الجمعة , مارس 5 2021

د.علي عبد الظاهر الضيف يكتب :الصدفة..  واتجاه البوصلة !

رقصت الصحفية الشابة فرحا بدعوة من الشاعر الشيلي الكبير بابلو نيرودا، ليقدم حوارا للمجلة عن طريقها ، فهي فرصة عمرها، وكونه اختارها دون غيرها فهذا مؤشر نجاح بالنسبة لها، ثم كانت المفاجأة الأخرى وهي أنه ما دعاها إلا ليبوخها على مقالاتها التي تنضح بالأكاذيب والتخاريف التي ما كتبت إلا لجذب القراء، وأخبرها أن فبركة الأحداث في الصحافة عيب كبير لكنه مقبول في الأدب، وإذا أرادت النجاح فلتبحث عنه خارج الصحافة، ولتبحث عنه في عالم الأدب.

 نزلت كلماته فوقها كـ (الدش) البارد في ليلة شتوية، وشعرت بالإهانة، لكنها مع ذلك أعادت النظر في نصيحته، ودخلت عالم الأدب لتصبح واحدة من أشهر الروائيات في العالم وهي توقع أعمالها باسم ” إيزابيل الليندي ” !

شعر (ستيفن كينغ) بأن ما يكتبه لن يثير اهتمام الناس وبعد معاناة نفسية قرر أن يلقي بكتابه في سلة القمامة !

فما كان من زوجته إلا أن قرأت ما بالكتاب لتعجب به جدا، وترسله لدار النشر التي ما ترددت لحظة في نشره، الآن تخطت مبيعات كتبه 350 مليون نسخة حول العالم !

ظلت الجدة موسز واسمها الحقيقي (ماري روبرتسون موسز) تزرع الأرض وتمارس هواية الرسم في بيتها مع زوجها وأولادها الخمسة بعد أن كانوا عشرة بسبب الوفيات المتكررة، حتى توفى زوجها المزارع وترك لها أبناء صغاراً وحملا ثقيلا، فظلت تزرع الأرض وتربي أولادها، حتى كبر سنها وأقعدها مرض التهاب المفاصل فعادت إلى هواية الرسم التي لازمتها طيلة حياتها، ولم تقابل إلا بالإحباط من أقرب الناس إليها وعلى رأسهم زوجها الذي كان يقول إن لوحاتها لا تستحق النشر، وكانت قد بلغت منتصف السبعينيات من العمر، بدأت ترسم مناظر طبيعية ريفية، وكانت  تبيع اللوحة الصغيرة بدولارين، والكبيرة بثلاثة حتى وصل عدد رسوماتها إلى 1500 لوحة فنية.

وبالصدفة أعجب أحد المخرجين السينمائيين بإحدى اللوحات فقام بعرضها في مزاد بمدينة نيويورك وباع اللوحة بـ 150000 دولار وحصلت على جائزة الرئيس الأمريكي هاري ترومان عام 1949 لمساهمتها في إثراء الفنون ثم عرضت لوحاتها في متحف الفن الحديث في نيويورك. لتصبح الجدة موسز من أشهر الرسامات وتباع لوحاتها بالملايين وتتخذ مكانا مميزا في متحف اللوفر بـباريس وبلازا في نيويورك !

توفيت الجدة موسز في الثالث عشر من ديسمبر عام 1961 عن عمر ناهز 101 سنة .

هل كان تعنيف الشاعر للصحفية وسخريته من أكاذيبها ودعوته لها كي تكتب قصصا صدفة ؟

هل إخراج كتاب ستيفن كينغ من القمامة وخروجه للحياة مصادفة ؟

هل إعجاب المخرج بلوحات الجدة موسز وذهابه للبحث عنها حتى وجدها جاء بمحض الصدفة؟

في الحقيقة إن كل موهوب تتشعب به الطرق وتتفرع أمامه السبل يسلكها ولا يدري أي طريق يقوده للنجاح، كل مبدع تحتاج بوصلته من يوجهها حتى يستطيع تحديد وجهته وموقعه، وفي الأمثلة الثلاثة السابقة المصادفة  هي التي قادت الجميع إلى إصابة الهدفـ، وكثير من أصحاب الموهبة عاشوا وماتوا ولم يدر أحد بما لديهم من مكنون الإبداعات، وبعضهم تم اكتشاف ابداعاته بعد موته !

في الحقيقة عليك  أن تحسن اختيار شريك يؤمن بقدراتك لدرجة أنه لا يمانع أن يفتش وراءك في القمامة ! فشريك الجدة موسز رفض رسومات زوجته، ولم تعجبه فأصدر حكمه عليها بالإعدام الفني حتى مات وأفقدها الثقة بنفسها وموهبتها فبُعِث فنها مرة أخرى، على عكس شريكة ستيفن كنغ التي فتحت له طريق النجاح والشهرة، أما الشاعر بابلو نيروفا فقد كان شريكا خارج نطاق العلاقة الزوجية . وفوق هذا لا ننسى أن التوفيق من عند الله .

كثير منا قد تغيرت حياته مئة وثمانين  درجة في الاتجاه الصحيح؛ لمجرد حادث بسيط أو مصادفة غير مقصودة او كلمة عابرة .. والعاقل هو من يمسك بتلابيب الفرصة ولا يدعها تهرب من يده؛ فقد لا تأتي مرة أخرى .

كثير منا يبخس نفسه حقها؛ لأنه لا يدرك قدراته، وكثير من أكرم نفسه ووثق فيها فغالى في قيمتها أمام غيره فحقق أحلامه ..نحتاج إلى الثقة بالنفس وألا تهزنا توافه الأحداث .

في الأمثلة الثلاثة السابقة نجد أنفسنا في مواجهة  ثلاثة أخطاء كانت تحتاج تعديلا للبوصلة :

•  خطأ الصحفية إيزابيل الليندي التي انطلقت بموهبتها في طريق غير ما وضع له .

•  خطأ ستيفن كينغ الذي لم يكلف نفسه باستشارة المختصين فقرر إلقاء إبداعاته في القمامة .

•  خطأ الجدة موسز التي أخذت رأي زوجها المزارع في إبداعاتها التي لم يستوعبها عقليته البسيطة التي لا تتعامل مع هذه المفردات من الإبداعات عالية الجودة، و”لم تعط العيش لخبازه” !

للأسف أنصاف الموهوبين اتخذوا مكانا مرموقا في مجتمعاتنا في الوقت الذي يندب فيه صاحب الموهبة حظه التعس في أن الفرصة غير مواتية (آه لو لعبت يا زهر) وفي الحقيقة أن الزهر لا يلعب إلا مع يد محترفة!

الحظ له دور كبير، ولكن من يعتمد على الحظ فقد يواتيه مرة ويعانده مرات، من اتكأ على الحظ عرف شيئا وغابت عنه أشياء .

الحظ بلا سعي قد يأتي مثل الومضة الخاطفة التي سرعان ما تخبو و”تعود ريما بعدها إلى عادتها القديمة”  !

أما من اعتمد على موهبته وسعى لإثباتها كي تتبوأ ويتبوأ معها مكانته فإن الحظ رهن لديه .. الصدفة قد تأتي وقد لا تأتي .

همسة في أذنكم :

” أن تأتي متأخرا خير لك من ألا تأتي “

“لا خاب من استشار”

“اعط العيش لخبازه”

عليك أن تدرك حجم قدراتك ومقدار ما ميزك الله به عن غيرك فالله سبحانه قد أعطى كلا منا ميزة فليكتشفها في نفسه وليبحث كل منا عن ميزته فكل الناجحين قد وجدوها .. أبحث عنها ، صدقني ستجدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: