السبت , مارس 6 2021

إخلاص القصة لنفسها قراءة في مجموعة:(سياحة شرقيَّة) لإياد محفوظ

                                                نجيب كيَّالي

تمهيد:

أغلب ما أقرؤه من المجموعات القصصية الجديدة الصادرة في سورية في مطلع الألفية الثالثة يجعلني أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله!

ظلٌّ من المرارة يلفني وأنا أشعر أنَّ زمن القص الجميل ينحسر، ذلك الزمن الذي عرفناه مع الرواد أمثال: زكريا تامر، أديب النحوي، حسيب كيالي، وليد إخلاصي، فاضل السباعي، ومن جاء بعدهم كـ وليد معماري، إبراهيم

صموئيل، محمد أبو معتوق،  خطيب بدلة، وسواهم(1).

إنَّ أكثر الأقلام الجديدة – كما يبدو لي- أسلمتْ نفسَها لموجات من التعقيد واللهاث وراء الشكلانية، والغرائبية، وحمَّى المصطلحات، وحكي المنظِّرين العاطلين عن الإبداع.. حتى صارت أغلفة الأشياء عند هؤلاء أهمَّ من لبابها، فالقشرة أغلى من البيضة، والطربوش أنفسُ من الرأس، وإهابُ القصة يعلو على القصة من بابها إلى محرابها!

غير أنَّ القصة بمنتهى البساطة، وبمنتهى العمق أيضاً هي: حالة قص، هي عصفور ثرثار يقف على نوافذ قلوبنا لينقل إلينا أخبارَ الحي والجامعة، والبيوت ووقائع الفرح والخيبة بلغة عصافيرية تدخل قلوبَنا دون استئذان.

لهذا لفتَ نظري بقوة القاص إياد محفوظ منذ مجموعته الأولى: (أحلام الهجرة العكسية)، التي أصدر بعدها ثلاث مجموعات هي:(بين فراغين)،(سياحة شرقية)،(ينابيع الحياة) وسأتناول في دراستي  مجموعته الثالثة: (سياحة شرقية) الصادرة عام 2006.

الانطلاق من وجود قصة:

لا يكتب صاحب(سياحة شرقية)- كما أعتقد- إلا إذا وجد في جعبته قصةً نسج الواقع عمودها الفقري، حينئذ يأخذ هو في إتمام كيانها الفني، ونصوصه دوماً نجد في مركزها شيئاً جديراً بالقص قد نسميه: (المحكي) أو(المقصوص) أو(الحدوته) كما يقال في مصر، وإذا كان هذا طبيعياً وضرورياً لإقلاع عملية القص عند القاص، فإن قسماً من القصص الجديدة تتجاهله رغم ما فيه من البداهة، فبعض القاصين اليوم نقرأ مجموعاتهم، فنجدها أشبه بـ(كولاج عبثي) لا نفهم منه شيئاً لأنه أصلاً لم ينطلق من شيء حقيقي أو خيالي يرمز إلى الواقع. إنَّ الأسماء التي أشرتُ إليها عند الحديث عن زمن القص الجميل كانت تمتلك هذا(المقصوص المحكي) قبل كل شيء، ثم تأتي مرحلة الشغل الفني، وهذه المرحلة يتفرد كلُّ قاص فيها بأسلوبيته.

لدى إياد محفوظ قصص وفيَّة لقصصيتها، تخرج من نبع البساطة لتصب فيه آخر الأمر، وهي ليست تلك البساطة الساذجة، لكنها بساطة الرجل الذي يخترق القشور إلى لباب الحقائق والحالات، وقد نظن في بعض نصوصه أننا أمام قصة سطحية، غير أننا سرعان ما نكتشف عمقاً وراء سطحها القريب، مثال ذلك قصته: (طاسة أم إبراهيم)، إذ أنها تبدو للوهلة الأولى، وكأنها قصة أخلاقية وحسب، حيث تُرجع الخادمة أم إبراهيم المبلغَ الذي وجدته في جيب معطف أُهدي إليها، إلا أنَّ القصة من خلال النظرة الثانية تقدِّم لنا أغواراً أخرى، فهذه الخادمة هي نفسها تهدي للبنت التي ستتزوج من الأسرة طاسة من النحاس، الطاسة تحمل معادلاً رمزياً لأخلاقها الأصيلة البسيطة، كما أنَّ الطاسة في الوقت نفسه ترمز إلى التراث الذي نظن أنه غير هام بسبب إهمالنا له، فإذا انتبهنا إليه، وجَـلَونا صدأه بدا رائعاً. لنتابع ما ذكرته القصة عن الطاسة في هذا المجال:(في الحقيقة بعد أن قامت الحاجة أم إبراهيم بتبييضها وتلميعها أصبحت الآيات والأدعية المحفورة بإتقان على سطحيها  الداخلي والخارجي واضحة تماماً مما جعلها تبدو قطعة فائقة الإبداع).

هذا فضلاً عن حميمية العلاقات التي نجدها في قاع القصة بين العمة المرحومة والعروس ابنة أخيها، وبين معظم شخصيات النص الأخرى، حميمية تبدو هدفاً مضمراً أهمَّ من الهدف الظاهر، وهو الاحتفاء بخلق الأمانة.

تنوع العوالم والأزمنة والأمكنة:

لصاحب هذه القصص حياة غنية متنوعة انعكستْ في نصوصه، فهو من لاعبي كرة السلة عندما كان يافعاً، وهو مهندس عَمِـل في حلب وفي دولة الإمارات العربية، وأظنه نصفَ رحالة أو رحالةً ساح في أحضان الدنيا، وانعجن بحلوها ومرِّها- كما استشففتُ من قصصه- وهو ابن مُربّ فاضل. هذا كلُّه وضع بين يديه زاداً من تجارب متنوعة أغنتها القراءة، فهو ليس بحاجة إلى الافتعال بقدر ما هو بحاجة إلى تأمل تجاربه تأملَ المبدع ليكتب عنها، وفي مجموعته هذه:(سياحة شرقية) بوابة واضحة تكشف لنا هذا التنوع، ففي القصة الأولى التي صار اسمها عنواناً للمجموعة يأخذنا إلى عوالم دولة أوربية، وفي قصة: (الدنيا حكايا) يصطحبنا إلى خصوصية شخصية بسيطة هي سائق السوزوكي، وفي قصة:(صمت صاخب) يرينا لحظةً مدهشة من حياة المعاقين، وفي قصة: ( ورود حمراء وبيضاء) يعود بنا إلى أيام الغزو الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وإلى هذا وذاك عوالم أخرى وآفاق كثيرة يكتشفها القارئ، وهذا كلُّه يجعل من قصصه معبراً إلى موزاييك الحياة وحقيقتها لا مجرد قصص تدور في فلك صغير لا تزحزح عنه.

دوران النصوص في مجال الرؤى الشفافة النقية:

في زمننا العربي الغارق في سواد يتفوق على ما كان يكسو قفا الدست القديم، هذا الزمن الذي انكسرتْ فيه القيم مع آلاف الأشياء التي انكسرتْ وضاعتْ، يبدو عذباً – ولو عبر نص قصصي- أن نعود إلى روائح الخير والمحبة والوجدان النظيف لنتذكر أننا بشر، وأنَّ في الحياة شيئاً آخر غيرَ اللهاث وراء المادة والمتطلبات اليومية، لا أدري.. هل يصطحبنا كاتبُ هذه القصص إلى تلك المدارات عن تخطيط وقصد؟ أم أن طبيعته النفسية هي التي تفيض بما فيها؟ أياً كان الجواب فنحن نسري معه إلى المدارات المذكورة، ونعيش لحظات هي لقلوبنا، وليست لأي شيء آخر.

من خلال قصة(صمت صاخب) يجد القارئ نفسه في لجة أحاسيس المعاق الذي داهمه الفرح بين صديقتيه في عيد رأس السنة وهو يريد أن يرقص، قد لا تكون حركاته جميلة ولا متوازنة، لكنَّ نشوة الفرح تسري في أعضائه، وتحرِّكها، فلماذا لا يستجيب؟! ومما يؤكد شفافيةَ هذا المعاق وانتصاره على جسده أنه يحمل لصديقتيه هدية، لم تكن وروداً، ولا ساعاتٍ ذهبية، كانت لوحته الأولى التي رسمتها أنامله.

ومن خلال قصة:(سياحة شرقية) يتعرف فارس بـ(ألكسندرا) وصديقه هاني بـ(دانييلاَّ) أثناء سياحتهما في دولة من دول الشمال، فترينا القصة جانباً نقياً راقياً من حياة المرأة الأوربية قلما يلتفت إليه القاصون الذين دأب أكثرهم على النيل منها أخلاقياً، فألكسندرا ترافق فارس وهاني إلى الأماكن السياحية، وتزهر سريعاً في قلبها عاطفةُ الصداقة، وفي لحظة الوداع تأخذ تذكاراً من فارس هو قياس زنده الذي تربط حوله منديلها الحريري، وتعقده لتحتفظ بالعقدة لنفسها.

ومن خلال قصة: (النظارة) نطالع ثورةَ العجوز أبي هشام ضد عدو الإنسان الأول: الموت، فأبو هشام الذاهب إلى لقاء صديقه الأخير الباقي من سرب أصدقائه يرى ورقةً بيضاء على باب المقهى يخفق لها قلبه فزعاً، وبينما يحاول وضعَ النظارة على عينيه ليقرأ الورقة تفلت من يده النظارة، وإذا به دون إرادة منه يدوسها بعكازه، ويتابع سيره إلى حيث تنتظره بقية من أمل موهوم بأنَّ آخر أصحابه أبا مصطفى ما يزال حياً!

الأسلوب بين عفوية السرد والتجديد:

إنَّ المساءلة النقدية للأسلوب في هذه المجموعة توصلنا إلى أنَّ الكاتب يجنح بوضوح نحو العفوية. إنه يدخل قصصَه دخولَ المحب الصادق، يمدُّ من قلبه أناملَ رقيقة لتتلمس ما فيها من مواضع الفرح والشجن، ولتغزلَ كلماتٍ يمكن وصفها بأنها بنتُ القريحة المطبوعة. وهنا قد يقول قائل: إنَّ زمن القرائح قد ولى، ولا سيما في القصة التي باتت تطالب القاصَّ بأن يكون متعددَ الطاقات رغم واحديته، عليه مثلاً أن يمتلك الدراية بالتحليل النفسي والاجتماعي، وأن يفهم في السياسية والقانون والفلسفة والدين وحتى في الزراعة والأغاني والمكياج.

وفي الرد على ما سبق أقول: إنَّ القريحة الخبيرة الواعية تستوعب ذلك كلَّه، وتقدِّمه في إهاب من الانسياب والتلقائية، ومن الظاهر في قصص الكتاب أن المؤلف رغم ميله إلى (السرد الكلاسّي) نراه يفتح صدره لظلال من التجديد دون أن يضع نفسه في مهب العاصفة التي قد تقتلعه من جذوره، نلمس نموذجاً من تجديده في قصة: (النقطة الفاصلة) حيث نجد تعاملاً حساساً متوتراً مع الزمن، فالقصة كلُّها تدور في مسافة زمنية لا تتعدى الدقائقَ الخمس.. تلك التي تغادر فيها صبيَّة بيتَ صديقها القابعَ على سطح المبنى بعد أن منحته ما يشتهي من جسدها، إنها تهبط الدرجات بحذر خوفاً من أن يراها أحد، وعيناها تنتقل بين ساعتها وبين أبواب الشقق الموصودة في الطوابق والتي يُفتح أحدها فجأة، فيسبب لها موجةَ ارتباك، ولا سيما أنَّ التي تظهر في فتحة الباب امرأة، ومع متابعة هبوط الدرج تغوص الصبيَّة في ذاتها وفي جذور علاقتها بالشاب، وتعتقد أنها اليوم اجتازتْ حاجزَ الأوهام، وعند المدخل الخارجي للمبنى وقد حظيتْ أعصابها بالراحة بعد التوتر تصطدم بكائن ناعم يشبهها هو: نوال، الكائن في طريقه إلى السطح فيما يبدو!

إنَّ تكنيك هذه القصة تكنيك حديث يعتمد تقنيةَ (المِحرَق الواحد) الشديد الالتهاب، فالقصة كلُّها معبأة في زمن بالغِ القِصَـر يشبه عنق الزجاجة، يحاصر القارئَ بالتشويق، فيسابق قلبُه في دقاته دقاتِ قلب الصبية التي تهبط الدرج!

غير أنَّ الكاتب يمكنه أن يستشرف مزيداً من التجديد في قصصه القادمة، ويبدو من مقارنة مجموعته الأخيرة بسابقتيها أنه يخطو في هذا الاتجاه، وهو يتقدم من عمل إلى آخر.

ولا تخلو مجموعته هذه- رغم ألقها- من عثرات صغيرة، قاده السهو إليها أو طبيعةُ الحدث القصصي كما أظن، من ذلك:

* أنه في قصة:(سياحة شرقية) ذكر بأنَّ التفاهم بين فارس وألكسندرا يتم بالإشارة ولغة العيون، ثم بعد ذلك بقليل نجده يورد في القصة: (سألتها)و (قالت)!

* استعمل في قصة:(ورود حمراء وبيضاء) نعوت: العهر، الهمجية، الإرهاب، وهي صحيحة لوصف ما قامت به إسرائيل في لبنان، لكنَّ هذه النعوت من قاموس الأسلوب المقالي، وكان من الممكن الاكتفاء بوصف الأفعال التي تدل عليها من دون إيرادها لفظياً.

أخيراً.. إنَّ هذه المجموعة تكشف عن إخلاص القصة لقصصيتها، والتفاتها إلى ذاتها، أي أنَّ الكاتب يعيد النقاط الضائعة إلى حروفها، ويمنحنا رشفةَ أمل بأنَّ زمن القص الجميل الذي كان له آباء وأبناء سيكون له أحفاد.

*   *   *

 

 

هامش:

(1) لانحسار القص أسباب يضيق المجال عن ذكرها، وفي زمن القص الجميل أسماء أخرى، ففي جيل الرواد مثلاً: فؤاد الشايب، ليان ديراني، ياسين رفاعية، فارس زرزور، عبد الله عبد، شوقي بغدادي، ألفة الإدلبي، كوليت خوري، وفيمن جاء بعدهم: حسن م يوسف، تاج الدين الموسى، نور الدين الهاشمي، وجميل سلوم شقير، عدنان كزَّارة، وآخرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: