الجمعة , مارس 5 2021

الشاعر محمد المتيم يكتب : أنا من المطاريد يا أخت جرحي

أنا من المطاريد يا أختَ جُرحي..
لا زالت المنادر عامرةً بالضيوف، والليالي تسري فيها أنفاس ذوي القربى بالأنس، غير أنني -وحدي وبصدرٍ عارٍ- قاسيتُ من الحياة ما يؤهلني بجدارة للانضمام لكتائب المطاريد.
ولم تكن لفظة “المطاريد” سُبَّة إلا في إطار القانون والدفاتر الحكومية، غير أنها عندنا، في قانوننا الخاص، الخاص جداً، تحمل رمزية الصمود أمام قسوة الظرف: الجبل-الليل-الوحدة.

أنا من المطاريد
أنا من المطاريد
أكررها كل ليلة لترسخ في القلب، أحفرها وشمًا على الزند.
الصقيع في القلب، سدَّ المنافذ على سِرّ العشق أن يفوح، تقليب البصر في السماء بحثًا عن الفُرجة التي ستُصَبُّ منها غيمة البشارات، والليل.. الليل الذي نذَرَتْني له التجربة الجبرية، والتي لم يخطر ببال “الابن المثالي لأسرة من الطبقة المتوسطة” أن يتورط فيها.. لا تكفي هذه المؤهلات؟!

أنا من المطاريد..
يومًا بعد يوم، يخنقك الزحام، تتقزز من الأفواه التي تلوك الكلام المجاني، كالحيوانات الخسيسة آكلة الجيَف، وتحترم الصقور.. الصقور لا تأكل إلا من صيدها، أعني تحترم الذين انتزعوا كلامهم بمخالبهم من فَمِ الدنيا اللبؤة.

أنا من المطاريد..
وخطوةٌ واحدة للأمام تفصلني عن القسوة، وخطوةٌ واحدة للوراء ترتدُّ بي للوهن.
المطاريد، سادةُ الوحدة، وخَفَرُ سواحل الليل، يُحنّطون الدمعة في الحدقة قبل السَّيلان باختلاجةٍ واحدة، يكبسون الجرح رمادًا قبل فوران الدم بثانيتين.

المطاريد لا يحتالون..
وهكذا أنا، أشمئز من التحايُل، بقدر ما آنَفُ من قلة الحيلة، هي ضربةٌ، فلتأتِ متى شاءت؛ ولنَمُت واقفين كشجر السُّنط والجُمّيز.
الذي ينقصني فقط لتكتمل حصّتي، وألحق برَكب المطاريد، هو بعض الشكليات كأنْ:
أمشي مُلَثَّمًا،
أحمل بندقية،
أترك خلفي امرأةً
تُرَوِّض ضبعَ الوحشةِ في انتظاري،
أكبس فمي بالرماد قبل التفوّه بهذا الكلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: