الأحد , سبتمبر 19 2021

د. محسن عبد الخالق يكتب : صفحات من كتابي “مع الشوامخ ” ـ د. حسين فوزي ،الصديق العالم (الجُزء الثانى)

” اليوم ” جاء ” غَدًا ” الذى إتفقنا عليه ” أمس ” !
إستقبلنى الدكتور ” حسين فوزى ” بعين دامعة ! ..
قال :
إتفضل ، إتفضل .. إدخُل ..
دَخَلتُ وأنا مأخُوذًأ بِصَدمَة الزهول ، جَلس هو على مِقعد مكتبه ، وجلست أنا بعده على المِقعد أمامه ، لحظات مُثقَلَة بالهَّم تلك التي رأيت فيها الحزن عَائِمًا في دموع أستاذى وهو ينحنى برأسه الفِضىّ على أوراق كانت فوق مكتبه ..
قال :
معذرة ، اليوم ذكرى وفاة أعزّ أصدقائى الدكتور ” محمد كامل حسين ” – الله يرحمه – في هذا اليوم أتذكر كيف كنت أتابع الصراع العنيف بين صديقى والموت الذى داهمه كالموج ليكتم أنفاسه الأخيرة في حشرجة تعتصر القلب ..
قال :
هل تعرفه ؟ !
قلت :
نعم ، هو أستاذ أساتذة طب العظام في مصر ، وزميل لك بمدرسة الطب ، وهو أول دفعته في الجامعة ، وهو العالم والأديب صاحب الرواية الخالدة ” قَرية ظَالمة ” وهى مختومة بِختم عَصره ، عاشق للأدب والفن مثل زملاء آخرين لك في مدرسة الطب ذكرت منهم كما قلت لنا :
” ناظر مدرستنا الحديثة ” أحمد خيرى سعيد ” والشاعر المرهف الحس ” إبراهيم ناجى ” . عَرِفت ناجى من بين طلبة الدفعة السابقة علينا ، وتبادلنا الكتب والإطلاع ، وأنصتنا إلى صوته المُتَهَدّج يتلو علينا أشعاره ، وكأنه يرتجلها في التو والساعة . وأشهد لدفعتى ، والدفع القريبة منها ، أن تخرجت منها فئة ممتازة في تخصصها ، ممتازة في الفن والأدب أيضًا . يكفى أن أذكُر من بينها من أملك التحدث عن نُبُوغهِ ، وهو أول دفعتنا ، صديقى الدكتور ” محمد كامل حسين ” ، العَلَّامَة الباحث ، والجراح الكبير ، والأديب الفَذّ ..
في هذه اللحظة خرج إلى الشرفة ورفع رأسه إلى السماء ، وتشمم الهواء بقوة ، ملأ صدره من الرياح القادمة من ” نهر النيل كانت دموعه درجة عالية من درجات الحب ، وقبل إستدارته عائدًا للغرفة ، كانت دموعه قد تحولت إلى لون من ألوان الشَّكوى إلى الله ..

وجدتنى أقول :
تمضى بنا الحياة كأننا نُقُوشًا من الحيرة على جدران الوقت ، في الحياة بعض النهايات تأخُذُنَا إلى بِدَايَاتِ أفضَل ، وقبل أن أسأله وقف إلى جوار مكتبه وقال :
” إجلس مكانى هنا على مقعد مكتبى هذا ، فإذا الدَهشَة تأخُذُنى ، وإذا الحَيرة تتملَّكنى ، وإذا حُمرَة الخَجل تكاد تحرقُ وجهى ” ! .

قلتُ :
مِثلِى لا يقع في هذا الخطأ الأخلاقى ، يا دكتور ” حسين ” كأنك تطلب منى أن أنقل الشمس من مدارها إلى مدار آخر مجهول ، أو كأنك تطلب منى أن أمتطى ظَهر المُستحيل . إن شغل المكان ليس مثل ملء المكان ..
لكن أمام إصرار ” المُعَلّم ” إمتَثَل ” التِلميذ ” وجلس ، ليتلقى بعده هذه الكلمات :
” أشعر براحة نفسيَّة عظيمة ، وهى راحة من أَدَّى واجبه كاملًا نحو يلادِه ” ..

قالها وكاد يسحقنى بالحرقة التي تسربت إلى صوته ، فقد كانت نبرات الصوت الصادر من حنجرته شيئا يشبه الأنين ! .
ثم سَكَتَ لحظة بدا فيها الصَّمت كأنه وقفة وداع لأشياء كنا نَحم ِلها فذهبت تَحمِلُ كل ما فينا ، ثم قال بعدها :
” هذه مذكراتى أتركها فى عهدتك يا ” محسن ” صديقًا مُخلصًا ترى فيها رأيك حسب تقديرك ، واثقًا في كل الأحوال أنك تحرص دائمًا على تَحَرّى الحقيقة ” ..
أمام هذا الفضل يعجز كل قلم وينعقد كل لسان ..

ثم عاد الدكتور ” حسين فوزى ” إلى السياق ليطرح قضية هي الموضوع من الأساس وحتى الجذور ، قضية ” التعليم ” وأخذ يقول :
أليس غريبًا أن تعيش ” مصر ” في ظل تعليم مُستمد من آبَار تَاريخيَّة عَتِقَة ، وخَفِيَّة ، ورَاسِخَة ! .
أحلُم بِتَنشِئَة الطفل المصرى وهو يشعر أن القراءة مثل النَّوم ، والطَّعَام ، والشَّرَاب ، واللَّعِب ، شيء يتكرَّر كل يوم ..
قلت :
في مُنَاى أرى الأميّين يندفعون كالموج نحو تَعَلُّم الكتابة والقراءة من أجل محو أميَّتهم ..
قلتُ :
نَعم ، إصلاح التعليم هو نقطة البداية الصحيحة إذا أردنا أن نذهب إلى المستقبل بأعلى ما يمكن من درجات التأهل الحضارى ، وإذا أرادت مصر أن تخرج للعالم وتلعب دورها فيه فإنها في حاجة لتعليم من نوع جديد . يبدأ الإصلاح الحقيقى بإعادة النظر في تعليم مدارس الوجاهة الاجتماعية التي يتخرج فيها تلاميذ لديهم تعليم دِينِى وشرعى ” بالتقليد ” لأن لغة الدين والشرع غَائِبَة ، ثم أنهم حَشد مَقطُوع الصّلة بالتاريخ مستغن عن الذاكرة ، وكُثُر منهم يرتبط ولاؤهم غَالبًا بفقِيه غامض الخلفيَّة .. أليس عجيبًا أن تعيش الأمة التي تخلَّقَت الحضارات عند شواطئها ، وإرتكز التاريخ على صخُورِها بدون أن ترى نفسها في مرآة علمية ..
لا يكتمل الإصلاح إلا بإعداد ” المُدَرس الحضارى ” الذى يقف في حدائق المعرفة ساهرًا حتى صباح اليوم التالى ينتظر وردة تتفتح ليكتشف عطرها ، مُدَرّس يرهف سمعه للقوقع ليخرج من الأصداف الدّرر ..
أذكر أستاذى بالصف الثالث الإبتدائى ” إسماعيل بك الحداد ” – رحمه الله – لا يغمض جفنه حتى يتعلم كل منا كيف يُغَرّد داخل الفصل وخارجه ، وكان كالفضاء يحتضن كل الطيور ..
كان أول ما تعلمت في المدرسة أن العلاقة بين المدرسة والتلميذ ليست علاقة شجرة بجذرها فحسب ،إنما علاقة جنين برحم ، وأن حياة الشجرة في جذرها المدفون في باطن الأرض لا تراه العيون ، في حين أن الفروع والأوراق مجرد ظواهر مؤقته عمرها ساعات أو بالكثير أيام ..
قال :
لقد تعلمنا في المدارس الأميرية اللياقة والنظام والطاعة والإنصياع ، ومن أعياد الحضارة التي شهدتها في حياتى إحتفال العالم سنة ( 1927 ) بمضى مائة عام على وفاة شادى الإنسانية الأكبر ” لودفيج فان بيتهوفن ” ، وها هو ذا العالم يحتفى بذكرى مولد ” وليم شكسبير ( 1564 ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: