كتاب وشعراء

أطلال : بقلم بليغ البتول

أطلال
قصة قصيرة

مررت على دارها بعد السفر، توقفت عند مدخل الدار الذي كان يتسوره جدار تشقق معظمه، وبمجرد ما امسكت بالباب المتهالك الا إنفتح وظهر خلفه حوش المنزل وقد امتلئ بالحشائش.

تقدمت بخطوات متثاقلة اتأمل الدار ونوافذه المغلقة، وتتدلى من على شرفته تعرجات من بقايا جذوع اشجار الزينة وقد يبست وفي اماكن اخرى لم يبق منها الا اثارها على الجدران، يتوسط الدار بابه الرئيسي والمغلق تصعد اليه بضع درجات تمتد امام رصيف طويل من على مسافة من الباب الرئيسي.

في هذا الدار كانت تسكن من أحببتها منذ الصغر، كانت والدتي صديقة لوالدتها، لعبنا وكبرنا معا ونمت بيننا قصة عشق إنتهت بخطوبة، سافرت بعدها لاغترب ثلاث سنوات، ظلت رسائلنا تسابق البريد، وبعد مرور عام انقطعت رسائلها، فالتمس لها الاعذار.

تمر الايام والسنون أعود بعد غربة ثلاث سنوات حاملا معي كل الاحلام، أبحث عنها لا أجدها، وهذه دارها مغلقة باستمرار.

والدتي تقول لي انها غادرت البلدة هي ووالدها بعدوفاة والدتها، لديها اخت اصغر منها تسكن في البلدة المجاورة، سألت عنها فلم أجدها لعلها تسوق لي اخبار حبيبتي.

كرهت البلدة بعدها، حاولت والدتي مرارا أن تخطب لي فكان جوابي دائما اني لا اريد غيرها، تركت البلدة وعدت الى الاغتراب مجددا.

لم تكن هذه زيارتي الاولى لدارها، فأنا في كل عام حين اعود من السفر وفي كل مرة تحط فيها قدماي البلدة وقبل ان اصل الى منزلي لابد لي من طواف القدوم هذا،لقد اعتدت على ذلك طيلة الاربع سنوات الاخيرة.

واصلت السير على الرصيف المؤدي الى الباب الرئيسي أرنو الى كل ماتقع نظري عليه في فناء الدار، وقدماي كل واحدة بدلا من ان تتقدم بي الى الامام اشعر انها تجرني الى الخلف تحول دون بلوغي باب المنزل، توقفت قبل ان اصعد الدرج المؤدي الى الباب الرئيسي، وفي كل مرة اصل فيها الى هذا المكان اتوقف واستجمع قواي واخذ نفسا عميقا.

صعدت الدرج و وقفت امام باب الدار المغلق، ومع علمي المسبق أن الدار خالية وانه لايوجد فيها أحد،الا أني طرقته مرات ومرات وناديت بإسمها والدمع منهمر، والقلب في وجل، فلم اسمع سوى رجع أحزاني.

تركت شنطة السفر من يدي تسقط ارضا واخذت اجهش بالبكاء، صرخت بإسمها وضليت اردد بحزن وعيناي تتسابق دموعهما فتغسل وجهي مثل الصغار

-اين انت ياحياتي؟..عودي فهذا القلب لا يهوى سواك.
و..اسمك منقوش على صدري…وخيالك لايفارق ذاكرتي ووجداني.
آه…عودي فبعدك صار الحزن نديمي وخير جلاسي…

اسندت ظهري على جدران دارها، فسمعت حنين الاحجار
وحدثتني احجار منزلها حديث عشاق لعشاق.
قالت: –
– “هنا كان طيفها يختال بين جنباتي”.

فالتفت لا ارى سوى انا وخيالي.

– “هنا تربى حبكما فصار قصة عشق تحكي به كل الجيران”.

وراح الدمع ينسكب والآه تسابق الآه.

– “وفي بستاني كان لقاءكما”

فالتفت لا ارى البستان.

– “و تحت ظل السنديان فزت بأول قبلة “.

فلا ارى الا بقايا جذع شجرة يتدلى منه حبل مربوط كان لنا كملاهي الأطفال.

قلت له:
– لا توجد زاوية فيك الا وكانت لي معها اروع حكاياتي.

قاطعني: –
“-لكنما رحلت دون عودة، فطال عليها الرحيل وتركتك للضياع”

-“كفاك عتابا آيها الدار… فأنت لا تعلم ما في غربتي وماهي معاناتي”

-طرقت كل الابواب وعملت في كل شي فلايغرنك ملابسي وهندامي”

-بالله قل لي بربك هل تعرف أين رحيل أحبابي.

فجاءة يقطع صمت المكان صوت سيارة تقف بجوار المنزل
وتخرج منها امراءة تسير نحو باب المنزل، يتخاطف ثوبها الريح ووشاح يغطي رأسها بدا من بعضه شعر كستنائي.

القلب يخفق والاحجار هللت باكية :
-اهذا الحبيب الذي ضيلت تنتظره سنوات بعد سنوات.

أستند طولي وانزل من الدرج مسرعا و اركض نحوها وما ان اقتربت وتبدت لي، عرفتها انها اختها.
توقفنا أمام بعض مشدوهين، سألتها عن اختها..عن حالها؟

قالت :-
انني آتية لكي انظف البيت، سوف تعود اختي هي وزوجها من السفر.

—————
بليغ البتول

2020-12-20

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى