الخميس , فبراير 25 2021

{(57)..حروب الجيل الرابع وتجديد توظيف الوهابية}.. بقلم الكاتب ..•°محمد السني •°

(57) حروب الجيل الرابع وتجدد توظيف الوهابية 2. بقلم: محمد السني
في الوقت الذي كانت مصر تفقد فيه قوتها الناعمة تباعًا ضمن ما فقدت من أسباب المنعة وعوامل القوة، والاستمرار في التبعية الموضوعية لدول مركز الرأسمالية الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، مع باقي دول إقليمنا التعيس، والذي تكامل مع الغزو الوهابي كأحد أهم عناصر ضرب القوة الناعمة المصرية بل والهُوية المصرية ذاتها وذلك كما أوضحنا سابقا بشيء من التفصيل. كان الغرب يطور مفهوم [الحرب النفسية]، وينشأ مفهوم [القوة الناعمة] لتأصيل وشرعنة وسائل وأساليب وآليات [حروب الجيل الرابع]، ويسعى لاستخدام تلك القوة الناعمة للحد الأقصى إدراكًا وإيمامًا منهم بقيتها العظمى. وكما أوضحنا سابقًا، فبعد أن انقلب السحر على السحرة، وتسلل الإرهاب الوهابي لعقر دارهم، تولدت لدى دول مركز الرأسمالية الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، فكرة [توطين] هذا السرطان اللعين (الوهابية) في بلدان المنشأ. بل وتوظيفه لتحقيق مطامع الغرب في إقليمنا التعيس، ولتدمير ما تبقى من عناصر المنعة والقوة داخل الإقليم دولًا ومؤسسات وكيانات وأفراد، وكانت هذه القوى الظلامية على أهبة الاستعداد للقيام بهذه المهام على أكمل وجه. وأوضحنا كيف تجدد وتطور هذا التوظيف مع نشأة الجيل الرابع من الحروب التي سُميت بحرب الأفكار أو [الحرب الناعمة] الغير الصلبة. وتشترك الحرب الناعمة مع [الحرب النفسية] في الوصول إلى الأهداف ذاتها، لكنهما يختلفان باختلاف التكتـيكات، فبـدلًا من استعراض القـوة العسكرية وبث الرعب عبر وسائل الإعلام والتهديد بامتلاك قدرات غير معروفة وتطوير أسلحة خاصة، وهي من وسائل الحرب النفسية، فإن الحرب الناعمة تستهدف جذب الأنصار، والتأثير على عقولهم وتقديم نماذج ثقافية وسياسية ولكن بمعزل عن سياقها التاريخي ودون التطرق لاعتبارات الفجوة الحضارية بين المجتمعات الغربية ودول الأطراف (الغير رأسمالية). وهكذا يمكن للحرب الناعمة أن تدخل البيوت عبر شاشات التلفزيون والإنترنت والهواتف الخليوية وفي ظل العولمة الإعلامية والثقافية والمعلوماتية المفتوحة.
في عام 2004 كانت المحاولة الجادة الأولى للتأصيل الفكري لمفهوم [القوة الناعمة] وتسويقه أخلاقيًا وساسيًا على يد الأمريكي [جوزيف ناي]، في كتابه الهام للغاية والمعنون باسم [القوة الناعمة: وسائل النجاح في السياسة الدولية]، وقام بترجمته للعربية [محمد البجيرمي]. وذلك حين تحدث عن قوة النموذج الذي ينتصر فيه على نموذج القوة، ليؤكد أن العدوان الأمريكي على العراق لم يكن مُبررًا، مشيرًا إلى أنه كان يمكن كسب المعركة بالقوة الناعمة ودون تكلفة تُذكر، محذرًا من الإفراط في التوسع العسكري، لا سيما بعد احتلال أفغانستان والعراق، معتبرًا الحرب ليست قدرًا محتومًا، لا في السابق ولا في الحاضر. وترجع أهمية كتاب جوزيف ناي إلى أنه ليس فقط مفكر ومؤلف ولكن أيضًا باعتباره شخصية متنفذة في السياسة الخارجية الأمريكية، فهو واحد من الأكاديميين المرموقين المؤثرين في العلاقات الدولية والسياسات الخارجية الأمريكية، كما أنه شغل منصب عميد كلية كينيدي للدراسات الحكومية في جامعة هارفارد، كما شغل منصب رئيس مجلس المخابرات الوطني ومساعد وزير الدفاع الأمريكي في حكومة بيل كلينتون. وجاء الكتاب ليصيغ أحد وسائل النجاح في التأثير السياسي دون اللجوء إلى استخدام القوة الصلبة، في حين تبنى جوزيف ناي تعريفًا أوسع للقوة الصلبة، لا يقتصر على القوة العسكرية فقط، حيث رأى أنها تعني أيضًا القدرة على استخدام الجزرة عن طريق الأدوات الاقتصادية، بهدف التأثير على سلوك الآخرين. ومصطلح [القوة الناعمة] من جانب أنه قوة فهو يأتي مقابلًا للقوة الصلبة كقوة تأثير متمثلة في القوة العسكرية والاقتصادية. وقد يتبادر للذهن أن القوة الناعمة تشير إلى السينما والمسرح والمسلسلات التليفزيونية والموسيقى والصحافة وكرة القدم … الخ، وهذا تسطيح لهذه القوة الإستراتيجية في مفهومها الشامل، والذي ينتمي في الأساس إلى مفاهيم العلاقات الدولية والسياسة الخارجية لخدمة المصالح الوطنية وتنميتها.
حسب جوزيف ناي فإن القوة الناعمة تعني: “القدرة على [الجذب] لا عن طريق الإرغام والقهـر والتهديد العسكري والضغط الاقتصادي، ولا عن طريق دفع الرشاوى وتقديم الأموال لشراء التأييد والموالاة، كما كان يجري في الإستراتيجيات التقليدية الأمريكية، بل عن طريق [الجاذبية]، وجعل الآخرين يريدون ما تريد”. كما يؤكد جوزيف أن ثقافة المجتمع (البعد الجاذب من هذه الثقافة) تُعد مصدرًا من مصادر القوة الناعمة، إلى جانب القيم السياسية والسياسة الخارجية. وأكد جوزيف كذلك على عنصر الجاذبية الذي تعتمد عليه القوة الناعمة فالقوة الناعمة تعنى لديه القدرة على تحقيق أهداف معينة عن طريق الترغيب والجاذبية لا الترهيب والإكراه. فبالقوة الناعمة يمكن تحقيق الأهداف المرجوة عن طريق الترغيب والجذب والقدرة على الاستقطاب والإقناع، ومن خلال الجاذبية الثقافية أو السياسية أو الإعلامية…الخ للدولة لإقامة علاقات مع الحلفاء، وتقديم المساعدات الاقتصادية، والتبادل الثقافي مع الدول الأخرى، وخلق رأي عام متوافق. ورغم أن طريق القوة الناعمة قد يكـون طويلًا ومـتعرجًا وبطيئًا، ولكنه الأقل تكلفة بشريًا وماديًا ومعنويًا، خصوصًا إذا استطاعت الهيمنة على العقول وكسب القلوب، والتأثير في الوجدان والسلوك. وتعني القوة الناعمة أن يكون للدولة قوة روحية ومعنوية من خلال ما تجسده من أفكار ومبادئ وأخلاق ومن خلال الدعم في مجالات حقوق الإنسان والبنية التحتية والثقافة والفن، مما يؤدي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به ثم اتباع مصادره. وبحسب جوزيف فإن موارد القوة الناعمة لأي بلد هي ثقافته إذا كانت تتمتع بالقدر الأدنى من الجاذبية، وقيمه السياسية عندما يطبقها بإخلاص داخليًا وخارجيًا إضافة إلى السياسة الخارجية. ولقد جاء الكتاب ليوضح حقيقة مفهوم [القوة الناعمة] ويبلوره ويوضحه بأمثلة لأن كثيرين قد أساؤوا فهمه واستخدامه، وحصروه في نظرة سطحية لا تتجاوز تأثير الماكدونالدز والجينز وأفلام الكاوبوي وما إلى ذلك. وباختصار فإن القوة الناعمة تدخل كل مورد لا يُحتسب على القدرات العسكرية أو ضمن القوة الصلبة، حيث تشمل المؤثرات الثقافية والإعلامية والعلمية والاقتصادية، إضافة إلى العلاقات العامة، التي غالبًا ما تُستخدم كجسر لإمرار سياسات أو مناهج.
قسم جوزيف ناي كتابه إلى خمسة فصول حاول خلالها التفصيل في مفهوم القوة الناعمة التي تعمل جنبًا إلى جنب مع القوة الصلبة (العسكرية) لتقوية مصالح أمريكا في كل أرجاء العالم. يبدأ الفصل الأولبتأصيل مفهوم القوة الناعمة باعتبارها: “القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق [الجاذبية] بدلًا من الإرغام أو دفع الأموال” (ص12)، وهكذا فإن القوة الناعمة تختلف عن القوة الصلبة المتمثلة في العتاد العسكري والثراء الاقتصادي واستعمالهما بالتهديد بالعقوبات أو الاستمالة بالمساعدات. وهناك عدة طرق لجعل الآخرين يريدون ما تريد، يمكنك إكراههم بالتهديدات، يمكنك تحفيزهم بالدافع، أو يمكنك جذبهم واستضافتهم لجعلهم يريدوا ما تريد، وهذه هي القوة الناعمة. ويصف ناي القوة الناعمة بأنها أكثر من مجرد تأثير، لأن التأثير يمكن أن يعتمد أيضًا على القوة الصلبة للتهديدات أو المدفوعات، ولكن القوة الناعمة هي أكثر من مجرد الإقناع أو القدرة على تحريك الناس بالحجة، فهي أيضًا القدرة على [الجاذبية] التي تقود غالبًا إلى الرضا. أن تمتلك قوة ناعمة يعني أن تجعل الآخرين يعجبون بك ويتطلعون إلى ما تقوم به فيتخذون موقفًا إيجابيًا من قيمك وأفكارك فتتوافق بالتبعية رغبتهم مع رغبتك. ثم ينتقل إلى الحديث عن القوة السياسية الناعمة للدول، فيوضح أن بلدًا ما قد يكون قويًا وذا تأثير في السياسة الدولية “لأن هناك بلدانًا أخرى معجبة بمُثُله العليا والقيم الأخلاقية لشعبه، فتحذو حذوه، وتتطلع إلى ما بلغه من ازدهار وانفتاح ورفاهة، تريد أن تتبعه” (ص24). وهكذا نفهم أن القوة الناعمة تعتمد على قدرة الدولة في صياغة رغبات الآخرين بعد أن تكون بمثابة قدوة لهم يتبنون قيمها وأسلوب حياتها. ومن أهم مزايا القوة الناعمة أنها تغني عن سياسات العصا والجزرة، وهناك دول لا تمتلك قوة عسكرية أو اقتصادية كبيرة بقدر ما تتمتع به من قوة ناعمة بسبب مشاركتها في قضايا عالمية جاذبة مثل الوساطة في محادثات السلام واستضافة أطرافها، ومبادرات الحفاظ على البيئة ومكافحة الأمراض والأوبئة. ولكن ذلك لا يعني بالطبع التقليل من أهمية القوة الصلبة. وفي الآونة الأخيرة، تم استخدام المصطلح للتأثير على الرأي الاجتماعي والعام وتغييره من خلال قنوات أقل شفافية نسبيًا والضغط من خلال المنظمات السياسية وغير السياسية. إذ قال جوزيف ناي أنه: “مع القوة الناعمة أفضل الدعايات ليست دعاية”، موضحًا أنه وفي عصر المعلومات، تُعد “المصداقية أندر الموارد”. ويؤكد جوزيف أن القوة الناعمة لا يمكن اختزالها في الثقافة فقط، ويضرب مجموعة من الأمثلة على ذلك منها: أن الكوكاكولا وشطائر ماكدونالد الكبيرة لن تجتذب بالضرورة الناس في العالم الإسلامي حتى يحبوا أمريكا، كما أن دكتاتور كوريا الشمالية كيم جونغ ايل يحب البيتزا وأشرطة الفيديو الأمريكية ومع ذلك لم تثنه هذه الأمور عن الاستمرار في طموحه النووي، والأجبان والمشروبات الفرنسية الممتازة لا تضمن الانجذاب إلى فرنسا، ولا تضمن ألعاب البوكيمون لليابان النتائج السياسية التي تتمناها. يبقى السياق بحسب جوزيف هو أحد المحددات الأساسية للقوة الناعمة، فمن غير المقبول أن لا تُستعمل القوة العسكرية لمواجهة الصرب المحبين لشطائر مكدونالدز والمؤيدين في نفس الوقت لسياسة سلوبودان ميلوشيفيتش، ونفس الموقف هو ما يجب أن يتبناه المرء في الأزمة الرواندية حيث قُتل 800 ألف شخص من التوتسي على يد الهوتو دون أن يحرك العالم ساكنًا. ويوضح جوزيف أن حسم الصراعات بالقوة العسكرية وحدها أصبح أمرًا من الماضي خاصة وأن الانفتاح وقوة وسائل الاتصال والبرمجيات قد تشكل عائقًا كلما حاولت الولايات المتحدة شن حرب جديدة، ويدعو إلى اعتماد استراتيجية [القوة الناعمة] لضمان حلفاء ليس من الحكام فقط بل من شعوب المناطق التي تريد أمريكا فرض سيطرتها عليها بشكل ما.
فى الفصل الثاني يرى جوزيف ناي أن القوة الناعمة تقوم على ثلاثة مصادر، أولًا ثقافتها في الأماكن التي تجذب فيها الآخرين. وثانيًا قيمها السياسية عندما ترقى إليهم في الداخل والخارج. وثالثًا سياستها الخارجية عندما يراها الأخرون شرعية وأخلاقية، ويستعرض جوزيف العديد من العوامل التي يمكن اعتبارها مصادر ثرية للقوة الناعمة الأميركية. فمثلًا تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية 62% من أهم العلامات التجارية في العالم، وبها 28% من مجموع الطلاب الدارسين خارج بلادهم وسيحملون الكثير من القيم والمبادئ الأمريكية، ويمكن أن يكونوا سفراءً للثقافة الأمريكية ويحتلون في دولهم مراكز القرار، وهي الأولى عالميًا في نشر الكتب وفي إنتاج البحوث العلمية، كما تحتل أمريكا المرتبة الأولى في الفوز بجوائز نوبل في الفيزياء والكيمياء والاقتصاد، ومبيعاتها من المؤلفات الموسيقية تشكل الضعف مقارنة مع اليابان التي تحتل المرتبة الثانية، وتعتبر أمريكا أكبر مصدر للأفلام والبرامج التلفزيونية في العالم رغم أن بوليوود الهندية تنتج أفلامًا أكثر منها في كل عام. ولكن جوزيف لا يقف هنا بل يذكر أيضًا العوامل المنفرة من أمريكا، ويوضح أن وجود تلك المصادر الجاذبة لا يعني بالضرورة إنتاج قوة ناعمة متحققة، لأنها يجب أن تتناغم مع جاذبية السياسة العامة للبلد، فرغم الإعجاب الجماهيري العالمي بعلوم أمريكا وتقنياتها وأفلامها وموسيقاها إلا أنها خسرت كثيرًا من جاذبيتها في حرب فيتنام وعند غزو العراق عام 2003. ويوضح جوزيف أن حسم الصراعات بالقوة العسكرية وحدها أصبح أمرًا من الماضي خاصة وأن الانفتاح وقوة وسائل الاتصال والبرمجيات قد تشكل عائقًا كلما حاولت الولايات المتحدة شن حرب جديدة. ومن أهم ما تحدث عنه جوزيف دور الثقافة النخبوية في إنتاج القوة الناعمة، فأشار إلى أهمية المبادلات الأكاديمية والعلمية وكيف أن الكثير من العلماء السوفييت الذين زاروا أمريكا قد تأثروا بالأفكار الأمريكية وأصبحوا لاحقًا ناشطين في حركات حقوق الإنسان في الاتحاد السوفييتي (قبل سقوطه)، ثم تحدث عن دور الثقافة الشعبية المتمثلة في الأفلام والأغاني والرياضة وما إلى ذلك مما يبث القيم الأمريكية حتى وإن بدت سطحية مبتذلة: “ولا يمكننا التقليل من تأثير هوليوود – فالصور كثيرًا ما تنقل القيم بصورة أقوى مما تفعل الكلمات – وهوليود هي أكبر مروج ومصدر للرموز البصرية” (ص82). ويشير جوزيف إلى أن هذه الثقافة الشعبية هي التي تغلبت بقيم الحرية والديمقراطية والليبرالية والشبابية على مد الفكر الشيوعي، وهي التي اخترقت جدار برلين بزمن طويل قبل سقوطه. وفي الصين يذكر جوزيف مثالًا إحدى المعارضات التي كانت تدندن بأغاني [بوب ديلان] في رأسها عندما تُجبر على الاستماع إلى الخطب الشيوعية، وكذلك أفلام هوليود المهربة التي دغدغت رغبة الشباب الصيني في إحداث التغيير والانفتاح السياسي. وتجدر الإشارة إلى أن الإعجاب بالقيم الأمريكية لا يعني الرغبة في تقليد النموذج الأمريكي، فهناك ملاحظات سلبية كثيرة على الممارسة الأمريكية لهذه القيم خاصة لدى المجتمعات التي تهتم بالقيم الأسرية والاجتماعية.
يوضح جوزيف ناي في الفصل الثالث أن الولايات المتحدة ليست الرائدة في كل نوع من مصادر القوة الناعمة، حيث كان الاتحاد السوفييتي ذا تأثير كبير تدعمه الأحزاب الشيوعية في مختلف أنحاء العالم، وكان ينفق كثيرًا لنشر ثقافته وفنونه ويشارك بفاعلية في القضايا الإنسانية الجذابة، إضافة إلى تقدمه العلمي الكبير. أما المنافس الحالي الأقوى لأمريكا فهي أوروبا، حيث الفنون والآداب والأزياء والأطعمة الأوروبية تتمتع بجاذبية عالمية طاغية، إضافة إلى أن الدول الأوروبية تحتل المراكز الخمسة الأولى في عدد جوائز نوبل في الأدب، والمراكز العليا في مبيعات المؤلفات الموسيقية ونشر الكتب. هذا وتنفق الدول الأوروبية مجتمعة أكثر مما تنفقه الولايات المتحدة على مساعدات التنمية الدولية والدبلوماسية العامة، بالإضافة إلى جاذبية أوروبا كونها تميل للسلم وتدافع عن قضايا حقوق الإنسان وحفظ البيئة وغير ذلك، كما أنها ذات خبرة أكبر وأفضل من الولايات المتحدة في إدارة المؤسسات متعددة الجنسيات. ثم يتحدث جوزيف عن آسيا وخاصة اليابان التي لها قوة ناعمة كبيرة بسبب كونها صاحبة أكثر براءات اختراع في العالم، ورائدة الصور المتحركة وألعاب الفيديو، واحتلالها المركز الثاني في بيع الكتب والموسيقى وصادرات التكنولوجيا المتقدمة واستضافة المواقع الإلكترونية، مع الإشارة إلى المستقبل الباهر الذي ينتظر الصين والهند. ويختتم جوزيف هذا الفصل بالحديث عن المؤسسات غير الحكومية التي تتمتع بقوة ناعمة كبيرة مثل المنظمات الحقوقية والشركات عابرة القومية، خاصة وأنها تستفيد الآن من الثورة المعلوماتية والاتصالات.. وفي الفصل الرابع ركز جوزيف ناي على إتقان استخدام القوة الناعمة، كما فعلت فرنسا حين نشرت لغتها وآدابها في الخارج في القرن التاسع عشر. ومن الأمثلة الهامة والمثيرة [مكتب الخدمات الإستراتيجية] في أمريكا الذي كان يعمل على “نشر معلومات مضللة، وتشكيل منتجات هوليود لتصبح أدوات دعاية فاعلة والتوصية بإضافات وحذف منها، وحرمان أفلام أخرى من الترخيص بالعرض” (ص153). وبذلك تظهر القوة الناعمة وسيلة مهمة لتحقيق الأهداف، وذلك من خلال وسائل مختلفة: أولًا الأدوات الثقافية، حيث تكون لها جاذبية في الانتشار والتأثير على العقول. ثانيًا القيم السياسية، ويبدو الصراع الدولي اليوم محتدمًا حول مسألة التعددية والتنوع واحترام الآخر، إضافة إلى مبادىء المساواة والعدالة وغير ذلك. ثالثًا العوامل الاقتصادية، التي يجري سباق لا حدود له بين الدول والمجتمعات، بخصوص تحقيق دولة الرفاه، وليس دولة الرعاية فحسب، إضافة إلى الوفرة المادية. رابعًا الوسائل الإعلامية، وأساليب التضليل والخداع وأنصاف الحقائق والتشويه والدعاية والتلفيق، وغير ذلك. خامسًا الدور الذي يمكن أن تلعبه العلاقات الخارجية والنهج الذي يحدده باعتباره قيمة أخلاقية ومعنوية بالدعوة للقيم السياسية.
يخصص المؤلف جزءًا للحديث عن الشرق الأوسط وصعوبة استخدام القوة الناعمة فيه لأسباب عديدة منها الفوارق الثقافية الكبيرة بين أمريكا والشرق الأوسط ونزعة العداء لأميركا. رغم ذلك فهناك جوانب كثيرة من الثقافة الأمريكية يحبها أهل الشرق الأوسط تُعد أساسًا جيدًا للقوة الناعمة إلا أن الولايات المتحدة أثبتت فشلها في استغلال هذه الفرص. لذلك فقد وضعت لجنة استشارية بعض التوجيهات لزيادة القوة الأمريكية الناعمة في البلاد العربية مثل إنشاء المكتبات وترجمة الكتب الغربية إلى العربية وزيادة المنح الدراسية والزيارات الأكاديمية، ويشدد جوزيف على ذلك بقوله: “إن الأهم هو تطوير استراتيجية بعيدة الأمد للمبادلات الثقافية والتعليمية التي تنمي مجتمعًا مدنيًا أغنى وأخصب وأكثر انفتاحا في بلدان الشرق الأوسط. إن أكثر الناطقين باسم أمريكا فاعلية وتأثيرًا ليسوا هم الأمريكيون، بل وكلاؤهم المحليون من أهل البلاد الأصليين الذين يفهمون فضائل أمريكا وعيوبها كذلك” (ص181). وأما الفصل الأخيرمن الكتاب فمخصص لبحث العلاقة بين السياسة الخارجية الأمريكية والقوة الناعمة، وقد بيّن فيه جوزيف ناي كيف أن هذه السـياسة “المكروهة” أدت إلى انحدار القوة الناعمة وتناقص أثر الثقافة الشعبية الأميركية في العالم في مقابل تزايد الإقبال على الثقافات الأخرى والفاعلين الآخرين، مثل تنظيم القاعدة الذي زادت أعداد مؤيديه والمتعاطفين معه إثر معاداة أميركا. ويحذر جوزيف من تجاهل أهمية القوة الناعمة وفاعليتها، ويستنكر أن الولايات المتحدة تنفق على [القوة العسكرية] أكثر من سبعة عشر ضعفًا لما تنفقه على [القوة الناعمة]. وفقا لمسح مونوكل للقوة الناعمة عام 2014، تتبوأ الولايات المتحدة المركز الأول تليها ألمانيا ثم المملكة المتحدة واليابان وفرنسا وسويسرا وأستراليا والسويد والدنمارك وكندا. وللحرب الناعمة أدوات ونجوم مثل الشركات والإعلام وشركات الإعلان والتسويق ومراكز المال والأبحاث وأجهزة المخابرات، وتستهدف الإقناع حتى وإن كان عن طريق الخداع، والتضليل. ويُستخدم المصطلح حاليًا على نطاق واسع في الشؤون الدولية من قبل المحللين والسياسيين. على سبيل المثال، تحدث الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني (هو جينتاو) عام 2007 أن الصين بحاجة إلى زيادة قوتها الناعمة. وتحدث وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس عن الحاجة إلى تعزيز القوة الناعمة الأمريكية عن طريق “زيادة الإنفاق على الأدوات المدنية من الأمن القومي بالدبلوماسية، والاتصالات الاستراتيجية، وتقديم المساعدة الأجنبية، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية”.
في نظر جوزيف ناي فإن القوة الناعمة بنفس مستوى أهمية القوة الخشنة كل منهم يدعم الآخر ففي حين أن القوة الصلبة تُعد أساسًا للقوة الناعمة حيث أنها تزيد من جاذبية الدولة وكذلك قدرتها على التأثير واستخدام مصادر القوة الناعمة وتوجهيها في الاتجاه المناسب، فإن القوة الناعمة هي الأخرى توفر للقوة الصلبة غطاء الشرعية في عيون الآخرين. ونتيجة للتطورات الرهيبة طيلة القرن العشرين ظهرت [القوة الذكية] لتثبت فشل استخدام القوة الصلبة وحدها أو الناعمة بذاتها لتظهر القوة الذكية كمصطلح له معاني ودلالات قوية في تغير سياسة الدول العظمى. كما أكد جوزيف أن الإستراتيجية الفعالة في العالم الحقيقى هي الدمج بين القوة الصلبة والناعمة بطرق فعالة. ويعرف أرنست ويلسون القوة الذكية على أنها قدرة الفاعل الدولي على مزج عناصر القوة الصلبة والقوة الناعمة بطريقة تضمن تدعيم تحقيق الأهداف بكفاءة وفعالية. وقدمها جوزيف ناي كرد فعل على المغالطة بشأن الفكرة السائدة أن القوة الناعمة يمكن إن تعمل وحدها لتحقيق أهداف السياسة الخارجية وضرورة الانتقال للمعنى الأوسع والأشمل للإستراتيجية وتطويرها لتشمل القوة الناعمة والقوة الصلبة معًا وذلك ليكون أكثر مواكبة للسياق والتطورات الدولية المختلفة بحيث لا يمكن الاستغناء عن أي من نوعي القوة، وأكد ناي: “ينبغي أن تعمل القوة الناعمة بتمازج وتداخل تام مع القوة الصلبة، فالحاجة ماسة إلى سيف القوة الصلبة لأجل تحقيق السيطرة والسطوة العسكرية، في حين تعمل القوة الناعمة على الاستمالة والجذب والإقناع، وتلك هي القوة الذكية بالمزج بين القوتين”، وأضاف ناي: “بصفتي نائب سابق لوزير الدفاع الأمريكي لا يمكن لأحد أن يشك في مدى معرفتي واقتناعي بأهمية القوة العسكرية الصلبة، ولكننا لن ننجح بالسيف وحده. ولقد نجحنا بمواجهة الاتحاد السوفيتي ليس بالقوة العسكرية والردع العسكري فحسب، وليس من خلال عمليات الحرب الباردة، بل بسبب القوة الناعمة التي قُدر لها أن تساعد في تحويل الكتلة السوفيتية من الداخل، ولو استغرق ذلك عشرات السنين. فالعبرة الأهم هي الصبر والنفس الطويل والمزج والتوازن بين القوتين الصلبة والناعمة وتلك هي القوة الذكية”. وكانت من ضمن الأسباب التي أدت إلى نشأة مفهوم القوة الذكية أولًا أنه يمكن تحقيق مردود في الشؤون الدولية من خلال الاستقطاب، أكثر مما يمكن تحقيقه عبر الإكراه، ويقول جوزيف ناي في هذا السياق: “لقد أضحى من الصعب، في العالم المعاصر، واستخدام العصا…إذ القوة العسكرية، على الرغم من ضرورتها كسياسة ردع وإكراه، فهي أصبحت صعبة جدًا… وأصبحت الحرب أمرًا مكلفًا ماديًا، ناهيك عن المناهضة المتزايدة للحروب، والنفور المتزايد من استخدام القوة، أو محاصرة الدول والشعوب”. وثانيًا حاجة الدول المتقدمة لاستقطاب الدول النامية للعمل معها كشريك دولي، لمواجهة التحديات العالمية المشتركة، التي لا تستطيع أي دولة التصدي لها بمفردها مثل التغيرات المناخية، وانتشار الأمراض المستعصية، وتصاعد خطورة [الدول الفاشلة] على الأمن العالمي وغيرها. ثالثًا أدت مرحلة الحرب الباردة بين الدولتين العظميين إلى إرهاق متبادل لهما، نتيجة الدخول في سباق للتسلح لا نهاية له، وأن تطوير تقنية السلاح أصبح مسألة مكلفة للطرفين بشكل كبير جدًا رغم “انتصار” الولايات المتحدة، فضلًا عن وجود أزمة اقتصادية عالمية، تجعل من الصعب على الشعوب الغربية القبول بتخصيص اعتمادات عسكرية كبيرة في وقت يقوم البعض منها بتصفية مؤسسات الرفاه الاجتماعي. رابعًا ظهور دول لها قوة نووية غير خاضعة للهيمنة الغربية، مثل كوريا الشمالية وإيران. خامسًا أدرك الغرب عبث المواجهة العسكرية مع القوى المناهضة غير الرسمية، خصوصًا بعد تجربة أفغانستان وبعد التجربة المريرة في فيتنام وتجربة الانتفاضة الفلسطينية. وظهور أسلحة دمار رخيصة مثل الصواريخ ذات الرؤوس الميكروبية (قنبلة الفقراء النووية)، بل أثبتت حرب أفغانستان مقدرة الجماعات الإرهابية على الحصول على أسلحة ذات مقدرة تدميرية عالية، لا يحتاج استخدامها إلى متخصصين وإلى دورات تدريبية. سادسًا لاحظ الغرب أن ثورة المعلومات والنظام الإعلامي الجديد بأفلامه وكتبه ومرئياته ومراكز بحوثه، لديهما مقدرة هائلة على الاختراق، تساعد على نقل المنظومة القيمية الغربية إلى كل أرجاء العالم، بعد أن كانت محصورة إلى حد كبير في الغرب، بدأت تظهر مراكز اقتصادية غير غربية تطور نفسها خارج شبكة الهيمنة الغربية مثل اليابان والصين وماليزيا وغيرها، بالإضافة لظهور الشراكات بين القارات.
يخلص جوزيف ناي إلى أن عوامل نجاح [القوة الذكية] في أمريكا تمثلت في التركيز على خمس أشياء أساسية هي: أولًا إعادة تقوية التحالفات والشراكات والمنظمات التي تتيح لواشنطن مواجهة مصادر الخطر المتعددة، وعدم الحاجة إلى بناء تحالف جديد عند مواجهة كل تحدي جديد. ثانيا أن يكون هناك اهتمام على مستوي الإدارات الأمريكية بالتنمية على المستوي الدولي، مما يساعد واشنطن على تطوير برامج المساعدات، بحيث تكون أكثر تكاملًا وتوحًدا، والذي يربط المصالح الأمريكية مع تطلعات الأفراد في كافة أنحاء العالم، والتي تبدأ بالاهتمام بالصحة العالمية. ثالثًا إعادة استثمار الدبلوماسية الشعبية، وإنشاء مؤسسات لا تسعى إلى الربح في الخارج، لخلق روابط بين الأفراد، والتي تتضمن مضاعفة الاعتماد السنوي لبرنامج [فولبرايت] الذي ترعاه الولايات المتحدة الأمريكية لتعزز التفاهم والتبادل العلمي والثقافي بين شعبها وشعوب دول العالم. رابعًا الارتباط بالاقتصاد العالمي بالتفاوض حول مناطق التجارة الحرة مع دول منظمة التجارة العالمية الراغبة في التحرك تجاه تحرير التجارة، استنادًا إلى القاعدة الدولية، وتوسيع مناطق التجارة الحرة لتشمل الدول التي لم تحلق بركب العولمة. خامسًا أخذ موقع الصدارة في قضايا التغيرات المناخية وغياب الأمن لمصادر الطاقة، بالاستثمار أكثر في مجالات التقنية والإبداع.. هذا ولا تزال هناك العديد من تحديات استخدام القوة الذكية وتتمثل في: أولًا التحدي المؤسسي، ويتمركز التحدي المؤسسي للقوة الذكية في الفجوة القائمة بين مؤسسات القوة الصلبة المتمثلة في المؤسسة العسكرية أو الجيش ومؤسسات الأمن التي تعتمد على استخدام الإكراه والإجبار، وبين مؤسسات القوة الناعمة التي قد تدخل ضمن ميزانية الدولة في صورة مهملة او بدون إعطائها وزنها الحقيقي. فحجم مؤسسات القوة الصلبة أكبر بكثير من نظرائها للقوة الناعمة من حيث الحجم المؤسسي والرسوخ والثبات ناهيك عن ميزانية الدولة في كل منهما. فالتباين المؤسسي بين القوتين ينتج تعقيدات تتعلق بحجم المؤسسات ومكانتها وثقافتها المؤسسية وكل هذا بالطبع يؤثر في أدائها وبالتالي أداء القوة الذكية، لذا يمكن القول إن القدرة على إيجاد ترتيبات مؤسسية متوازنة يعتمد على رغبة القيادة السياسية للدولة على فهم مثل هذه التعقيدات ومحاولة التنسيق والموازنة بينهم بجانب تأييد من التجمعات السياسية لمثل هذا التوجه من القوة الذكية. ثانيًا التحدي السياسي، حيث أن القوة الذكية لا تحتاج فقط إلى مؤسسات تدعمها وحسب بل تحتاج إلى قوة سياسية وإرادة من القيادة لتحقيقها. فالجانب المؤسسي يعتمد في إصلاحه بالأساس على مثل هذه القيادة الراغبة، فغياب التوازن السياسي بين القوة الناعمة والقوة الصلبة تحدي أخر من تحديات القوة الذكية. فأنصار القوة الصلبة ومؤيديها أكثر قوة وحجمًا وتمثيلًا من أنصار القوة الناعمة وهذا لا يقتصر على النخبة السياسية للدولة بل يمتد لدوائر الجماهير والتأييد الشعبي لها. فالناخبون السياسيون عندما يختارون ممثل لهم فهم يفضلون التوجه الذي يعتمد على القوة الصلبة المرئية والملموسة التي يأخذها هؤلاء في الاعتبار ويعتبرونها رمزًا لقوة الدولة وتأثيرها ومقدرة على حماية مصالحها. فأنصار القوة الناعمة بين فئات المواطنين أقل بكثير من هؤلاء المؤيدين للقوة الصلبة وتقتصر التأييد والدعوة لهذا التوجه على فئات الأكاديميين والدبلوماسيين السابقين فلا يوجد قوة شعبية توازن تلك التي تمتلكها القوة الصلبة .. ومن هنا يمكننا القول أنه لا يمكن الاعتماد على القوة الصلبة فقط أو القوة الناعمة فقط في وقتنا الحالي وخاصة مع تعقد النظام الدولي وتداخل المصالح للدول الكبرى وتغير موازين القوى، حيث أنه أصبح هناك العديد من الفاعلين الدوليين وغير الدوليين على الساحة، فيجب على الدولة التي تسعي إلى تعظيم أرباحها أن توازن بين استخدام القوه الصلبة والقوة الناعمة وصولًا للقوة الذكية لكي تحافظ على وزنها في النظام الدولي.
تعرض مفهوم [القوة الناعمة] لانتقادات عديدة، من بينها أنه مفهوم شديد العمومية وغير محدد، كما أنه من الصعب تحديد الآثار المترتبة عن القوة الناعمة لأن معظمها يكون خاص بأشياء معنوية للدولة مثل الثقافة والرأي العام والإعلام فتأثيرها يكون غير مباشر على عكس القوة الصلبة التي تكون واضحة ومباشرة والتي يرى الواقعيين أنها مازالت الأكثر تأثيرًا في العلاقات الدولية. ولم يكن اليمين الغربي وحده هو منظر [القوة الناعمة]، بل أن مفكرًا يساريًا كبيرًا مثل نعوم تشومسكي كان قد دعا إلى مواجهة المشاكل الكبرى مثل الإرهاب والفقر والتخلف والعولمة والتنمية من خلال علاقات دولية أكثر تكافؤًا. وإن كان من زاوية مختلفة، حيث دعا إلى أن تتفرغ الأمم المتحدة لحل النزاعات الدولية، وهذا يتطلب من وجهة نظره انضمام جديد لواشنطن لنظام محكمة روما (المحكمة الجنائية الدولية) التي أُعلن عن تأسيها في العام 1998 ودخل ميثاقها حيز التنفيذ في العام 2002، لكي تكون أمريكا مُساءلة أمام القضاء الدولي حتى لا تنتهك الشرعية الدولية وقواعد القانون الدولي، وكانت الولايات المتحدة قد انضمت إليها عشية إغلاق باب الانضمام إلى الهيئة التأسيسية أواخر العام 2000، لكنها انسحبت منها بعد أن أصبحت نافذة بانضمام ستين دولة عام 2002، ومثلها حذت إسرائيل. ولم يكتف تشومسكي بذلك، بل اقترح حلولًا دبلوماسية واقتصادية واجتماعية للمشكلات الدولية، لا سيما بعد الاعتراف بمبدأ حق تقرير المصير الوارد في ميثاق الأمم المتحدة (المادة 55) وبحق الدول في الدفاع عن النفس فرادى أو جماعات (طبقاً للمادة 51)، خصوصًا من أجل التحرر الوطني والانعتاق ونيل الاستقلال. كما اقترح تشومسكي بضعة خطوات لإعادة هيكلة الأمم المتحدة وتعديل ميثاقها، بما فيه إلغاء حق الفيتو للدول الأعضاء الدائمة العضوية (الخمسة الكبار). وحسب وجهة نظره، ليس الغرب وحده هو من يستطيع استخدام وسائل [القوة الناعمة]، بل أن الشعوب والأمم والدول الصغيرة، هي الأخرى بإمكانها “التكتل” و”التجمع” لتحقيق انعطافة في إطار منظومة العلاقات الدولية، والتأثير على الدول والقوى الغربية التي تريد اختراق الدول الضعيفة لتحقيق مصالحها الأنانية الضيقة. ودعى تشومسكي إلى عمل جماعي لإصلاح الأمم المتحدة وإعلاء هيكلتها وتركيبها وميثاقها، بما يضمن مصالح الشعوب. كما شكلت الثورة البرتقالية في أوكرانيا مطلع 2005 والتي تمكن من خلالها مئات الألوف من المتظاهرين سلميًا، من تغيير نظام الحكم في هذا البلد في مشهد عد الأكثر تأثيرًا منذ سقوط جدار برلين والذي أفزع العديد من الدول وأولها روسيا التي حذرت مواطنيها من أن أي تحركات برتقالية سيتم سحقها بدون رحمة، وإن كانت هذه الثورة اليوم في احتضار إلا أنها آنذاك وضعت أوكرانيا في صلب المواضيع الدولية والتي شكلت في ذلك [نموذجًا] يُحتذى بالنسبة لمن يتطلعون إلى تحول مماثل على المستوى العربي، ولعل السبب الرئيسي لذلك هو النموذج السابق الذي شكلته دول أوروبا الشرقية كمثال لاستلهام نموذج الحزب الواحد والملكية العامة للاقتصاد والأيديولوجيا الشمولية في العالم العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: