السبت , فبراير 27 2021

قراءة لنص ” جلباب التأويل ” للشاعر سالم الحمداني ……… بقلم // الأديبة فوزية اوزدمير

تناولت الأديبة البارعة الأستاذة فوزية أوزدمير قصيدتي ( جلباب التأويل) بقراءة فارهة قيمة أسعدتني وزادت نصي بهاء وثراء ..
أدرجها لكم بسرور مع تعقيب لي يليها .
—————
النص /
——–
( جلباب التأويل )
يدي تمتد لتشق الفضاء
بعيدا عن جسدي المسجون
تخلع عنها كوابيس جلبابها
تسافر دون إذن مني ،
في جعبتها بضع تمتمات
تحاول أن تواريها عن انوف الدسائس
وترانيم القبور ،
تنثر دمها شآبيب نذور ،
أطرقت مرة دون خشوع مني :
لن اعود
حتى أظفر بابهامي المغترب ..
أي نبوءة اعتمرت نبضها ؟!
أي فضاءات تحملنا على جنح واحد ؟
والقيظ لهيب من رياح !
والمدلول يتنمر
على أرصفة الليل
بعد أن خير بين لونه وذاكرته !!!
قد تستفز الكلمات بنحيب المعاني
والفكرة متأرجحة بين الموت والرقص والظنون ،
والدال هام على دروب الحقيقة يتسكع
كالسكارى
يفتش عن شيطان بلا مكيدة
أو بيضة سقطت من فم التأويل !!!
وقلب ليلى ..
لا زال يتشبث
بمعشوق واحد .
………؟؟؟
—————–
القراءة /
———
حين يقلب الرأي ويدبر عواقبه حتى يظهر الصواب ..
شدتني هذه القصيدة لما تتسم به من واقع ورقي لغوي شفاف وبناء فني متوازن في فضاء مفتوح ..
كيف يتسنى لكاتب ما أن يعيد رتق الواقع ليتماس مع المشهد الراهن مع الكون والحياة والعالم .. ?
يخوض تقاسيم المعاناة من أسارير المعنى وبلاغة البناء الشعري في بصمة خاصة ، في اقتناص اللحظة عبر لغة صافية ، إثر تهافت صرخة الواقع على بلاغة مبتكرة لاذعة ومقلقة في ذات الوقت بين ثنائية
الظاهر / والباطن
برمزية تؤسس شعرية حرية الإبداع ، حيث تتقاطع ثنائية
الشكل / والمضمون
في دائرتا ( الشعرنة ) و( السردنة ) اللتان تتجاذبان وتتمازجان فتسود دائرة ( القصيدة الحرة ) بين ظرفي المكان والزمان على إيقاع موسيقي من الألفاظ الموحية بإشارات دالة للإيماءات المتداخلة بتعمد ، لتثير دهشة القارئ للتأمل والتأويل ، حيث يجسد صورا مثيرة لفوضى الواقع واغتراب الإنسان وتمزقه وشقائه ..
حيث مخاض الفكرة تتوالد وتتفاعل وتتحرك ضمن نطاق محدد في فضاء مفتوح .. عبر الصورة الذهنية المبطنة بمخاض الفكرة المستدركة
جلي أن القلق الوجودي يطغى على واقع شاعرنا ، فثمة عشوائية تشوب أجراس الواقع في قرعها ، على مستوى الأمة والوطن وأنين الأصوات ، وهنا تكمن الحقيقة الجامدة في حقيقتها .. في المسارب الثلاثة التي حددها الحمداني
الأسئلة ..
الأوهام ، والأمنيات ..
في كونها تنبع من الحياة بين سياسي العالم والعالم الآخر ، وقلب ليلى بقي على حاله ، وليس من خزين التثاقف المرهون بشخوص مخياله الجموح في نسجها وصياغة سيكولوجية شخصها ، هذه الصور السوريالية تجسد المفارقات بصورة عجيبة ، ليسقطها بكل قوة على واقع بائس ، متفكك ، يطغى عليه الانسياق دون مرجعية حيث تستوقفنا إشكالية الصراع بين الشك / واليقين وتداخلهما وتقاطعهما غير قادرة على صوغ العالم وذاته المتساوقة ليسير مع خيالاته إلى عالم أكثر روعة وإدهاشا ، فنراه يعبر بفلسفة الذات إلى آفاق أكثر تعقيدا ، وإلى سدم لنواح النفس ، الممتد داخل الروح صداحا رنانا في كل المنابر وعلى جميع الأصعدة في زمن صارت فيه الكلمة سلاحا وغدت مهمة الشعر فيه جهادا ، ليتم تسليط الضوء على ما يحدث بين الأروقة المعتمة ، وذلك بلغته المتميزة وألفاظه ، ثم مقداره في التعبير وما هو موجود فيه من قيمة فنية وجمالية ، وهذا الشعور الشعري ليس وليد اللحظة فقط ، ولكن هي ترسبات عميقة ضمن مواقف عديدة ، وحدها المجازات الحبلى ..
بالأسئلة ، والأخيلة ، والأمنيات
معابر لحناجر الوطن .. وعشق محرم
فنحن نعيش الواقع بلحظية شعريته وخياله ، نرى بعينيه ونسمع بأذنيه وننساق وراء الحدث بجوهر نبض الشارع الذي نعيشه ، من وراء قضبان الحياة الفردية الذاتية ..
تحولات تراكمية محفوفة بواقع متشابك يحتاج الأسباب الموضوعية والذاتية في الوقت نفسه ..
تاركا المجال مفتوحا للمتلقي أن يتقصى الأبعاد وتشابكها ، حين استخدم الإيحاء بطريقة إبداعية يعبر فيه عن جملة المواقف
السياسية ..
الاجتماعية ..
النفسية ..
فهو يمنحها العمق والتأثير في ذهن المتلقي بشكل عام بفكرة معينة ، ثم يحيله بطريقة أخرى حيث يرسم من خلاله صورا تتزاحم في ذهن المتلقي وتثير انتباهه .. أن إسقاط الاحتمالات والتوقعات المرجوة ، في ضياع وتخبط لم يشهد له مثيل
ف .. جلباب التأويل
.. يرسم خارطة وطن ممزق تسحقه الحروب والفتن وروح ليلى تكتنفها وحشة وذهول
في الخلاصة .. هذا النص المتفجر بالواقع يطلق صرخة السواد متلجلجة ، متلعثمة ، مسحوقة ، مطحونة .. في ظل الصراعات الداخلية ، والحروب الأهلية وحضرة ليلى ..
دام فكرك الذكي شاعرنا الحمداني ..
ودمت بود واحترام .
——————-
وعقبت على هذا الثراء بما يلي :
الأديبة الرائعة الأستاذة فوزية أوزدمير المحترمة ..
ممتن لهذا الفيض من المقاربات الذكية والواعية وأنت تسبرين نصي المتواضع فكان أن أزدان برونق جديد وحلة رائعة ..
سأحاول أن أمضي بخط مواز وبتجرد تام عن مقاصد النص كي لا أحتكر الرؤى المتوالدة من خلال تعاقب القراءات ، وكي لا أحدد للقاريء مفهوما مسبقا محاطا بأسيجة تحدد مسارات إشتغاله الفكري ، ذلك من خلال مسارات محددة وموجزة لتشعب الموضوع وحساسيته وأهميته الفكرية
1. اعتقد أن مهمتنا الأساسية هنا من خلال تبني نصوصا أدبية بهذه الكيفية من حيث التناول والطرح وماهية التبئير بغض النظر عن جنسها الأدبي شعرا أو نثرا أو رواية … اننا نجاهد في سبيل طرح مواضيع شائكة على طاولة التقصي والبحث والمداولة .
2. أعتقد إعتقادا جازما أو هكذا يخيل لي على الأقل ، أننا كعرب لازلنا نفتقر الى منهجية فكرية نجتمع عليها جميعنا دونما تحفظ تساعدنا على انتشال واقعنا الفكري المتهاوي والمتشتت بصوره السوداوية والعقيمة والمتمثلة بصور شتى كعسكرة الفكر ، وحالة التخوين ، وشيوع الكراهية المبطنة ، وعدم قبول الآخرة ، وعقدة الخوف من المجهول تارة ومن الآخر الغربي وافكارة تارة أخرى ، وعبثية الموقف ، وضبابية المدى …. الخ
3. لا أريد أن أتهم التراث جملة وتفصيلا بحالة التردي هذه ، ذلك بما يحمله من جوانب إيجابية عظيمة تركت آثارا فكرية وثقافية وروحية جمة في نفوسنا ، واخرى سلبية لا زلنا ندفع أمام تزمت نصوصها وإيحاءاتها انهارا من الدم .. والتهمة ليست ملصقة بالتراث وحده فقط متناسين دورنا كشعوب نتلبس لبوس هذا التراث ونحث الخطى دفاعا عن مفرداته ، خاصة واننا نعيش حالة سبات فكري ضرب أطنابه فينا حد النخاع ، فنحن بلا شك طرفا مهما بحالة التردي هذه في ظل سيل من المتناقضات الفكرية المتمثلة بإختلاف الدين والمذهب والعقيدة ومناهج التفكير ومدارسه المتشعبة (وكل يدعي وصلا بليلى) .. أي الحقيقة المطلقة .
4. إذن ومن خلال ما تقدم .. هل علينا أن نبقى رهائن مآلات التأويل وشروحات علماء الكلام والفقه واللغة وآراء الفلاسفة المتقدمين والمتصوفة ، ونعاود الاجترار بين قاب قوسين أو أقرب من رمي حجر كتابي تهافت الفلاسفة للغزالي وتهافت التهافت لابن رشد ام نتكأ على مناهج الهيرمونيطيقا الغربية والتي لم يجني معتقديها من العرب غير التكفير والتسفيه ؟ كامثال نصر حامد أبو زيد ومحمد آركون .. أم نحث الجهد للتوصل الى آليات نقدية رحبة تؤهلنا لعبور مأزقنا الحالي ؟؟
وهل سيبقى حراكنا هذا قيد مدارج الجامعات وحديث النخب فقط دون جدوى تذكر ؟ ..
والسواد الأعظم من الناس في شغل وشاغل وهم من تتوقف عليهم عجلة التقدم والتطور والتغيير ؟؟؟
أسئلة تحتاج منا المزيد من الجهد والمثابرة ليس بالآجابة عنها فقط ، ولكن بالكيفية التي تمكننا من تطبيق النتائج على أرض الواقع ؟؟!! .
امتناني الكبير وجزيل مودتي لنبع فكرك الرصين .
——————————————-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: