كتاب وشعراء

أنا سيء ..خاطرة : أحمد سليمان /سوريا

أنا سيء لدرجة أنني أتمنى أن يموت كُل شيءٍ يتمنى الموت ..

سيءٌ لدرجة أنني مدمنٌ على السوءِ و ارتكابِ الخطايا ، عندما أرى شخصاً عاجزاً أمامي يحتاج لمُساعدةٍ ما أبصقُ في وجههِ و أمضي … وإن رأيتُ من يستدعي الألم والوجع أحاول أن أواسيهِ بطريقتي الخاصة إما بالسخريةِ من جراحهِ أو بدغدغتهِ بقسوةٍ قاصداً أن أزيد من ألمهِ أ
..، حتى وإن رأيتُ زهرةً عطشى أشمتُ بها بقصيدةٍ أو أكثر ثم أقطفها و أرميها إلى وحشِ الفراغِ الجائع دوماً ..، ذاتَ مرةٍ كنتُ أسيرُ في هذا الواقع الرمادي .. فجأةً ظهر أمامي كلبٌ بُني اللونِ يمشي على ثلاثٍ و بالكادِ كان نباحهِ يسمع .. فصرتُ أنبحُ بصوتٍ عالٍ محاولا إستفزازهُ ، إلا أنني بعد أن رأيتهُ غير مكترث لما أصدرهُ من ضجيجٍ …. صرتُ أشعر أنه هو الإنسان و أنا الكلب ” ..، كبرتْ غريزة الشر بي و زاد آسفي على نفسي و صرتُ أكثر سوءاً من قبلٍ بعد هذه المواقف …
ذات مرةٍ كنتُ جالسا في مقبرةِ المدينة أثملُ و أعربدُ وسط صمتِ الموتى .. و أتشاجرُ مع حارسِ المقبرة و على حينِ غفلةٍ صرتُ أسمعُ صوتاً غريباً مُرعباً يشبهُ صوتُ ماكينةُ فرمَ اللحمة .. فـصرت أشعر حينها أن الموت يقتربُ أكثر فأكثر ..
بينما حارس المقبرة كان غير مُبالي لذاك الصوت ، كانت  قدماي ترقصانِ من شدةِ الخوفِ والفزعِ .. و جسدي يرتعشُ كأي سنبلةٍ في مهبِ الريح … والروح تُسجل الرعب بواسطة عدسة العين و قلبي يرتجفُ كما نابضُ المنبه ما بينَ يمينٍ و يسار …و من شدةِ الخوفُ آنذاك صرتُ لا إرادياً أسألُ حارس المقبرة … عن ذاك الصوت المُزعج و عن مصدرهِ .. وبعد أن أخبرني حارس المقبرة أن ذاك الصوت هو صوت آلاتِ المعمل الذي يجاور المقبرة انفجر بوجهي غضباً .. متململاً من وجودي في المقبرةِ … إلا أنني بعد أن عرفت مصدر الصوت الذي أرعبني حتى الهذيان … صرتُ أضحك دفعا لخوفي ونكايةً بغضبِ الحارس ..  ثم عدتُ و شتاتي لثمالتّي بطاقةٍ سلبيةٍ مكتظةٍ بالقباحةِ .. فـرغم الرعب الذي أصابني حينها عدتُ للحياة الجَحيمّية لأمارس الرذائلِ و المعاصي  بشكلٍ أكبر من قبلٍ .. و خصوصاً بعد أن إطمئن قلبي وزال هلعي ..صرتُ أشعرُ أنني اكتسبتُ من ذاك الموقف قوةً هائلةً معجونةٌ بالسوءِ ..
لا أعرف أن أكونُ إلا سيئاً و لا أتقنَ سوى فن الشتيمة وكيفية التعدي .. فصارت تمضي الأيام وكلي على هذا السوء .. كُل مكان أذهب إليه أخربهُ أو اوقظَ غبارهُ لتحدثُ فوضى ..،  وما من إنسانٍ أراه إلا وأحاول أذيتهُ حتى ولو من الخفاءِ ،  إلى أن أتى اليوم الذي لم أنساهُ طوال حياتي … إلى أن أتى الموتُ واستوطنَ بي .. إلى أن وقعتُ في فخِ الشقاءِ .. وصرتُ أتسلى بـ يقينِ مُعاناتي .. إلى أن دس الإله بي سُم الحياة .. و منحني أكثر مما أستحق ..
إلى أن عرفتُ أنني أسوءُ من السوءِ .. إلى أن وقعتُ رهينة خطاياي في محرقةِ الذنوبِ .. و فقدتُ صلتي بكلِ شيءٍ حتى وقتي ..، إلى أن أضعتني بين ركامي وصرتُ أفتشُ عني مراراً بكلِ ما بـ قدرتي و في كلِ مرةٍ ألقاني بها إما رماداً أو قتيلا ..

كنتُ في أعلى منزلةٍ من السوءِ إلى أن أطاحني الديكتاتور الذي يسكنني منذ طفولتي … أرضاً في قعرِ هاويتي المكتظة بالبؤسِ والآسى الشديدين .. بقيتُ في هاويتي لفترةٍ من الموتِ .. شاردٌ في ذكرياتي وحكاياتي
.. سارحٌ في خيبتي الأخيرة التي علمتني كيف أكتشفٍ نفسي بنفسي .. دون العودة إلى مراجعٍ علميةٍ أو فلسفية ..
ومن خلالِ تلك الخلوة التي أوقعتني بها صرتُ أكتشفُ نفسي  بنفسي بشكلٍ واضحٍ ، ومن خلالِ تلك الخلوةِ التي منحني إياها الإله بواسطة الديكتاتور الذي بي عرفتُ أنني لستُ سيئاً و إنما فقط أعاني من قصورٍ إنساني ، و أفتقرُ إلى عنصرِ الرأفة و الذي هو الفيتامين الأساسي الذي يُغذي القلب بالحُبِ و يلبي رغبة الروح في الحياة ، وصرتُ أعي جيداً أنني لستُ سيئاً و إنما هناك خللٌ في عاطفتي حيثُ إنها خاليةٌ من الحس الإنساني المميز و غالباً ما تميلُ نحو الشر !!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى