمين
اللهم إحفظ
مدارسها وجوامعها وكنائسها
شوارعها وبيوتها
سهولها وجبالها وزيتونها
اللهم من أرادَ بها شَرًّا
فأخذه أخذ عزيز مُقتدر
آمين يا رب العالمين
….
تُبَلًلُ أمي من طُهرِ ريقها ، خيطَ إبرتها
وبأناملها الصغيرة الخشنة
تُطّرزُ حكاية عمرها على مخدتها
وردًا وَوُدًا وحياة .

خالدية أبو جبل
طرعان ، الجليل الفلسطيني
28/11/2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: