الجمعة , مارس 5 2021

"حكاية عفريت اليسار الذى ازعج السادات": حمادة إمام يكتب : في الذكرى ال44لانتفاضة الخبز في يناير 1977

زي انهادرة من 44عام وتحديدا يوم 18 يناير سنة 1977 كان السادات فى مقره الشتوي بأسوان يقضى الشتاء كعادته و يستعد لاستقبال الرئيس اليوغسلافي تيتو وقبل وصول الريس تيتو كان السادات يجلس فى شرفة الاستراحة ومعه الصحفية هدى الحسيني تجرى معه حوارًا.
وأثناء الحوار توقف السادات فجأة عندما شاهد أعمدة الإنارة تعلوها الأدخنة فسأل الصحفية ما هذا؟ فأجابته ربما تكون مظاهرات القاهرة قد وصلت هنا، ولم ينتبه السادات إلا مع دخول محافظ أسوان مذعورًا طالبًا منه مغادرة الاستراحة لأن المظاهرات فى طريقها إليه فهرب السادات تاركا كل شيء وركب طائرته. وفى الطائرة بدأ يستعيد الذاكرة ويستذكر الدوافع والعوامل التى أدت إلى قيام المظاهرات مسترشدًا فى ذلك بالشعارات التى كانت ترددها الجماهير واليت لم تخرج عن شعارات الفقر والجوع.
وكان وراء الانتفاضة التى سماها السادات انتفاضة الحرامية وسماها الشعب انتفاضة الخبز عوامل خارجية وداخلية فعلى المستوى الداخلي
كانت الأجواء وقتها تكشف أن صدامًا ما على وشك الوقوع بين السادات والقوى اليسارية بكافة درجاتها. ففى داخل المؤسسة الدينية التى يمثلها الأزهر وقع صدام بين شيخ الأزهر والشيوعيين.فقد تقدم شيخ الأزهر بطلب التخلص من “48” من أعضاء هيئة التدريس والمعيدين وذلك بحجة أنهم موفدون من بلاد اشتراكية ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. بعد أن قام الإمام بعرض قائمة الأسماء غير المرغوب فيها على الجماعات الأخرى لتختار منها ما تشاء.
وبدأت أولى المصادمات باستدعاء الحاصلين على الدرجات العلمية للمثول أمامه وإعلان توبتهم ثم أقدم على خطوة غاية فى الجرأة وذلك بإنهاء عقود أساتذة اللغة الألمانية فى كلية اللغات وذلك بحجة أنهم حاصلون على درجاتهم العلمية من ألمانيا الشرقية، بالإضافة إلى إصدار قرار مكتوب بوقف إيفاد أى بعثات علمية إلى دول الاشتراكية، بلغ الأمر ذروته بطلب شيخ الأزهر ضرورة كتابة كل عضو من أعضاء هيئة التدريس جنسية وديانة زوجته.
هذه كانت الصورة داخل المؤسسة الدينية أما عن الصورة داخل المؤسسة التشريعية فكانت أكثر وضوحًا فى التأكيد على حتمية الصدام بين اليسار بكل دجاته ومسمياته والسادات. فتحت قبة مجلس الشعب وقف ممثل حزب الوسط وهو الحزب الذى كان يرأسه السادات. السيد محمود أبو وافية سكرتير الحزب والرجل الثانى فى الحزب يتهم اليساريين المصريين بالعمالة والخيانة. وأن ولاء الماركسيين المصريين للاتحاد السوفيتى وليس مصر. وفى السياق ذاته قاد الشيخ صلاح أبو إسماعيل وعلوى حافظ هجومًا عنيفًا على عبد الناصر وعصره. وكان هجوم الاثنين معًا يعد تعبيرًا عن وجهة نظر السادات خاصة وأن العضو الأول ممثل لجنة الشئون الدينية. والثانى يشغل منصب السكرتير المساعد. واستمرت الأجواء الخلافية تأخذ الشكل الطبيعى فى التصاعد حتى جاء ,يوم 17 يناير 1977 أعلن نائب رئيس الوزراء للشئون المالية والاقتصادية الدكتور عبد المنعم القيسوني في بيان له أمام مجلس الشعب مجموعة من القرارات الاقتصادية منها رفع الدعم عن مجموعة من السلع الأساسية وبذلك رفع أسعار الخبز والسكر والشاي والأرز والزيت والبنزين و25 سلعة أخرى من السلع الهامة في حياة المواطن البسيط، وكانت الإجراءات تشتمل على تخفيض الدعم للحاجات الأساسية بصورة ترفع سعر الخبز بنسبة 50% والسكر 25% والشاي 35% وكذلك بعض السلع الأخرى ومنها الأرز وزيت الطهي والبنزين والسجائر.
بدأت الانتفاضة بعدد من التجمعات العمالية الكبيرة في منطقة حلوان بالقاهرة في شركة مصر حلوان للغزل والنسيج والمصانع الحربية وفي مصانع الغزل والنسيج في شبرا الخيمة وعمال شركة الترسانة البحرية في منطقة المكس بالإسكندرية وبدأ العمال يتجمعون ويعلنون رفضهم للقرارات الاقتصادية وخرجوا إلى الشوارع في مظاهرات حاشدة تهتف ضد الجوع والفقر وبسقوط الحكومة والنظام رافعة شعارات منها:
«ياساكنين القصور الفقرا عايشين في قبور
ياحاكمنا في عابدين فين الحق وفين الدين
سيد مرعى يا سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه
عبد الناصر ياما قال خللوا بالكم م العمال
هو بيلبس آخر موضة واحنا بنسكن عشرة ف أوضة
بالطول بالعرض حنجيب ممدوح الأرض
لا اله الا الله السادات عدو الله»
بدأت نفس المظاهرات في الجامعات وانضم الطلاب للعمال ومعهم الموظفين والكثير من فئات الشعب المصري في الشوارع والميادين القاهرة والمحافظات يهتفون ضد النظام والقرارات الاقتصادية وحدثت مظاهر عنف منها حرق أقسام الشرطة وأبنية الخدمات العامة ومنها أقسام الشرطة (الأزبكية والسيدة زينب والدرب الأحمر وقسم شرطة إمبابة والساحل وحتى مديرية أمن القاهرة)، واستراحات الرئاسة بطول مصر من أسوان حتى مرسى مطروح واستراحة الرئيس بأسوان، ووصل الهجوم إلى بيت المحافظ بالمنصورة وتم نهب أثاثه وحرقه، ونزل إلى الشارع عناصر اليسار بكافة أطيافه رافعين شعارات الحركة الطلابية، واستمرت هذه المظاهرات حتى وقت متأخر من الليل مع عنف شديد من قوات الأمن وتم القبض على مئات المتظاهرين وعشرات النشطاء اليساريين .
استمرت الانتفاضة يومي 18 و 19 يناير وفي 19 يناير خرجت الصحف الثلاثة الكبرى في مصر تتحدث عن مخطط شيوعي لإحداث بلبلة واضطرابات في مصر وقلب نظام الحكم وقامت الشرطة بإلقاء القبض على الكثير من النشطاء وزاد العنف في ذلك اليوم ثم أُعلن في نشرة أخبار الثانية والنصف عن إلغاء القرارات الاقتصادية.
عندما احال السادات المتظاهرين الى القضاء صدمه المستشار حكيم منير صليب بحكم تاريخى قال فيه
“والذي لا شك فيه وتؤمن به هذه المحكمة ويطمئن إليه ضميرها ووجدانها, أن تلك الأحداث الجسام التي وقعت يومي 17 و18 يناير 1977 كان سببها المباشر والوحيد هو إصدار القرارات الاقتصادية برفع الأسعار, فهي متصلة بتلك القرارات اتصال المعلول بالعلة والنتيجة بالأسباب، ولا يمكن في مجال العقل والمنطق أن ترد تلك الأحداث إلي سبب آخر غير تلك القرارات, فلقد أصدرت علي حين غرة وعلي غير توقع من أحد، وفوجئ بها الناس جميعا بمن فيهم رجال الأمن، فكيف يمكن في حكم العقل أن يستطيع أحد أن يتنبأ بها ثم يضع خطة لاستغلالها ثم ينزل إلي الشارع للناس محرضا ومهيجا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: