الأحد , سبتمبر 19 2021

د. محسن عبدالخالق يكتب : فصول من كتابى : ” مع الشوامخ ” .. بين الرُوَاء الفلسَفى والشُموخ الهندَسِى

فصول من كتابى :
” مع الشوامخ ” ..
بين الرُوَاء الفلسَفى والشُموخ الهندَسِى ..

فى كل مرَّة أمُرُّ بسَيارتى فوق كُوبرى ” جَامعة القاهرَة ” فى طريقى إلى الجَامعة ذِهَابًا أو إيابًا إلا وأجد نظراتى تظل عالقة بشقته بالدور الحادى عشر لا تتحول عنها إلا حين أتنبه فجأة انى أمام خطر كاد أن يقع على الطريق ، وأقول لنفسى تلك هى الشقة التى شَهِدَت كيف كان يُرَدُّ للعقل إعتباره ، فى هذا المكان كان لى أحاديث أخرى جَرت بيننا حفظتها الجُدران ..
ما من مرَّة أمرُّ عليها إلا ويتملكنى ذلك الإحساس بأنى على مَوعدِ مع صَديقى وأستاذى الفيلسوف ” الدكتور زكى نجيب محمود ” ، فأتذكَّر كم كنت أخشى أن تسبقنى عقارب الساعة وأتأخر عن موعدى معه جليسًا سميرًا ..
لا أعرف كيف إستدعت ذاكرتى هذه اللحظات التى مَرَّت بَرقًا بخَواطرى الآن لتُعِيدُنى لأيام بَاعَدَت بين أيَام ، ربما يكون الحنين لقيمة العقل وتجديد الفكر والشوق معًا إ .
وأتذكر عبارته التى كانت أول ما يستقبلنى بها :
هل قرأت المقال الأخير فى الأهرام ؟
أقول :
بل حفظته ..

ثم يقول ماذا فهمت ؟
فأقوم بعملية تفكيك البنية الأساسية للمقال ، وتشريح الأفكار فكرة فكرة ، ثم أنتقل إلى اللغة الرصينة التى كٌتب بها المقال ، والمعانى التى قُدَّت من أجحار الجرانيت ، وأنتهى بإعادة البناء الفنى، والرواء الفلسفى ، والشموخ الهندسى للمقال الذى ينهض على قاعدة إنسانية مُؤدَّها أن التراث لا يجب رَفضه ولكن يجب إثرَاءه ، ثم أتوقف قليلًا بالشرح أمام تلك فقرة الختام الأخَّاذة تفى المقال تلك التى تُعد لقطة مُتممة لما قبلها ، مُمهدة لما بعدها من مقالات .
فإذا هو بعد صمت مُفَكّرِ يقول :
مُهم أن تكون بَحَّاثَة مُتَبَحّرًا ..
ثم إنتقل الحديث إلى أهمية ” الكتاب ” وأنه الأكثر دهشة بين كل الأدوات التى إخترعها الإنسان ، وقال :
لا شىء يفوق الكُتب ، فعلى طول مسار الحضارة الإنسانية ، لا زال الكتاب مستودع الرؤى ، ومخزن التجارب .
قلت :
للكتب أرواح كما للإنسان ، نحن الذين نهب الأرواح للكتب حين نقرؤها وندخل معها فى حوار أفكار ..
قال :
إذًا ، الكتاب يستحق ” التكريم ” كالإنسان تمامًا ..
قلت :
نعم ، ويستحق ” التتويج ” أيضًا ..

فأنا أستوطن المكتبات ، حياتى سفر دائم على جسر اللغة ، أنا كائن لُغوى ..
إبتسم الدكتور زكى نجيب محمود وهو يقول :
القراءة هى الحصن الأخير الذى يتحصّن به الإنسان للدفاع عن إنسانيته ، وثقافته المُتَفَرّدَة ، وهُويَّته الأصيلة ، معنى أن تحسن القراءة أنك تكون قد تعرفت على خطواتك ، وتستطيع أن تُجدّد دُرُوبها ، وتفتح لها الأبواب ..
قلت :
من يتوقف عن القراءة تظل خطواته معطَّلة ، إن القراءة هى التى جعلتنى أُحَلّق بأكثر من جناح فى سماء الكتابة ، وهى التى جعلتنى لا أمشى على الأرض ، إنما أقراء الأرض بخطواتى ، وهى التى جعلت لدى قلم ثقته بنفسه عند الجذور ..
قال :
المشكلة ليست فى القراءة فحسب ، إنما فى مستوى القراءة ، ومن يقرأ ؟
ثم أخذنى وراح يحلق بى فوق سهول المعرفة ووديان الثقافة ، وتضاريس الخرائط الحضارية فى كل العصور ..

ينتمى هذا المُعَلّم الفيلسوف إلى سُلالة الضوء ، وهو أحد البنَّائِين العِظام للأفكار ، بحيث تعتمد عملية البناء على فكرة تقوم فوق فكرة ، وفكرة ترتفع على فكرة قبلها ..
فى كل مرة أعُود لزيارته أو قراءته يتَبَيَّن لى عبقرية هذا المٌفكر المُعَلّم وكيف صارت كتاباته تتميز بالصفاء العقلى ، والرواء الفنى ، والشموخ الهندسى فى مقالاته التى هى أقرب الى فن النحت والعمارة المصرية القديمة ، ما من عبارة يكتبها إلا وَقُدَّت حروفها من أحجار الجرانيت ، ما من عِبارة يكتبها إلا وتمر بعملية صَهر ، وسَبك ، وطَرق ، لكل حرف من حروفها ، بحيث تبدو الفلسفة ركن أصيل فى معمارها الهندسى ، وهو – مُتَفَرّد – حين يبدأ كتابة المقال لا يتوقف عن الكتابة ، ولا يرفع قلمه عن الورق لحظة واحدة حتى ينتهى من كتابة الكلمة الأخيرة فى المقال بأسلوب قوى فى غير عنف ، هادر فى غير صخب ، خلاق فى غير إدعاء ..
إن شئت الدقة المقال يبدو أقرب إلى فن العمارة والنحت المصرى القديم على أعمدة المعابد ، وفوق جدران الكنائس وقباب المساجد ..
كان هذا المعلم الفيلسوف أحد أساطين ” الوضعية المنطقية ” وإمامها ، وأحد الخلاقين العظام الذين تركوا على أديم الأرض أثرًا لن تمحوه السنين ..
فى عصر العَربدة العلمية ، والإلحَاد الألكترونى ” قراءته حِمَايَة ” ذلك العصر الذى فيه قد نستطيع التحوّط ضد إنتقال ” الأمراض ” بأمصال ، لكن البشرية لم تعرف من قبل التحوّط بأمصال ضد إنتقال ” الأفكار ” ..
لقد كان فوق الاحتمال أن نترك ما لدينا من ملكات الحس ، والشعور والتفكير ، يُحَرّكها ” فقيه غَامِض الخَلفية ” عاشق للأساطير والخرافات ، ” يكذب بِصدق ” ، ولا يُفرّق بين قراءة التاريخ التى تعتمد على ” الحقائق ” وقراءة الغَيب التى تعتمد على ” ضَرب الودع ” ..
من هنا كانت قراءة هؤلاء العظام ” حِمَايَة ” للعقل حتى لا نعطى المجهول وصاية على المعلوم ” ..
كان أستاذى وصديقى الدكتور زكى نجيب محمود مفكرًا وفيلسوفًا وموسوعيا يأخذ نفسه بنهجية ضَابِطَة حين يقرأ وحين يكتب ، وهو دائما ما يحاول مزج الفلسفة بالأدب ويقدم خلاصة ذلك للناس ليكون قريبا من أفهامهم ، ما يجعل الوصف الذي أطلقه ” ياقوت الحموى ” فى كتابه معجم الأدباء على ” أبا حيان التوحيدى ” بأنه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة يكاد لا ينطبق إلا على الدكتور زكي نجيب محمود ، فقد نجح في تقديم أعسر الأفكار على الهضم العقلى للقارئ العربى في عبارات أدبية مشرقة ، وفكّ شَفرة الغموض فى أصعب مسائل الفلسفة وجعلها في متناول قارىء الصحيفة اليومية، واستطاع بكتاباته أن يُخرِجَ الفلسفة من سراديب الكتب فى مختلف العصور ومن أروقة المعاهد والجامعات لتؤدى دورها في الحياة ، وبذلك إستطاع أن يسقط الحواجز بين المعرفة والحياة ..
يُحسَب للدكتور زكي نجيب أنه صاحب أول شُعاع مُضىء لتيار ” الوضعية المنطقية ” فى مصر والعالم العربي والإسلامي، في كتبه :
خرافة الميتافيزيقا ، ونحو فلسفة علمية ، والمنطق الوضعي من جزئين ، حياة الفكر في العالم الجديد ، برتراند رسل ، ديفيد هيوم ، الشرق الفنان ، جابر بن حيان ، الجبر الذاتى ، جنة العبيط ، شروق من الغرب ، قيم من التراث ، عربى بين ثقافتين ، ثقافتنا فى مواجهة العصر ، مع الشعراء ، هموم المثقفين ، وغيرها ، كما أن الفكرة عنده تتميز بالبهاء الذى يخلق صِلة بين الوعي الفلسفى والذوق الأدبي .
كنت دائم الزيارة لأستاذى الجليل فى بيته المطل علي نيل القاهرة ، بالدور الحادى عشر بجوار كوبري جامعة القاهرة مباشرةً وهو المنزل الملاصق للسفارة الإسرائيلة سابقا ، ما من مرة أراه إلا وبسمته تطالعنى من حيرتى بسؤال مُفاجىء هكذا :
ماذا قرأت أمس ؟
أذكر أنى قلت له يومًا :
أعيد قراءة ” الأستاذ العقاد ” لقد إنتهيت أمس من قراءة كتابه ” حقائق الإسلام أباطيل خصومه ” ..
قال واليوم عليك أن تقرأ العقاد الشاعر ثم أهدانى كتابه ” مع الشعراء ” بغلافة الأصفر الذى بدأه بدراسة ضافية عن ” العقاد الشاعر ” من صفحة ٥ إلى صفحة ٦٦ أوضح فيها كيف ترجم العقاد للشيطان ، والعقاد كما عرفته ، وفلسفة العقاد من شعره ، ثم ختمها بهذه العبارة : ” رحم الله العقاد الفيلسوف الشاعر ” .
فى أفق هذا المعنى رأيت أن أختار من بين القصائد هذه الأبيات التى يرى فيها العقاد أن أبناء أسوان – ومنهم العقاد – هم أبناء الشمس بأوثق معنى للبنوَّة ، إستمدوا حياتهم من ضرامها فجاءت أنفسهم حرى من حرَّها ، يقول الأستاذ العقاد الأستاذ :
” بنو الشمس أهلوها إذا إشتد قيظها ..
وجاش على الصحراء فاتَّقدت جمرا ..
بقُرْص كأفواه البراكين فاذفِ ..
شآبيب ما أحيا وما أقتل القطرا ..
لقد نفث فينا الحياةَ ضرامُها ..
فأنفسنا من حرِّها شعلة حَرّى .. ”

تلك كانت أولى وقفات الشاعر إزاء معبد ” أنس الوجود ” وقف والشمس مشتعلة والجو ملتهب حول معبد أقيم لعبادة الشمس ، وإنك لتقرأ الأسطر الأخيرة فتكاد تحس لسعة الحر :
شمس ، قيظ ، وقدة ، جمر ، براكين ، ضرام ، حرّ ، حرَّى
ثمانية ألفاظ من ” نار ” حشدت فى ثلاثة أبيات ، فأشاعت فى المقطوعة وهَجًا هو الوهج نفسه الذى يغمر المعبد فى ساعات النهار .
قلت فى نفسى :
” العقاد الشاعر ” :
كانت قيثارته التى يعزف عليها من عصب وكان لحنها من نار .
” العقاد الكاتب السياسى ” :
كان يعزف على أوتار الغضب .
وفى كل الأحوال فإن أستاذنا ” العقاد ” قد شاد مَجده الأدبى بأحجار من جرانيت أسوان .

فى مكتبتى أحتفظ بكل مؤلفات الدكتور ” زكى نجيب محمود ” ، وكل مؤلفات الأستاذ ” عباس محمود العقاد ” بوصفها جُزء من صميمى ..
أذكر يوم ذهبت إلى أستاذى الدكتور ” زكى نجيب محمود ” شاكيًا من صعوبة العثور على كتابه ” فى فلسفة النقد ” فى كل مكتبات مصر ” أن طلب لحظتها من السيدة الجليلة زوجته الأستاذة الدكتورة ” أميرة هانم حلمى ” نسخة من الكتاب فقالت له :
” ليس لدينا إلا نسخة وحيدة هى التى سنعيد طباعتها فى دار الشروق ” ! .
فإذا إجابته قد أثارت دهشتى :
” مش مشكلة ” محسن ” يحتاج اليها فى بحثه ، ثم أخذت هذه النسخة الوحيدة لأحتفظ بها فى مكتبتى بإعتبار هذه النسخة ” بعض ” من صميم الدكتور زكى نجيب محمود على ورق تحمل فكره وعطره معًا .
كثيرا ما تعاودنى تلك اللحظة الباهرة التى سمعت فيها ” إسمى ” منطوقا ومسموعا بصوته ، لها رجع صدى فى أعماقى ولها رنين :
يطربنى ! .

فى الأيام الأخيرة كان واضحًا أن المرض بعد أن نال من عينيه قد بدأ يشتد ويمتد ليطفىء بقايا شمعة تذوب وليس هناك غيرها فى قتام الليل ،
فى لقاءنا الأخير قبل أسبوعين من رحيله فى 8 سبتمبر 1993 كنت معه وكان يسند رأسه على وسادة بطعم الحزن وِضِعَت له أعلى ظهر المقعد الذى كان يجلس عليه ، تلك هى اللحظة التى استشعرت فيها المعنى الذى اختاره عنوانًا لمقاله الأخير ” تغريدة البجعة ” الذى بدأ به كتابه ” حصاد السنين ” .
كنت أدرك أنى أمام ” عُمق إستثنائى ” وكبرياء يتألم فلم ألبث أن توقفت عن الحديث ثم وضعت نقطة فى آخر المناقشة ، وحل صمت مهيب على طول المسافة التى تفصل بين السماء والأرض ، وإستعادنى وعى كنت بحاجة إليه ، ثم تنهَّدت من أعماق قلبى وإنصرفت عائدًا الى بيتى فى نهار يأكله الليل ، منكسرًا أمام الزمن الذى أدار وجهه لفيلسوف ، ومفكر ، وموسوعى لا يظهر عادة إلا فى عصور الإنتقال ..
وقلت :
هذه لحظة مثقلة بالهم ثقيلة على نفسى أريد أن أتحرر منها ، وكلما حاولت أن أغالبها غلبتنى ! .
يَهزّ أعماقى ما أطالعه اليوم فى المجالات كافة ، إنها أشبه بمسرحية وصلت إلى منتصف فصلها الأخير ، ولم تبق إلا مشاهد قليلة من هذا الفصل الأخير تسير به إلى الخاتمة ، ثم ينزل الستار على النهاية ، مسرحية تسعى الى خاتمتها المروعة ، وتبحث عن نهايتها المفزعة .

يبقى أنى فى كل مرة أقرر إنزال الستار بينى وبين الحنين إلى الماضى ، إذا بى أجده قد إرتفع رغم عنى فى غفلة من أمرى على الرغم من أن ذلك قد لا يؤثر بالعاطفة على مواقفى فحسب وإنما على رؤيتى أيضا فيختل أمامى ماهو واقع فى علاقته بحركة التاريخ ..
وهكذا لم يَغِب عنا عَلَم من أعلام النهضة فى مصر فحسب وإنما غَاب عنا ” عَصر ” بأكلمه ” ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: