الجمعة , مارس 5 2021

ابنة سمنود ورحلتها من النيل للسين…..قراءة الكاتبة : وداد معروف من مصر

ابنة سمنود ورحلتها من النيل للسين

قراءة الكاتبة : وداد معروف من مصر

لكتاب السيرة الذاتية ( بين النيل والسين ) للبروفيسور
فتحية الفرارجي
عن دار السراج صدر هذا الكتاب للدكتورة فتحية الفرارجي, في معرض الكتاب 2020م, وكان لي حظ أن التقيت بالكاتبة في موعد اتفقنا عليه وحضرت توقيعها لكتابها, وحصلت على هذه النسخة ممهورة باهدائها الطيب لي, تتحدث فيه عن بعثتها لفرنسا لنيل درجة الدكتوراه في الأدب الفرنسي عام 2005م, سبقتها أيضا رحلة لفرنسا عام 1997م للتدريب اللغوي حصلت عليها من المركز الثقافي الفرنسي للحصول على دورة تدريبية من مركز التطبيقات اللغوية في باريس, وكانت هذه المنحة لمدة تسعة أشهر؛ غير أنه سطا عليها الحاقدون فلم تحصل إلا على منحة لشهر واحد, كان بين الزيارة الأولى والزيارة الثانية ثمانية أعوام.
ونبدأ مع تعريف الكاتبة لنفسها وللبيئة التي نشأت فيها, فهي مواليد أبريل عام 1973م, وكأنما كاتبتنا خلقت من رحم الصمود والمقاومة فلم تلن أمام الصعوبات والمعوقات, التي وضعها أمامها قراصنة النجاح كما وصفتهم ” كنت الهث خلف هذا الطوق وأدفع بنفسي خارجه, أمتطي مركبا من شهادات وصور أوراق مترجمة من العربية إلى الفرنسية ” وهذه كانت أسلحتها وعدتها في مواجهة كل ما قابلها من صعوبات.
نشأت دكتورة فتحية الفرارجي في ميدان يحمل اسم الزعيم سعد زغلول, ميدان دائب الحركة مملوء بالحياة, خرجت للحياة بعد أن رضعت من أمها حب الناس, كانت الابنة الثانية فلم تكن أملا لوالدها, فمثله مثل أي رجل شرقي يحلم بولد ذكر يراه امتدادا له, فكانت مواساة جدتها له ( ربما ابنة تكون بمثابة ولد ) وفي مدرسة عمرو زعفان كانت فتحية التلميذة النشيطة في حصة التعبير وفي الإذاعة المدرسية وتمثل المدرسة في مسابقات أوائل الطلبة, وهي الحفيدة المطيعة التي تجلس إلى جدها ليدربها على تدريبات عقلية نحوية تنشط ذاكرتها, كما فتاتنا فتحية من الفتيات اللاتي يعشقن الترتيب والنظام والألوان الطبيعية الزاهية, هي أيضا مدبرة فتدخر في حصالتها الخشبية ذات النقوش بعض النقود لشراء بعض المجلات من مكتبة قصر الثقافة, كانت هذه رحلتها الأولى، أما رحلتها الثانية فكانت لمشربية جدها في زيارتها الأسبوعية للمنزل الجد الفنان الذي برع في صناعة المرايات ذوات الأطر المزخرفة, فهي ضفيرة مجدولة من ثقافة معاصرة وتراث بعبق الأصالة ورائحة الجذور المفعمة برائحة بنفحات البخور, كما أن فتاتنا الألمعية عاشقة للرحلات فتستعرض في الفصل الأول من سيرتها الذاتية رحلاتها الداخلية في ربوع مصر وهي تلميذة من خلال اصطحاب والدها لها ومن خلال مدرستها, فمن مصنع قها إلى متحف الشمع وحديقة الحيوانات ومسجد محمد علي وبيوت آل البيت, ومعرض الصحافة وبورسعيد, ومكافآتها كطالبة مثالية في مدرسة الشيخ محمد أبو زهرة وحصولها أيضا على المركز الأول في الشهادة الإعدادية وسفرها للأقصر وأسوان كجائزة لها.
تقول عن حبها للسفر ( ظل حلم السفر ينمو بداخلي مثل ثمار البرتقال على الأشجار) كما تقول أيضا عن أحلامها متأثرة بمعابد الأقصر التي زارتها ( ظلت أحلامي تكبر وتتمدد وحبي لبلدي ينمو بضخامة ارتفاع أسوار وأعمدة المعابد), ومن خلال رحلتنا في سيرتها الذاتية وجدناها دائما ما تمزج أحلامها بشواهد ورموز تاريخية لمصر البهية الشاهقة التي عشقتها.
تقول فتاتنا الألمعية إنها بعد حصولها على المركز الأول عن مدرسة السيدة زينب والثالث على الإدارة, حلمت حلمها الكبير أن تكون سفيرة أو أميرة في عالم اللغة والإعلام, يراودها دائما حلم الكتابة, ومن الكتابة باليمين إلى اليسار, وبدأ قلبها ينبض مع اللغة الفرنسية ونغماتها وسرعة إيقاعها, فتقول ( بدأت أستمتع بموسيقى اللغة مع الدكتورة أماني لافوريه المولودة لأم فرنسية وأب صعيدي) كانت بالنسبة لفتاتنا كالمعلم توت المعلم الأول للملك الذي علمه قراءة رسائل الحكمة والفلسفة.
في حفل من حفلات المركز الثقافي الفرنسي حينما كانت فتاتنا تحضر في إجازة الصيف معسكرا درست فيه اللغة الفرنسية من أساتذة فرنسيين, ألقت قصيدة باللغة الفرنسية نشرت هذه القصيدة بعد ذلك في الأهرام الأسبوعية الفرنسية, حصلت فتاتنا بعدها على المركز الأول في إلقاء الشعر بالفرنسية, كرمها سفير فرنسا باتريك لوكليرك وأهداها قاموسا باللغة الفرنسية.
تقول عن هذه التجربة ( ظلت هذه السيمفونية تتردد بداخلي حتى قررت أن أكون فيها المايسترو فحصلت على امتياز لمدة أربع سنوات مع مرتبة الشرف عينت بعدها معيدة بقسم اللغة الفرنسية كلية التربية جامعة طنطا, والتحقت بحلقة المركز الفرنسي بحضور دورات بالمنيرة كان يدرس لنا فيها أساتذة من فرنسا يومي الخميس والجمعة على مدار أعوام وكنت أحلم كل يوم أن تتحول عجلات السوبر جيت على أجنحة طائرة, حتى جاءت اللحظة وحلقت الطائرة على حدود فرنسا وأول ما وطئت قدماي أرض فرنسا دعوت كما علمنا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم : اللهم أسألك من خير هذه الأرض وخير ما جمعت فيها وأعوذ بك من شرها وشر ما جمعت فيها, اللهم ارزقنا حماها وأعذنا من وباها “وعندما فتحت باب حجرة الفندق بالكارت وليس بالمفتاح شعرت باختلاف الإيقاع بين هنا وهناك”.
ومن قلبها الذي امتلأ بحب أرض النيل تصف ملابسها التي وضعتها في حقيبتها فتقول ( أدخلت ملابسي المغسولة بماء النيل والتي جفت تحت شمس مصر ونزلت إلى المدينة الجامعية وملأت الخضرة عيني حتى عنان السماء, طلبنا نحن الفتيات العربيات أن يكون هناك دور خاص بالسيدات لأنه بعد ثورة 1968م أصبحت المدن الجامعية مختلطة ونحن نحب التمسك بذاتيتنا وحجابنا الذي يشبه غطاء الرأس عند الراهبات)
ومع أول محاضراتها في مركز اللغويات التطبيقية كان بريق المبنى يضاهي بريق أحلامها, أما المحاضرة فكانت هي المرأة التي تمنت أن تفعل مثلها وتركب الدراجة مثلها, فاندهشت حين وجدتها أستاذتها التي تلقي المحاضرة. زارت سويسرا في إجازة قصيرة من المحاضرات ذكرها تمثال (Duf0ur) بتمثال الزعيم سعد زغلول على حصانه العربي الأصيل, وهكذا كانت دائمة المزج والمقارنة والاستدعاء لذكريات وأحداث ورموز من بلاد النيل حتى بلاد السين, كانت أيضا الشيكولاتة السويسرية تذوب في فمها كما تذوب الذكرى في كؤوس الأيام, ومن الجدير بالذكر أن الدكتورة فتحية شاعرة لذا تتميز لغتها في السرد بالشاعرية أيضا.
تجولت في ميدان النجمة بسويسرا وطافت حول مقر البرلمان وأحياء ستراسبورج وجلست على ضفاف نهر الدووب في المدينة التي ولد فيها جان جاك روسو والنحات أوجست كالبويه, في مدينة الجسور بدأت تتجول في مكتباتها لجمع المادة العلمية لرسالتها للماجستير.
حينما اشتاقت للحم الحلال ذهبت لمحل لبيع الدجاج فاشترت وجبة دجاج من بائع تونسي ثم اكتشفت أنه غالى عليها في السعر, عادت من رحلتها الأولى على فرنسا وقد امتلأت حقائبها بكتب جديدة تحمل رائحة المطابع الفرنسية وأوراق وقفت على أقدامها لتصويرها ورقة ورقة.
جاءت البعثة لباريس المرة الثانية على أجنحة الملائكة فسافرت هي وزوجها وأولادها, كانت في عام 2005 وكان عمرها حينها 32 عاما, تقول ( كنت أودع بلدي وقلبي يتمزق, كنت أودع الأهرامات وأعد أبي الهول أني سأظل محبة لبلدي مهما رأيت من تطور لأنها اختارتني ومنحتني من بين كثيرين أن تعلمني بالخارج فلها جميل في عنقي) أقمت مع أسرتي في شقة الباحثين الأجانب, يفصل بينها وبين باريس شارع واحد.
وحين رسم أستاذها خريطة بحثها اهتز قلبها بعمق, وعرفت قيمة المنهجية في التعامل التي تقوم على التواصل الإنساني والورقي والإلكتروني.
برق حلمها مع لمس أبواب جامعة السوربون الجديدة أن يصبح لديها صالون ثقافي باسم ( وردة مصرية: فتحية الفرارجي) حدثتنا عن الحي اللاتيني وسبب التسمية, وفي فصل بناء الطفل وقطوف من الثقافة الفرنسية طرحت العديد من الأسئلة, أين يتعلم الطفل فن هندسة الحياة؟ هل من الضروري أخذ معلومات من الطفل؟ هل يمكن أن يقف أحد العاملين بالمدرسة ويرتدي قميص المرور؟ هل يمكن أن يختفي شبح الامتحانات مع التقييم؟
هل يتعلم الطفل منذ الصغر حرية ما يقرأ؟
في فصل المنهجية الفكرية تقول ( لابد أن يكون التعلم على معايير عالمية وغير قائم على الجودة) وفي فصل المكتبة والحديقة تحلم بأن تكون في مصر مكتبة كبيرة مقاعدها جذور الأشجار ومسورة بالأشجار, وفي فصل الجامعة والتحام الشواطئ تقول ( كان النهران يسيران بداخلي, ويسيران بلونهما وصفاتهما في عروقي ودمي)
هي دائمة المزج بين القاهرة وباريس, في مدخل السوربون تشعر بعبق الثقافة الفرنسية ويحار فكرها بين ساعة الجامعة وتتساءل عن فارق التوقيت الزمني والحضاري بين بلدها والبلد الذي غزاه هواء يختلف عن هواء موطنها, في فصل متاحف الكتب المفتوحة والصالونات تتحدث عن الصالونات الأدبية
تتساءل مع الكاتب كليفورد ستوك في فصل الرسائل الرقمية فتقول ( هل ما زال هذا الكاتب يسخر من الإنترنت ويقول الإنترنت كلام فارغ!) وفي فصل طعم ومعني تتحدث عن تسمية الحماة في اللغة الفرنسية فهي عندهم الأم الجميلة, بينما في ثقافتنا ترتبط بصورة ماري منيب في الأفلام, وكذلك الأخت الجميلة تعني زوجة الأخ
تحدثت عن مسجد باريس وأصحاب الرسوم المسيئة وعن المسلة والأهرامات الزجاجية في متحف اللوفر وهي تطالع التماثيل المصرية فيه تقول: ( ظلت التماثيل تحاورني وتطالبني بالعودة إلى مصر) واصلت الحديث عن قصر فرساي ومتحف أورسا وكارفا فيليه وكاتدرائية نوتردام وكنيسة القلب المقدس ومدينة العلوم, ثم أجابت بإسهاب عن سؤال لصديقتها نهى المصري كيف ولدت هذه الجمهورية؟ تحدثت أيضا عن الهوية المصرية وتمثيل مصر في فرنسا, كما أفردت فصلا بعنوان “مراسلات ولقاءات مع الكاتب ميشيل دنون” والذي استمرت تراسله من عام 2000 حتى عام 2015, ومراسلتها لفردريك وخاصة عند اختيار موضوع الدكتوراه, والبروفيسور أندريه داسب والبروفيسور هنري ميتران الذي أهدت له هذا الكتاب,
وفي استعدادها للعودة وضعت في حقيبتها شهادة الميلاد وشهادة التطعيم والشهادات الدراسية والمصحف والسجادة وبوصلة ومنبها مضبوطا على توقيت مصر وقلما كبيرا وأوراقا بيضاء وشهادة الدكتوراه.
وقد انهت الرسالة قبل انتهاء مدة البعثة فاستحقت مكافاة مادية
في النهاية تقول لقد دفعني أبواي نحو النجاح, كما أن عبارة الإمام الشافعي الذي كتبها لها جدها في الأوتوجراف وهي تلميذة صغيرة ظلت تتمثلها حتى هذه اللحظة حيث كتب لها ( لا بارك الله في يوم لم أزد فيه علما)
تحية لشخصية مصرية قدوة ونموذج للعلم والاعتصام به والوطنية فقد كانت تحمل وطنها معها في كل مكان, متمسكة بثوابت دينها وذاتيتها التي جعلتها متفردة أينما حلت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: