السبت , يناير 23 2021

من الذاكرة تاريخ حصار متليلي الشعانبة/ بقلم الأستاذ الحاج نورالدين بامون – أمين ولائي سابق للدراسات والأبحاث التاريخية بالمنظمة الوطنية لأبناء المجاهدين بولاي غرداية –عضو المجلس الوطني

من الذاكرة تاريخ حصار متليلي الشعانبة
(قصة أيام السلك أيام 20-21-22-23-24 نوفمبر 1960

– في أيام من شهر نوفمبر 1960 شهدت مدينة متليلي الشعانبة حصارا رهيبا عرف بأيام السلك بحيث طوقت المدينة بكاملها وتم تسيجيها بالأسلاك الشائكة ولم يترك إلى ثلاثة أو أربعة معابر للدخول و الخروج بالمراقبة العسكرية بعد الإذن المسبق و الكتابي بذلك و وضع مداخل ومخارج للسياج محروسة حراسة مشددة ومراقب من طرف القوات المنتشرة عبر الأزقة والجبال و سفوحها وبمراقبة ضوئية ليلا من برج المراقبة الموجود بجبل مولاي عبد القادر وبالطائرات الحوامة,كما نصبت المدافع في الجبال المحيطة بمتليلي جبل مولاي عبد القادر جبل سيدي بولنوار جبل مدخل المدينة و جبال شعبة تيمكرت و شعبة سيد الشيخ استعدادا لقصف المدينة وحرقها وإبادة سكانها بكاملهم الا ان مشيئة الله كانت اقوي من ظلم العدو.

2- وبتطويق المدينة و تسيجها بالأسلاك الشائكة وعزلها و قبض أحكام السيطرة تم إخراج الأهالي بالقوة من مساكنهم وتجريدهم وحشدهم للعراء في المكان المخصص لذلك و الكائن بحي تيمكرت البطحاء سابقا حاليا حي 20 نوفمبر1960 أو ما يعرف بمقهى 20, قبل بدئ الحصار أعلنت سلطات الإحتلال المستعمر الغاصب عبر شوارع المدينة عنه محذرة الناس بالإمثتال والخروج إلى مكانه وعدم البقاء في بيوتهم والويل لمن يعصي و يمتنع ومن يبقى في بيته يعذب ويعاقب أشد أنواع العقاب وشتى طرق التعذيب التي لا يتصورها عقل ولا يصدقها إنسان .

3- بعد وضع طاولات للتعذيب,تم عزل الرجال عن بعضهم البعض وإستنطاقهم وإستجوابهم وطبع كل مستوجب ومستنطق بخاتم على جبينه وذراه حتى يعرف و بتدخل الأهالي والأعيان تم عزل النسوة و الأطفال ووضعهم بالمسجد العتيق بالقصر و تعين من يخدمهم و يسهر على راحتهم و أمنهم بمبادرة وتطوع من أهالي متليلي المقتدرين الخيرين أما باقي الجهات البعيدة فتكفل كل مقتدر بفتح بيته للنساء وأطفال الحي

كما تم تخصيص مركز بحي الملعب سابقا حاليا حي 08 ماي 1945 كمكان خاص للاستجواب والإستنطاق بشتى الطرق والتعذيب ومنه إلى الإيداع بالغرف المخصصة للسجن وبعدها ترحليهم إلى سجن غرداية و الأغواط و منه لسجن البليدة والذين مكثوا بهم ستة 6 أشهروأكثر

4- – أنواع طرق التعذيب /

تم تعذيب المشتبه فيهم بوضعهم في صهاريج الماء و تعليقهم طوال أيام الحصار ليل نهار والتنكيل بهم وربطهم وجرهم بواسطة سيارة جيب لترهيب باقي المواطنين والأهالي لعلهم يخافون و يتكلمون و يدلون بأية معلومات تفيد العدو وتخدمه كما قامت بأسلوبها المعروف وهو إعادة الإستنطاق وجر المحاصرين في المغالطات والتشكيك فيما بينهم للإيقاع بهم وإتهام بعضهم البعض للكشف عن أسماء المجاهدين والثوار نصرهم الله, ولو بالكذب زورا و بهتانا حتى تتم المواجهة و ينعت المحاصر تحت ضغط التعذيب بالخائن و الغادر الخ….

5 – إختيار المعذبين /

لقد قامت سلطات الإحتلال إختيار فئة أئمة المدينة ومعليهما ومثقفيها ومشايخها وتعذيبهم أشد تعذيب وعزلتهم تماما عن عضهم البعض لعدم تمكنهم من الإتصال بعضهم, و قامت بالإنفراد بهم لا لشيء إلا لكونهم من فئة المتعلمين الذين عارضوا الحصار ووعوا الشعب ونضال بكلمة الحق وإعلاء كلمة الله في منابر المساجد والكتاتيب والمحاضر وكل ما سمحت لهم الفرصة ومن بين هؤلاء المعذبين على سبيل الذكر لا الحصر المرحوم الطالب أمحمد البوكادي – شريف الطالب بكار – عمي علي الذيب – سيراج سي عزوز- بن شاشة عبد القادر – خارف محمد بن عيسى -بن حديد قدور-البرج محمد –فرج الله سليمان – وغيرهم…

6- أسباب الحصار /

إن أسباب الحصار جاءت نتيجة للضربات الموجعة التي تلقاها العدو الفرنسي والعمليات العسكرية الحامية الوطيس و الحرب الوطيس التي جرت بالمنطقة وهي العمليات العسكرية والهجمات التي قام مجاهدين بالمنطقة وضواحها منها المعارك الأربعة 04 في سنة واحدة ناهيك عن الإشتباكات المتفرقة هنا وهناك ومن هاته المعارك خاصة منها :

معركة تيمداغسين 01/03/1960.معركة فرع الدمغة 15/03/1960 -معركة محصر بشقاق 01/11/1960 -معركة الحوار 02/11/1960.

والتي كانت جد موجعة ومؤلمة للعدو الفرنسي .

7- نبذة عن المعارك التي أدت بالحصار/

بداية من معركة أفران الكبرى التي جرت بتاريخ 28/08/1957 والتي تكبد فيها العدو الفرنسي خسائر كبيرة وجسيمة في صفوف قواته و خسائر مادية والنقطة التي أفاضت الكأس وعجلت بالحصار و الإنتقام من سكان وأهالي متليلي في إطار سياسة العدو الفرنسي المنتهجة آنذاك للقضاء على الثورة المظفرة وإخمادها حسب زعمهم و التي لم تزيد مجاهدينا وشعبنا إلى عزيمة وإصرارا على مواصلة التصدي للعدو و محاربته. هي إسقاط الطائرة المروحية بمتليلي من طرف مجاهدينا التي هلك على اثرها جنرال غاشم متسلط من جنرالات فرنسا المحتلة والتي لم يتقبلها العدو كهزيمة نكراء و خاصة من مجموعة مجاهدين بسطاء بأسلحة تقليدية أسلحة ليست بالأسلحة التي يمتلكها العدو .

8- مدة التوقيف /

لقد بقي السكان محاصرين مدة ثلاثة 03 أيام بدون أكل ولا شرب تحت التعذيب وفي العراء والخلاء ومنهم من تعرض -Jeepللإهانه و الإذلال ويبقي معلق في الجيب

و في أماكن خصصت للتعذيب ومنهم من عذب بشتى الأنواع الماء والصابون و الكهرباء والجلد و الدوس والركل بالأقدام وبمؤخرة البندقية وفي مماطق حساسة الخ…,والتي خلفت أثار بليغة عان منها أصحابها لسنوات , كما رواه لنا بعض شهود أعيان من عايشوا الحصار وعرضوا للتعذيب مجاهدين و أهالي و شباب عاصروا الحصار ,

وبعد اليوم الرابع بداء الفرز بواسطة طبع المواطنين بوضع ختم في جبهتهم وفي أيديهم كعلامات مميزة للتعرف على المشبوه و المشكوك في أمره و الذي لا غبار عليه خالي من أية شبهة أو شك

9– أيام الحصار بنهاره و ليله /دام الحصار خمسة أيام أو بما يعرف الخمسة الأيام أو أيام السلك نسبة للأسلاك الشائكة, فالخمسة الأيام هي 20-21-22-23-24نوفمبر1960 اليوم الأول 20 نوفمبر 1960

اليوم الذي حصرت فيه المدينة وسيجت بالأسلاك الشائكة ووضع مداخل ومخارج بمعابر مراقبة

اليوم الثاني 2/ 21 نوفمبر1960 تجمع الموطنين بالملعب سابقا حاليا حي 08 ماي 1945

اليوم الثالث والرابع /22 و23 نوفمبر 1960 تعذيب المواطنين و إستنطاقهم و إستعمال كافة وسائل التعذيب اكثرها الماء و الصابون والغطس بالصهاريج والتعذيب بالكهرباء ناهيك عن الجر بسيارة الجيب و الربط و التعليق و الضرب بمؤخرة البندقية الخ…

اليوم الخامس / 24نوفمبر 1960 ترحيل السجناء المشتبه فيهم و تصفيتهم واحد واحد بعد غربلتهم و إلصاق التهم بهم جزافا بالرغم أن العدو لم يتمكن إلقاء القبض علي أين منهم متلبس أو معترف و لم يزاد إلا حسرة وغيضا و شحنته و بعدها فك الحصار و عاد الأهالي إلى بيوتهم و حياتهم الطبيعية بعد الحادثة و الفاجعة التي حلت بالعدو و ألمته.

10- وحدة الشعب و تماسكه رغم تشديد الخناق /

بالرغم من المنحة التي تعرض لها الشعب من عامة الناس وأهالي المدينة بكافة أطيافه وفئاته, إلا أنه ظل صابرا متحدا متماسكا وصامدا صامتا لا يبوح بأي كلمة ولا يفشي سرا. ونكرانه لكل ما نسب إليه رغم التعذيب و التنكيل به لدرجة إلحاق الأضرار الجسدية به, ناهيك عن الأضرار المعنوية التي لا تعد ولا تحصى من إذلال وإهانه التي يندى الجبين لسماعها و تدمع العين لها و تقشعر الأبدان فما بال من تعرض لها و عايشها و شهادها. فبمجرد تذكرها او التحدث فيها تنهار قواه ويخر مغشيا عليها وتنفجر يناه بكاء لا يمكنه مقاومته والإمتناع عنه من هول ما وقع له و تعرض له .

11 – إجراءات و ممنوعات /

بعد الإستنطاق والإستجواب والسجن و العزل و التعذيب إتخذت سلطات الإحتلال سلسلة من الإجراءات التعسفية منها عملية جرد السكان وإحصائهم و تقيديهم في سجلات ودفاتر خاصة بالنسبة للسكان داخل المدينة و للمتنقلين و للبو الرحل خصوصا, كما وضعت شرط للتزود بالبطرية الإضافة والمذياع و ومنع إستعمالهم وما شابه ذلك من الممنوعات , وواصلت حملتها في ترويع الأهالي بكل ما أتيح لهم وما لا يتصوره عقله لدرجة لا تطاق ولا تصدق.

12- الهدف من الحصار /.

حيث كان هدف الإستعمار الغاشم يهدف إلى عزل الثورة عن الشعب وخنقها وترويع السكان العزّل وترهيبهم , لكي لا يقدموا أي دعهم مهما كان للثوار و المجاهدين والتستر عليهم و تسهيل مهماتهم وخدمتهم و إخفائهم عن أعين العدو ويعد هذا الحصار من أكبر الحصارات التي شهدتها مدينة متليلي الشعانبة إبان ثورة التحرير المظفرة,

وعلى الرغم من التعذيب الذي سلط على الموطنين والرجال المشتبه فيهم, إلا أنهم فضلوا السكوت وعدم البوح و فضلوا الموت تحت رحمة التعذيب بشتى أنواعه ووسائله المستخدمة على الخيانة مما زاد جنون العدو جنونا وقرر الإنتقام من كل السكان أشد الإنتقام بما لايمكن وصفه و تذكره حسب شهود العيان.

13- نتائج الحصار /

لم يعطي الحصار أية نتيجة من النتائج التي كان يتوقعها و ينتظرها العدو الفرنسي بالنسبة له بل كانت النتائج مشجعة و مفرحة و عادت بفائدة لم تكون منتظرة ولا متوقعة لثورتنا المظفرة ومجاهدين الأبطال الذي زاد الثورة قوة على قوة و تنظيما محكم وللرجال صمودا وشموخا وللنسوة فرخا و إعتزازا و تضامنا أكثر من ذي قبل و التشمير على سواعدهم بتقديم كل ما في مقدورهم لإنجاح ثورتنا المظفرة.

و لقنت العدو المستعمر درسا قاسيا بقي منقوش في الذاكرة لن ينساه أبدا والذي يبقي وصمة عار أبدية في سجلاته و محافله و في أذهان من قام بذلك لا يمكنه من نطقها و الإعتراف بها.

كما لم تكتفي سلطات الاحتلال و جنوده الوحوش بالحصار و التعذيب و الاستنطاق بل قامت بالحرق و التخريب و النهب و الإتلاف فحتى المواشي و البهائم لم تسلم من بطش الاستعمار و غطرسته و عنفه الذي لا يفسر إلا كرد فعل انتقامي بغير تكافؤ نظير انهزامه في المعارك الحربية التي وقعت بداية من سنة 1957 و تواصلت طوال سنوات ثورتنا المظفرة و التي يشهد العدو بنفسه واصفا منطقة متليلي بالأوراس الثاني و ببسالة المجاهدين و شهدائنا الأبرار رحمة الله عليهم و بشجاعة السكان و الأهالي و صبرهم و صمودهم تحت طائلة شتى الأنواع و التي يعجز اللسان عن وصفها و ذكرها و التي يندى لها الجبين متصببا عرقا و تقشعر لها الأبدان لهولها

14- خلاصة القول وليس أخيرا/

فألف ألف تحية تقدير وعرفان و ترحما لشهدائنا الأبرار ولرجالنا الشجعان الرجال الأشاوس ولمجهدين الأبطال و مجاهداتنا الكريمات و لنسائنا الشريفات بنات الأحرار عن مجهوداتهم ومواقفهم الباسلة و شجاعتهم لصد العدو و قهره رغم ثقل أسلحته و ووسائله بالرغم أنهم مجردون من أي سلاح يقاومن به و يدافعن به عن أنفسهم كان سلاحهم عزيمتهم و إيمانهم برجالهم و بثورة شعبهم و باعتمادهم على الله و تحت راية لا اله الا الله محمد رسول الله و

كل سنة و جزائرنا بخير و مجاهدين بصحة وعافية و متليلي الشعانبة تنعم خيرا و ترقى رقيا

عاشت الجزائر حرة و المجد و الخلود لشهدائنا الأبرار

15- خاتمة /

كانت هذه نبذة مختصرة لحصار متليلي الشعانبة قلعة الثوار الأشاوس أرض المعارك و البطولات و الثورات الشعبية كما تشهد عليها مقابرها منتشرة بكل جهة بالمدينة ,كمحاولة و نتعذر ان لم نوفق و لم كون صائبين في نقل الحدث كما روي لنا و اطلعنا به من طرف من عايشوه.

الأستاذ الحاج نورالدين بامون – أمين ولائي سابق للدراسات والأبحاث التاريخية بالمنظمة الوطنية لأبناء المجاهدين بولاي غرداية –عضو المجلس الوطني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: